مقالات كل العرب

في ذكرى استشهاد خليل الوزير: صرح العقلانية الدفاع عن غياب الهوية الفلسطينية

شارك

في ذكرى استشهاد خليل الوزير :
صرح العقلانية ٠٠ الدفاع عن غياب الهوية الفلسطينية٠

أ. سليم النجار

تقدّم لنا سيرة الشهيد خليل الوزير أدلةً لا تحصى على سعة المادة الفكرية النضالية، التي جهزهم بها الأوائل، التي أثارها الشهيد عبدالقادر الحسيني، الشهيد الشاعر نوح، الشهيد عبدالرحيم محمود، ومهما قُلّبِتْ الموضوعات التي أثرها الشهيد الوزير وتصوراته بتحرير فلسطين، فإنه لم ينقطع عن موروث أسلافه، بل في كثير من جهوده كانت تعيد تاريخ فلسطين النضالي بصيغة جديدة منظمة، والأشكاليات التي طرحها كمؤسس لحركة التحرير الوطني الفلسطيني فتح، كانت تثير حفيظة الكثير من المؤدجلين العرب على امتداد خارطة الوطن العربي.

يبدو الحديث عن خليل الوزير كأنّه حديث عن شبح، فلم يترك أفكاراً مدوّنة، بقدر ما مارسها عبر عمليات عسكرية تخترق الخوف العربي، الذي صٌنع في مطابخ الأستعمار الغربي، وكل أفكاره إنّما أُعيدت صياغتها بعد استشهاده.
تنحدر روافد فلسفة خليل الوزير من منابع كثيرة، ويؤكد أن جوهر الصراع مع العدو الإسرائيلي، هو نظرية الاستحواذ على الأرض العربية، وفلسطين العنوان الرئيس لهذه الهيمنة.
الشهيد خليل الوزير لم يكن مجرد منتقٍ يلتقط أفكار الآخرين ،ويلفق منها كشكولاً فلسفياً، بل على العكس، كان مفكراً أصيلاً بأعلى درجة، ونشوء مذهبه النضالي في أحضان المعاناة الفلسطينية دليل على قدرته على إدراك طبيعة الحركة الصهيونية، التي لا تؤمن إلا بالإقصاء وإلغاء تاريخ الإنسان من أرضه.
عُرفت فلسفة الوزير النضالية قدرتها على التفريق بين الحس والعقل، فقد كانت رؤيته السياسية عندما كان يرد على بعض فصائل اليسار الفلسطيني، نحن نفعل وهم يعلقون على ما نفعل. وقال: أنّ الحقيقة الفتحاوية تتأسس على العقل السياسي الذي يعرف طبيعة القوى العالمية، وأيضاً موازين القوى.
وكان الشهيد الوزير يعي تماماً أنّ عالم الحس، عالم وهمي، خاصة إذا ما قام على أيديولوجية محنطة، لا تستطيع التفريق بين المعرفي والوهمي، فالمعرفة التي أسس لها من خلال حركة فتح، تتم من خلال المفاهيم والعقل، وأنّ المفهوم ليس مجرد قاعدة للتفكير، بل هو حقيقة لتنفيذ ما تؤمن به من قيم نضالية واخلاقية.
وكان الشهيد عندما يودع مجموعة من المقاتلين لأخذ دورات عسكرية متقدمة في الأتحاد السوفيتي، والصين، وكوبا، يؤكد للفدائيين على ضرورة الالتزام بالقيم العربية الإسلامية والابتعاد عن أي سلوك مُشين، موضحاً لهم أنهم يمثلون الهوية العربية الفلسطينية.
ومعروف أنّ فلسفة الوزير تضع في اعتبارها مهمّة حلّ لغز الحركة الصهيونية، ستبدأ ضرورة بالبحث في طبيعة الحقيقية الصهيونية القائمة على المطلق من المفاهيم التي رّوجت لها والتي تصدر عن عقل سياسي موتور واستعلائي،
وهنا نجد تأصيلاً لمصطلح الهوية الفلسطينية النضالية الذي طرحه الشهيد خليل الوزير ولكن في سياق جديد، تمثل في تأسيس حركة فتح، التي عرّفت منذ انطلاق رصاصتها الأولى أنها عربية المنشأ إنسانية التوجه، لذا لم يكن مستغرباً أنها دهمت بشكل مباشر كل حركات التحرر العالمية، ليس ابتداً من حزب المؤتمر الذي قاتل العنصرية البيضاء في جنوب أفريقيا، ومروراً بدعم الثورة الساندينبة في نيكاراغوا، وليس انتهاءً بتأسيس حركة المحرومين في لبنان التي عُرفت فيما بعد بحركة أمل، ولم يتوقف الشهيد خليل الوزير بدعم الثورة في الفلبين التي كانت تدافع عن المسلمين المهمشين هناك.
شُغل الوزير بموضوع العقل وعملية التعقل، وعنده العقل يقوم بمهمّة تجريد الماهيات والمعقولات التي كانت مهينة على الساحة العربية والدولية، التي تجلت بأبشع صورها “أن الفلسطيني ضحية ولاجئ يستحق الشفقة والتعاطف معه”،
فحول هذه الصورة إلى عقل فتحاوي فعال، مفرقاً بين العقل المنفعل، والعقل القادر على الفعل القادر على تحقيق الهدف المطلوب منه، ومن ثم كانت عقلانية خليل الوزير تهدف إلى سبر أغوار قدرات الشعب العربي والفلسطيني في المقام الأول، القائمة على التعقل المستمر في الكشف عن أدوات نضالية لمواجهة العدو الإسرائيلي، فكانت عملية ديمونة التي اخترقت كل الحواجز العالمية، واستطاع الوزير الوصل لحصن ديمونة النووي، واوصل رسالة لكل من يستهين بالفدائي العربي الفلسطيني، فحوها أن أرضنا الفلسطينية التي يغتصبها الإسرائيلي نمتلك القدرة الوصول لها بأسلحة بسيطة، ولا يوجد مقارنة بين الكلاشكنوف والسلاح النووي، لكن فتح خلقت معادلة جديدة، أن الإرادة هي السلاح الفعّال، التي تستطيع دك حصون العدو الأسرائيلي.
وكان الوزير يردد ليس ثمّة سؤال خارج العقل، فهو كما خلصت تجاربه النضالية ومقارعته للعدو الأسرائيلي، أن النضال الجماهيري على الأرض الفلسطينية هو خلاصة حركة فتح، فكانت الانتفاضة الأولى التي شاركت فيها كل شرائح المجتمع الفلسطيني، وقبل أن تزهر بأيام قامت إسرائيل بإغتياله في تونس، ليأتي الرد على هذه الجريمة النكراء، انطلاقة الانتفاضة في كل الأرضي الفلسطينية، التي ابهرت العالم، وبأن الحجارة تقاوم اعتى الأسحلة الغربية دماراً وفتكاً بالإنسانية.
رحم الله الشهيد خليل الوزير، التي شكلت عملية استشهاده علامة فارقة في صوغ العلاقات الإنسانية، والمفاهيم الفكرية، والتصورات الخاصة بالأنا والآخر.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى