كل الثقافة

لا يسكب القمر ضوءه على الخيين

قصة قصيرة

شارك

لا يسكب القمر ضوءه على الخيين

أ. سيد كاظم القريشي

1
– رأيت حورية تتشبث بمؤخرة سيارتك؛ حاكمة قبضتها على ممتص الصدمات خشية الانفلات والسقوط؛
ابتسم بوجه العجوز؛ ادار محرّك التويوتا موديل ٨٣ و هزّ رأسه:
– حلم خير؛ رؤاكِ صادقة دائما يا أمّاه
– لا تتأخر واجلب لنا من المحمرة سمك الصبور..
قالت هذا وتمتمت بالمعوذات ونفخت خلفه أو بالأحرى خلف سيارته.
يعيش خلف مع أمّه في مدينة معشور ويعمل في نقل البضائع إلى هناك وهناك.. انطلق وترك أمه مع امنياتها وغرق في زحام الطريق.

2
– امنيتي أن ارقص بفستان أحمر في حفل زواجك.. قد تأجلت هذه الامنية بما يكفي يا ولدي
تذكر كلامها وهو خلف المقود يطوي الطريق
– سترقصين يا أماه وسأرقص معك خاصة في يوم الحنّة
أجابها بحنّية
– وسترقص مع زوجتك يوم الزفاف..
و ضحكا معاً.

3
وصل إلى المحمرة؛ أفرغ الحمولة؛ ذهب إلى الشريعة؛ ابتاع السمك واتجه صوب البيت مسرعا كي يصل قبل حلول الظلام.
قبل الوصول إلى دوار القوة البحرية والخروج من المدينة؛ اعترضه عجوز يلفُّ وسطه بكوفية يرجوه التوقف مستعينا بكلتا يديه للأشاره.. وعلى مقربة منه فَتَيَان جالسان على صندوق خشبي.. توقف على مضض.. ازدرد العجوز ريقه-
– رحم الله ابويك.. عندنا هذا الصندوق؛ نريد ايصاله إلى الخيين ..
– على طريق الشلامجة؟
– لا يبعد من هنا كثيراً
قالها وفي صوته ارتعاشة؛ ثم نظر إلى خلف بأستيصال.
– لكن طريقي عكس معاكس تماما..
– اطلب ما تشاء من الأجر
– ليس الأجر كل شيء
دنا منهما احد الفتَيَان.. فرك عينيه.. كانتا تميل للحمرة ..
– خذ ما تشاء .. لن ننسى طيبك وكرمك.. ارجوك!
تابعه العجوز بنظرات تستجديه العطف وترجوه القبول
– حسنا؛ اصعدوا؛ لكنني لست طامعا بأموالكم.. إنما افعلها لوجه الله..
وابتسم ..
صعد العجوز في الكابين مع خلف وصعد الفتيان في الخلف ومعهما الصندوق الخشبي.. اتجهوا نحو الشلامجة.. كان يدوس على الفرامل بقوة.. لا يريد أن يتأخر على أمه العجوز .. فهي تقلق بسرعة.

4
بعد أقل من نصف ساعة؛ ظهرت على جانب الطريق اطلال متناثرة
– لقد وصلنا
قال العجوز دون أن ينظر إلى خلف
– هنا؟..
– نعم .. لن نتأخر عليك
نزل العجوز . نزل الفتيان .. انزلا الصندوق.. اتجهوا به نحو الخرائب .. غابوا بضع دقائق .. ظهروا واحدا تلو الآخر يتقدمهم العجوز .. ركبوا السيارة .. انطلقت السیارة.. كان الوجوم سيد الموقف .. كان العجوز تائها في افكاره يدخن سجائر اللف.. نظر اليه خَلَف بأشفاق وتساؤل.. أراد أن يسأل العجوز عن الأطلال وعن الصندوق.. لكن تَوَهان العجوز وشروده منعه من ذلك.. وصلوا دوار القوة البحرية.. اعطاه العجوز اجرته مضاعفة.. وغاب مع الفتيان في الظلام ..

5
انطلق خلف في طريقه لكن الأسئلة لم تفارقه.. ظلّت تدور في رأسه.. من هم هؤلاء؟.. ما ذلك الصندوق؟.. ما فيه؟.. لماذا تركوه في الخرائب. تلك؟.. لماذا لم يسأل العجوز عن الأمر؟.. ما الذي منعه من الاستفسار؟.. لماذا وافق أن يوصلهم؟.. هل اغراءه المال وكان سبباً كافيا ليذهب معهم؟.. لو لم يتأخر في سوق السمك لما صادفهم.. لكن أمّه طلبت منه سمك الصبور.. هل في ذلك سر؟.. هل في ذلك إشارة؟.. يا الهي ما سر ذلك الصندوق؟.. من هم هؤلاء حَمَلَة الصندوق؟.. ماذا يحمل في داخله؟.. وهو غارق في هذه الأفكارو التساؤلات لم ينتبه بأنه أدار المقود ورجع إلى حيث الخرائب.. إلى حيث الخيين

6
توقف أمام الخرائب.. اطفأ محرك السيارة.. أخذ من خلف الكرسي عصا قصيرة من الخيزران واتجه صوب الخرائب بحذر ووجل.. يقدّم قدماً ويؤخر أخرى.. يتلفّت إلى اليمين وإلى اليسار.. كان الظلام دامساً.. تذكر أمه
– أبني لا تخشى الظلام .. لا يوجد في الظلام الا الأمان..
كانت تقول لابنها اليافع في الليالي التي يغيب فيها القمر
– لكنني اخشى الطناطلة .. فالظلام موطنهم
كان يقول لأمه في تلك الليالي الغابرة
– خذ معك مسلّة .. فهم يخشون الحديد..
تلمّس جيوبه بيدين مرتعشتين.. لم يحمل معه مسلّة.. لكن مفاتح السيارة من حديد.. قبض على المفاتح بقوة..
دخل الخرابة.. الظلام يعم المكان.. تذكر نقّاله..
– يا لسذاجتي!.
قال في نفسه ووصف نفسه بكلمات بذئية
– لمَ لم تتذكر النقال يا احمق
قالها معنفا حماقته
اشعل مصباح النقال.. تقدم إلى الأمام. رأي الصندوق في ركن الخرابة.. تقدم نحوه.. كانت قدماه ترتعشان.. يا الهي ما الذي في الصندوق؟!.. ما الذي جاء بي إلى هنا؟.. ما شأني به.؟. لماذا لا اتركه واذهب في سبيلي.. بينما تغمره هذه الافكار وجد نفسه يفتح الصندوق بركلة قوية.. ربما مصدر قوتها الخوف والهلع.

7
سلط ضوء النقال على داخل الصندوق.. جفل صارخا وتراجع إلى الوراء.. ركض إلى الخلف ليهرب.. لكن خارت قواه وسقط ارضاً.. زحف نحو السيارة.. فتح الباب ودلف فيها.. مسك قنينة الماء وشرب جرعة وسكب على وجهه ورأسه منها.. ارجعه الماء البارد إلى رشده.. دارت في رأسه افكار متباينه وهلوسات.. لا يدري ما هو القرار الصحيح.. أيذهب هاربا ويخلّص نفسه من وزر الصندوق وما فيه.. اذ هو بغنى عن المشاكل والازمات.
– يكفيني ما فيني
تمتمت شفتاه
لكن الفضول وحُبّ الاستطلاع لم يتركه أن يتخذ قراره الحاسم.. لا زال ضوء النقال الذي سقط منه يضيء الاطلال.. تعوذ بالرحمن وذهب نحو الصندوق.
تقدم بوجل.. تمتم المعوذات وقرأ (و إن يكاد) بصوت مرتفع.. وصل الصندوق.. سلّط الضوء مرة اخرى على داخله.. كانت في الصندوق فتاة نائمة القرفصاء.. أو هكذا تبدو.. كانت ميته وحول رقبتها شال(غطاء رأس) أحمر مشدود بإحكام.. فكّر أن يتصل بالشرطة.. لكنه تراجع فورا اذ لا يريد التورط بأمر لا تحمد عقباه..
– كيف ابرر تواجدي مع جثة في خرائب خارج المدينة..
خرجت الجملة من فمه تشبه الحشرجة؛ امتدت يده لا اراديّاً نحو الشال.. انتزعه من رقبة الفتاة.. ظهرت حلقة زرقاء حول الرقبة.. الفتاة تبدو جميلة.. و إن كان وجهها شاحب ويميل إلى الزرقة..

8
قرر أن يسد الصندوق ويفرّ هاربا من هناك.. لكن في اللحظة الأخيرة قبل إغلاق الصندوق؛ سعلت الفتاة.. قفز خَلَف من مكانه كأنما لدغته أفعى؛ تغوذ بالرحمن.. تمتم بالتعويذات .. كرر من (الجنّة و الناس) بصوت عال لا اراديا.. وابتعد عن الصندوق. اقترب مرة اخرى من الصندوق وهو يزدرد ريقه.. جلست الفتاة مرتعبة تتلفت يمينا وشمالا .. خرجت من جوفها حشرجة غير مفهومة.. رفعت يديها نحوه كي تحمي نفسها.. تتضرع لكن لا تخرج الكلمات من حنجرتها.. كانت الكلمات غائرة في صدرها وجوفها..
– لا اريد ايذاءكِ.. على رسلكِ.. لا تخافي.. لن اوذيك.. على مهلك..قولي ماهي قصتك؟
و إمارات الذهول تغزو وجهه و ترتعد فرائصه. كان الهلع والخوف والرجاء ما هو بادٍ على وجه الفتاة.
– لا تخافي.. ارسلني الله لانقاذك .. لن اوذيك..
تقرفصت الفتاة اكثر فأكثر في الصندوق.. عيناها تدوران في محجريهما.. نسى خلف الخوف والهلع وبات اكثر حزما:
– لا تخشيني.. لن يؤذيك احد وأنا موجود..
يريد ان يُطمئن الفتاة ويزيح عنها الهلع والخوف الشديدين

9
هدأت ثورة الهلع بعدما طمئنها خلف.. طلبت الماء منه بالاشارة.. اخرجها من الصندوق.. ساعدها كي يصلا إلى السيارة.. اجلسها فيها ..رش وجهها بالماء.. اعطاها القنينة.. حاولت أن ترتشف جرعة من الماء لكن دون جدوى؛ فبلعومها لا يستجيب لها.. غسل وجهها.. ابتلت شفاهها.. تكومت في كرسي السيارة .. انهمرت دموعها خرجت حشرجة من جوفها.. ظلّ صدرها يعلو ويهبط بسرعة.. جلسف خلف؛ خلف المقود..
– يا الهي ماذا افعل .. يا ربي ماذا اصنع..
ثم أضاف
– من أنتِ؟.. ما هي قصتك؟ . من هم هؤلاء الرجال الثلاثة؟.. من هو ذلك العجوز؟.. تكلمي.. ساعديني.. انا قريب من الجنون..
لم يسمع منها جوابا غير بكاء وحشرجات تخرج متكسرة من صدر ها

10
– انت يا اماه.. انت يا عجوز الخير.. انت فقط من يستطيع مساعدتي..
ادار المحرك وانطلق نحو البيت.. قبل أن يصلا إلى دوار القوة البحرية؛ ظلت الفتاة ترتجف وكأنما أصابها صعيق.. دثرها ببطانية كانت تحته ثم داس الفرامل بقوة وابتعدا من المكان بسرعة.. ابتاع من صيدلية في عبادان بعض الشاش والمنظفات وحبوب لتسكين الوجع والحمى.. وصلا إلى البيت في وقت متأخر .

11
– من هذه الفتاة؛ اي امر فادح ارتكبت.. لم اعرف عنك من تصرفات سيئة
قالت له العجوز مستنكرة وقد استشاطت غضبا حين رأت الفتاة بحالة مزرية مع ابنها وارادت أن تعنفه..
لكنه تدارك الموقف:
-أليست أنت التي طلبت مني حورية.. رأيتيها في احلامك وهي تتشبث بمؤخرة سيارتي.. إذن ها هي الحورية
– ماذا
– سأشرح لك الأمر برمته.. الافضل أن تجهزي الحمام لها اولا وتجلبين لها ثيابا مناسبة.. ثم سأحكي لك القصة بالتفصيل الممل.. كوني واثقة يا أماه وانت تعرفين ابنك خير المعرفة.

12
بعد أيام شعرت الفتاة بتحسّن؛ كانت أم خلف تعتني بها و ترعاها. كان خلف وأمه جالسان قرب الفتاة وهي ترقد في فراشها
– لو لم تأتي وتفتح الصندوق لما رجعت للحياة مرة اخرى؛ أنت وهبتني حياة جديدة
خاطبت خلف بصوت مرتعش
– تلك مشيئة الله يا ابنتي
قالت العجوز وهي تمسد على رأس الفتاة الممدة أمامها
– لقد رأتك أمي في منامها.. انت حورية احلام امي..
قال خلف ضاحكا
اعتدلت الفتاة في فراشها؛ نظرت إلى أم خلف؛ وجدتها تنظر لها بتحنان؛ بادلت نظراتها بين الأم و ابنها؛ سعلت مرتين؛ بللت شفتيها بلسانها
– اقسم بالله بأنني بريئة.. لم افعل أمرا مشينا.. لم ارتكب ما يستوجب اهانتي قبل قتلي..
سعلت مرة اخرى؛ ازدردت ريقها
– لكنهم لم يصدقونني.. حلفت لهم.. توسلت اليهم.. رجوتهم.. بكيت.. صرخت.. طلبت منهم أن يأخذوني للطبيب كي يفحص عن عذريتي.. لكنهم رفضوا ذلك.. اغلقوا عقولهم بينما كانت افواه الناس مفتوحة.. صدقوا هراء الناس.. في النهاية يأست وصرخت بوجوههم أنكم لستم رجالا.. أنتم لستم حتى بشر.. اقتلوني؛ لا يشرفني أن اعيش مع سفلة مثلكم.. خنقوني بشالي.. احكموا الشال على رقبتي وقتلوني .
ثم انهمرت دموعها كالشلال
حملقت الفتاة إلى السقف.. تاهت في ذكرياتها ساد الصمت.. نزٌت الدموع من عينيها.. كانت قد خرجت الكلمات من فمها متدفقة..

13
بعد شهر او اكثر استعادت الفتاة عافيتها بالكامل وكانت العجوز ترعاها وتغدق الحنان عليها ولكن السنة الناس لا تتركها
– من هي هذه الفتاة التي عندكم
سألت من العجوز احدى جاراتها بدافع الفضول
– هذه بنت اختي ؛ من مدينة كنگون
ردت العجوز بحكنة لتبعد الشكوك..
– لماذا لا تشبهكم فأنفها دقيق على عكسكم
– خلقة الله.. لله في خلقه شئون
ردت العجوز بحكمة بالغة

14
بعد ثلاثة اشهر قرر خلف أن يتزوج الفتاة التي باتت جزء من العائلة وقد استشار والدته من قبل بهذا الشأن.
– ما رأيك يا عذراء؟
اطلق هو عليها هذا الاسم مؤمنا ببراءتها
– أنت فارس احلامي.. انت ارجعتني للحياة.. لولا لكنت جثة هامدة في صندوق خشبي في زاوية اطلال متهالكة
وهكذا تزوجا بمباركة أم خلف.. كان زواجهما بحضور حلقة ضيقة من الاصدقاء وباعتبارها بنت شقيقة ام خلف وقد توفيّ والديها بفايروس الكرونا في مدينة كنگون وليس لها احد هناك ..

15
حدث ذلك اللقاء المشئوم بعد خمسة اشهر من ميلاد مولودهما الثاني الذي تلا ميلاد ابنتهما البكر بعام واحد فقط حيث اكتملت فرحتهم بمجيئة
– اريد سيارتك.. انقل بها بعض البضائع الى بيتنا الجدي ..
قال سوادي ذلك لخلف في صباح يوم خريفي، و قد حلّ على شارعهم منذ سنتين وارتبط بخلف في جلسات احتساء القهوة الصباحية في حيّهم الشعبي
– حسنا خذها ؛ فأنا اليوم لا اذهب للعمل

16
طلبت ام خلف من ابنها في مساء ذلك اليوم ان يصطحبها إلى عيادة الطبيب تاركة عذراء وطفليها في البيت. رجع سوادي قبيل الغروب وركن السيارة أمام بيت خلف وطرق الباب
– من بالباب ؟
– أنا سوادي؛ أين خلف؟
– ذهب للطبيب
– ارجعت السيارة وهذه مفاتيحها
هي لم تفتح الباب لاحد قط؛ لكنها فتحت الباب هذه المرة لتأخذ المفاتيح فقط
– مساكم الله بالخير ..
و رأي مَن بالباب
– الله بالخير خوية
ناولها المفاتيح وذهب
– أليست هذه حسناء
قال في نفسه .. سار في الشارع و الافكار تزدحم في رأسه
– نعم!.. هي حسناء بنت جارنا القديم في المحمرة زاير مهودر ..
ثم سأل نفسه ذاهلا:
– لكن متى تزوجها خلف ونحن لا نعرف

17
بعد اسبوعين من هذا اللقاء المشئوم وفي ليلة ظلماء والسماء ملبّدة بغيوم داكنة قفزا في بيت خلف فتيان اثنان يراقبهما عجوز اكوس من الشارع وشرعا في وجه خلف وأمه سلاحا اتوماتيكيا و أفرغا تسعة طلقات في جسد عذراء

18
كانت الدماء تغطي خلف وهو يحتضنها… عيناه مشدودتان إلى لا مكان والوجوم سيد الموقف

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى