الكاتب الإماراتي علي عبيد الهاملي ل”كل العرب”: “دوائر النمل”: سردية للكفاح من أجل الخروج من عبثية الدوائر المفرغة

الكاتب الإماراتي علي عبيد الهاملي ل”كل العرب”:
“دوائر النمل”: سردية للكفاح من أجل الخروج من عبثية الدوائر المفرغة

د. شاكر نوري
يطل علينا االأديب الإعلامي علي عبيد الهاملي، مبدع حكاية “دوائر النمل”، الصادرة حديثاً عن ندوة الثقافة والعلوم في دبي، والذي أثرى المكتبة العربية بأعمال متميزة تقاطعت فيها مسارات الثقافة بالإعلام والمذكرات بالسرد، نذكر من أبرزها: “ذاكرة الفرح”، “همسات الذاكرة”، “قال الراوي”، وأحدث إصداراته “وما زال الشغف: حياة بين الإعلام والثقافة”. وقبل الغوص في صميم الرؤية للأديب علي عبيد الهاملي، ومقاربة مجموعته المتميزة “دوائر النمل”، يجدر بنا أن نعرّج على الحضور البارز للنمل في الأدبين الغربيين، الإنجليزي والفرنسي. وفي هذا السياق، لا بد من الإشارة إلى أعمال جمعت بين صرامة العلم وعذوبة السرد، لعل أبرزها ما قدمه عالم الأحياء الأمريكي “إدوارد أو. ويلسون” في كتابه الشهير “حكايات من عالم النمل” (Tales from the Ant World)، والذي يمهد لنا الطريق لفهم كيف تتقاطع هندسة الطبيعة مع هندسة السرد. لم يكن النمل يوماً مجرد كائن بيولوجي عابر في هذا الكون، بل شكّل عبر التاريخ رمزية أدبية وفلسفية عميقة. فمنذ الأزل، زخر أدبنا العربي والعالمي بحضوره؛ وما التراث الذي تحمله صفحات “كليلة ودمنة” لابن المقفع، والحكايات الرمزية على لسان الحيوان للكاتب الفرنسي “جان دي لافونتين”، سوى دليل جليّ على استنطاق هذا الكائن لتمرير أعمق الرسائل الإنسانية.

تبدأ رحلتنا في عالم النمل بوقفة تأملية تقارن بينه وبين البشر؛ مستنطقةً قيم الأخلاق، ومساعي الظفر في عالمين يشتركان، على تنوعهما، في صراع الوجود والبقاء. ويصل إعجاب ويلسون بهذا النظام الاجتماعي الدقيق إلى حد التأكيد على أنه لو لم يظهر “الإنسان العاقل” كفصيل استثنائي مهيمن، لكان الأجدر أن تُطلق على الأرض تسمية “كوكب النمل”. وإذا كان ويلسون قد قارب النمل من زاوية العلم، فإن سردية النمل قد بلغت ذروتها التخييلية مع الأديب الفرنسي “بيرنار فيربر” في عمله الشهير “ثلاثية النمل”. تتجلى عبقرية فيربر في استعراض ما يمكن تسميته بـ “التكنولوجيا النمليّة”، والمتمثلة في هندسة وبناء قلاع لا تُقهر في باطن الأرض.
“دوائر النمل”: عندما تختزل الحشرة أسئلة الإنسان الكبرى
لقد استوحى الكاتب نواة الحكاية الأولى لـ “دوائر النمل” من ومضة سردية عابرة؛ لقصة مترجمة عن البرتغالية لا تتجاوز سطورها الخمسة. تلك الومضة العابرة هي التي قدحت زناد المخيلة، لتتناسل منها التفاصيل وتتشعب التداعيات حتى أثمرت عملاً يربو على الثلاثمائة صفحة”. عندما نقف أمام حكاية “دوائر النمل”، نجد أنفسنا أمام تجربة سردية متفردة تعيدنا إلى الجذور الأولى للقص. لم يختر الهاملي لعمله أن يُصنف ضمن القالب الهيكلي المعقد لـ “الرواية”، بل انحاز بوعي فني لمصطلح “الحكاية”؛ إيماناً منه بأن الحكاية هي الجذر الأصيل والمادة الأولى للسرد، تماماً كما استلهم أدبنا العربي روائعه الخالدة من سرديات “ألف ليلة وليلة”. هذا الاختيار الذكي ليس مجرد تبسيط فني، بل هو عودة مقصودة للبساطة المدهشة التي تتيح للقارئ التركيز على الفعل، والمغزى، والتفاصيل النفسية، بعيداً عن الترهل الذي قد يصيب النصوص الطويلة.
وأجاب على هذا السؤال:” إن حلم أي كاتب أن تصدر له رواية في هذا الزمن الذي يسميه البعض “زمن الرواية”. وأضاف: ” إنني وقعتُ بين حيرة هل أسميها رواية أو حكاية؟ الحكاية تُروى، أما الرواية فتُبنى”.
وأضاف الهاملي: “لو سألنا أغلب الكتاب العرب وغير العرب بماذا تأثروا؟ لكان رد أغلبهم أنه تأثر بحكايات ألف ليلة وليلة. والجميع متفق على أنها ليست رواية وإنما هي مجموعة حكايات أثرت في أكثر من نصف كتاب العالم العرب والأجانب أيضا. لذلك فضلت أن أسميها حكاية، وليس في هذا انتقاصا من العمل، ولكنه توصيف لنوعه وتصنيف له.”
وأكد الهاملي أن الحكاية شكل سردي بسيط، غالبا ما يقوم على حدث واحد أو سلسلة أحداث متتابعة تروى بطريقة مباشرة، وهي لا تهتم كثيراً بالتفاصيل النفسية للشخصيات ولا بالبناء الفني المعقد. ومع ذلك في أجزاء من الكتاب أو الحكاية هناك اهتمام بالتفاصيل النفسية للنملة التي هي بطلة الحكاية. وقال إن الحكاية تركز على الفعل نفسه، ماذا حدث وكيف انتهى؟ لذلك نجدها حاضرة بشكل كبير وبقوة في التراث الشعبي وقصص الجدات، وغالباً ما تحمل الحكاية مغزى أخلاقي أو حكمة تروى بلغة سهلة قريبة من المتلقي. وضرب أمثلة من الحكايات منها: علاء الدين والمصباح السحري، علي بابا والأربعين حرامي، رحلات السندباد، كليلة ودمنة، حكايات جحا، بينوكيو وغيرها من الحكايات التي تشكلت منها ذائقتنا القرائية والأدبية ومرحلة مهمة في مسيرة الحياة.
وكان اختيار “حكاية” لهذا الكتاب، لأن الحبكة بنيت على موقف ترتبت عليه مواقف أخرى، أو تداعيات ضمن العمل السردي. وركز على القول إن الحكاية هي الجذر الأول للسرد، وأن الرواية هي الشجرة الأكثر تعقيدا ونضجاً. في هذا العمل، لم تعد النملة مجرد كائن يعيش في مستعمرة تحكمها الغريزة، بل تحولت إلى مرآة عاكسة ومجهر دقيق يُسلط على الذات الإنسانية المعاصرة. لقد برع الكاتب في “أنسنة” هذا الكائن الضئيل، ليُحمّله هموم الإنسان، والعامل، والموظف الكادح الذي يدور في دوائر الحياة الوظيفية والاجتماعية الضيقة. إن بطلة الحكاية هي تجسيد حي لرحلة الفرد المعلق بين قيود الالتزام القسري وضغوطات الحياة؛ يتخبط في دوائره باحثاً عن ذاته وسط زحام العلاقات ومآزق الحياة اليومية.
ولعل الإبداع الحقيقي في “دوائر النمل” يكمن في قدرة النص الاستثنائية على الإسقاط النفسي والاجتماعي. فمن يقرأ الحكاية ويغوص في طبقاتها، لا يملك إلا أن يتماهى مع بطلتها، ليجد نفسه يردد في قرارة نفسه: “أنا تلك النملة”. لقد نجح الهاملي في تحويل كائن متناهي الصغر إلى منصة أدبية لطرح الأسئلة الوجودية الكبرى التي تمس حياة كل فرد منا. فهو يراقب انفعالات بطلته وهي تحاول الخروج من أزمتها، مقدماً عملاً يمزج ببراعة بين الأدب الرمزي العريق—الممتد من مدرسة ابن المقفع—وبين نقد الواقع المعاصر، بأسلوب يجمع بين عذوبة السرد وصرامة التأمل. دوائر النمل” إذن، ليست مجرد قصة عن عالم الحشرات، بل هي وثيقة سردية تختزل صراعنا اليومي في دوائرنا المغلقة، وتدفعنا للتأمل في حجمنا الحقيقي، ومساعينا الدؤوبة داخل هذا الكون الواسع حيث تم التركيز على التناص مع التراث (اختيار قالب الحكاية بدل الرواية)، والإسقاط الوظيفي والاجتماعي (النملة كرمز للإنسان العامل)، وهي الزوايا التي تمنح حكايته عمقاً يربط بين نية الكاتب وتأويل القارئ. ولعل أهم ما تطرحه الحكاية: الأنسنة وحدود التخييل. إن أول ما يطالعنا في هذا الأثر الأدبي الريادي هو البراعة الفائقة في “أنسنة” النملة؛ ليس عبر تشويه فطرتها البيولوجية، بل من خلال منحها وعياً بشرياً يتقن فن التساؤل وحنكة التدبير. انطلاقاً من هذا المزج المدهش. وهنا كان لا بد لنا من سؤاله عن: مساحة الخيال مقارنة بالواقع في نسيج هذه الحكاية؟ وكيف تخلّقت شرارة الفكرة الأولى لكتابتها؟ فيجيبنا: “تُعد “دوائر النمل” سردية للكفاح والبحث الدؤوب عن مخرج من عبثية الدوائر المفرغة. وإذا سلمنا بأن حياة النملة تحكمها “الفطرة” الصارمة، فهل يمتلك الإنسان المعاصر “بوصلة” إرادية تمكنه من كسر دوائره الروتينية القاتلة؟ أم أننا، في جوهرنا، محكومون بالسير في رتلٍ وظيفي ومجتمعي لا نملك ترف تغيير مساره؟
ثم سألناه عن تراجيديا هذا الكائن الضئيل، ومن اللافت في هذه الحكاية أن النملة لم تطلّ علينا كبطلة أسطورية خارقة، بل ظهرت كـ “موظفة عادية” تكابد يومياتها. إلى أي مدى يمكن للأدب أن ينجح في تحويل كائن “ضئيل” في سلمه الوظيفي والوجودي إلى بطل تراجيدي بامتياز، وهو ما يجسد بكل ثقل صراعنا الإنساني اليومي مع طاحونة الروتين وضغوطات الحياة؟ يجيب: في الموروث الديني، تبرز “نملة سليمان” (عليه السلام) كقائدة استثنائية أنقذت أمتها بكلمة تحذير واحدة. تأسيساً على ذلك. سألناه: كيف استطاع النص الأدبي أن يوازن أو يفاضل بين صورتين متناقضتين: صورة “النملة التابعة” التي تذوب هويتها وتتلاشى في كينونة الجماعة، وصورة “النملة القائدة” التي تمتلك وعياً استشرافياً مستقلاً ينذر بالمخاطر؟ أجابنا:” “نعم إنها ثنائية التبعية والقيادة”.
“دوائر النمل” تعتبر كنموذج إبداعي يستدعي التأمل النقدي، ليس فقط لفرادة موضوعه، بل لتقاطعه مع أسئلة شائكة تخص الإنسان المعاصر. ومن خلال تفكيك شفرات هذا النص، تبرز لنا مجموعة من المرتكزات الفنية والفلسفية التي شكلت بنيته العميقة، بدءاً من العتبات الأولى للنص، وصولاً إلى أثره الجمالي في نفس المتلقي إذ تحمل إيحاءً سيميائياً مزدوجاً. في ظاهره، يحيل إلى الحركة البيولوجية المغلقة لهذا الكائن، ولكنه في عمقه المجازي يتقاطع بذكاء مع “الدوائر الحكومية” والمؤسساتية؛ حيث الدوران في حلقة بيروقراطية مفرغة. ولم يكتفِ الكاتب بهذا الإسقاط، بل وظّف التشريح البيولوجي للنملة ببراعة—برأسها الكبير، وعينيها الواسعتين، وقرني استشعارها دائمي الحركة—ليخلق منها “مراقباً دقيقاً” يمتلك وعياً استثنائياً بمحيطه، مما يمهد الطريق لنقد اجتماعي مبطن عبر التناص التراثي والديني. ورغم التشعبات الفلسفية لحكاية “دوائر النمل”، فإنه يحتفظ ببساطة في التفاصيل وعمق في الفكرة، ما يجعل منها عملاً حداثياً قادراً على الاشتباك بفاعلية مع وعي الأجيال المقبلة.




