مقالات كل العرب

الكادحات في شاحنات الموت: العاملات الفلاحيات بين الوعود المؤجلة وطريق اللاعودة

الكادحات في شاحنات الموت: العاملات الفلاحيات بين الوعود المؤجلة وطريق اللاعودة

أ. رجاء السنوسي

عندما غادرت العاملات الفلاحيات منازلهن فجر اليوم في اتجاه الحقول، لم يكن في أذهانهن أن رحلة العمل المعتادة ستتحول إلى مأساة جديدة تضاف إلى سجل طويل من الحوادث الدامية. في المزونة من ولاية سيدي بوزيد، انقلبت شاحنة كانت تقل عاملات فلاحيات، مخلفة قتيلتين وعددًا من الجريحات، بعضهن بإصابات خطيرة سترافقهن مدى الحياة.
الخبر في حد ذاته صادم، لكنه لم يعد مفاجئًا بالنسبة للتونسيين.
ففي كل مرة يقع حادث مماثل، تعود إلى الواجهة الصور نفسها: نساء متكدسات داخل شاحنات مخصصة أصلًا لنقل البضائع، طرقات ريفية تفتقر إلى شروط السلامة، وعائلات تنتظر عودة أمهات أو بنات أو زوجات قد لا يعدن أبدًا.
ورغم أن قضية العاملات الفلاحيات تحولت منذ سنوات إلى ملف وطني مطروح على طاولة الحكومات المتعاقبة، فإن الواقع لم يتغير بالقدر الذي يمنع تكرار المأساة. فمنذ فاجعة السبالة سنة 2019، التي أودت بحياة عدد من العاملات وأثارت موجة غضب واسعة في كامل البلاد، تعهدت السلطات حينها بإيجاد حلول جذرية لمعضلة النقل الريفي،والبنية التحتية وهشاشة الطرقات وأُعلن عن إجراءات وقوانين وبرامج مختلفة. غير أن الحوادث تواصلت، وكأن الزمن توقف عند لحظة إطلاق الوعود.


تمثل العاملات الفلاحيات إحدى أكثر الفئات هشاشة في سوق العمل التونسي. فغالبيتهن يخرجن قبل شروق الشمس، ويقضين ساعات طويلة في الحقول مقابل أجور محدودة، وغالبًا في ظروف اجتماعية واقتصادية صعبة.حتى أن معضمهن لا يتمتعون بالتغطية الاجتماعية، ورغم الدور الأساسي الذي تؤديه العاملات في الدورة الزراعية والإنتاج الغذائي، فإنهن ما زلن يواجهن تحديات يومية تتعلق بالنقل والحماية الاجتماعية وظروف العمل.
ولعل أكثر ما يثير الأسى أن هؤلاء النساء لا يطالبن بامتيازات استثنائية، بل بحقوق بديهية يفترض أن تكون مضمونة لكل مواطن: وسيلة نقل آمنة، وظروف عمل تحفظ الكرامة الإنسانية، وحماية اجتماعية تقيهن وأسرهن من الهشاشة. فالعاملات الفلاحيات يشكلن جزءًا أساسيًا من منظومة الإنتاج الزراعي في تونس، ويساهمن يوميًا في توفير الغذاء للأسواق، ومع ذلك ما زالت معاناتهن تُختزل في أرقام تُستحضر عند وقوع الكوارث ثم تُنسى بمجرد انطفاء الأضواء الإعلامية.
ولا تكمن المأساة فقط في عدد الضحايا الذين يسقطون كل سنة، بل في تحوّل هذه الحوادث إلى مشهد مألوف. فكل كارثة جديدة تستدعي موجة من التصريحات والتعهدات، ثم سرعان ما تتراجع القضية إلى الهامش إلى أن يوقظها حادث آخر. وبين الحادث والآخر تستمر آلاف النساء في الصعود إلى وسائل نقل غير آمنة لأن الحاجة إلى لقمة العيش أقوى من الخوف.
ما حدث اليوم في المزونة ليس حادثًا معزولًا عن سياقه، بل هو جزء من أزمة أعمق تتعلق بالتنمية غير المتوازنة بين الجهات، وبأوضاع النساء العاملات في الاقتصاد الهش، وبالعجز المستمر عن تحويل التشخيص المتكرر للمشكلة إلى حلول فعلية على الأرض.
لقد دفعت العاملات الفلاحيات ثمن هذا التأخر مرات عديدة. والسؤال الذي يفرض نفسه بعد كل مأساة لم يعد كيف وقع الحادث؟ بل لماذا ما زالت الظروف التي تؤدي إلى وقوعه قائمة إلى حد هذا اليوم؟
بعد كل فاجعة، تُرفع الشعارات وتُطلق الوعود وتُكتب البيانات. لكن العاملات الفلاحيات لا يحتجن إلى الاحتجاج ولا الهتافات ولا لرفع الشعارات، بل إلى إجراءات تحمي حياتهن.فليس من المقبول أن يتحول السعي اليومي وراء لقمة العيش إلى رحلة محفوفة بالموت، ولا أن يبقى نقل العاملات في ظروف غير إنسانية مشهدًا عاديًا في دولة تتحدث عن الكرامة والعدالة الاجتماعية.
في النهاية، ليست هذه الشاحنات مجرد وسائل نقل متهالكة، بل هي مرآة لخلل عميق في جدار العدالة الاجتماعية؛ فخلف كل اسم يُشطب من قائمة الأحياء في هذه الحوادث، تنطفئ عائلة بأكملها، وتتوقف حياة أطفال لم يكن ذنب أمهاتهم سوى السعي وراء لقمة عيش كريمة.
​إن استمرار هذا النزيف اليومي يعني ببساطة أن ثمن الغذاء الذي يصل إلى موائدنا يرتوي بدموع ودماء نساء الريف. ولم يعد مقبولاً اليوم أن تُدار هذه الكوارث بمنطق “الأزمة العابرة”، أو أن تُدفن القضية مع الضحايا بعد انتهاء مراسم العزاء وانطفاء كاميرات الإعلام. الحاجة اليوم ليست لترسانة جديدة من القوانين والوعود المؤجلة، بل لإرادة حقيقية تعيد لهؤلاء العاملات حقهن البديهي في الحياة والأمان، ليكون خروجهن فجراً سعياً وراء الرزق، لا رحلة طريق اتجاه واحد نحو الموت.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى