مقالات كل العرب

بين الحرب والسلم يبقى القرار فلسطيني

شارك

بين الحرب والسلم يبقى القرار فلسطيني

أ. غصون غانم

” الحرب تندلع من فلسطين، والسلم يبدأ من فلسطين” .

ياسر عرفات

في بعض الأحيان ترتفع التوقعات التي تقول أنه عندما تأتي الحرب ستكون أكثر عنفا ودموية مما كان حيث تهيمن الخطط السياسية على مجريات الاحداث ، فالحرب في معناها المعلوم البسيط : فشل للسياسة، وانحسار للدبلوماسية وجميعها مترادفات لمشروع تقويض الأمن والاستقرار ونزع فكرة التحرر والاستقلال في محيط جغرافي كما في حالة تلك الادارة الامريكية المهيمنه على المحيط فتعيين كتلة جيوسياسية وهمية لخدمة القيادة الأمريكية في المنطقة غاية ملحة ويتفاقم التناقض في حالة الاحتلال الإسرائيلي طويل الأمد فتلك السياسة تتناقض مع حق الشعوب المحتلة في المقاومة والنضال من أجل تحررها وتقرير مصيرها ؛ فقد صرح وزير الخارجية الفنزويلي إيفان جيل : إن زعماء ووزراء الكيان الإسرائيلي ليسوا سوى دمى بيد الإدارة الأمريكية ، حيث يدعون إلى التدخل العسكري ، ويُطالبون بالحصار الاقتصادي أو يدعون إلى الحرب ضد العزل ، ويرسلون الجنود لقتل الشباب والاطفال والنساء .
هذا السلام الذي ارادت تصنعه الولايات المتحدة ينطبق على مقولة ( إذا كنتم تريدون السلام ، فاستعدوا للحرب) تبدو هذه طريقة غريبة لإلهام الخير البشري ؛ الساسة الذين يدعون للتسوية بالسلام على الورق دون تنفيذ ، وعلى الارض استعداد البوارج والتسليح الذي يجعل الأرض غير قابلة لحياة الإنسان ولا الحيوان ولا الطيور هكذا وصف أحد النازحين من غزة الوضع هناك قائلاً : (هذه الارض لم تعد تصلح فيها حياة ؛ للطير لم يبقى بها حياة ) ؛ ووسط الأسلحة تصمت القوانين فالمحاربون المنهزمون يذهبون إلى الحرب في البداية ثم يسعون إلى الانتصار .
أما اللغة التي تستخدمها القوى الرادعة تخفي حقيقة الحرب مغلفة باللطف والدبلوماسية الناعمة : أصبحت وزارة الحرب وزارة الدفاع والآن أصبحت وزارة أمن ، هذا يعني أننا سنشهد حروبًا لا تتوقف لأن “العالم مسلح بشكل مفرط والسلام يعاني من نقص التمويل” كلمة الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون . لكن الحركات الأخيرة من أجل العدالة والمساواة لم تستدل بعد على مسارها لم تستطع العثور على نفسها فتغيير ثقافات صانعيها هو المفتاح لتغيير حال الشعوب المقهورة والمحرومة من كافة حقوقها لقد تناسوا من أسهموا في صياغتها وتعاقدت عليه منظوماتهم ؛ كيف لثقافة السلام والتحرر واللاعنف أن تحل توافقياً محل ثقافة الحرب والعنف المتجذرة بعمق الواقع ، كلمة “سلام” شبه غائبة عن الببليوغرافيا ؛ “الحرب تطرح تساؤلاتها بغباء ، والسلام في ظروف غامضة ” .
وعلى مدار هذا الاحتلال الصهيوني للأرض الفلسطينية انتفضت حركات المقاومة الفلسطينية والمقاومة الشعبية على طريق العصف المدني للخلاص من الاحتلال و نيل الحرية والاستقلال والعيش باستقرار كما باقي شعوب العالم ، إلا أنها قوبلت بالقمع والاعتقال والنفي والقتل وتدمير البيوت والتهجير وآخرها ما حلت من إبادة جماعية في قطاع غزة الفلسطيني المجروح ، زلزال مدمر وصل الى حد تهديد الطبيعة وعلى حد وصف ما تنبأ أحد من العلماء لجيولوجيا الارض الى القول بأن القشرة الأرضية وطبقات الارض تصدعت ولم تعد تحتمل وقد يؤدي فيما بعد الى زلزال بسبب قوة التفجيرات وضربات الصواريخ والقنابل التفجيرية المثقلة بالاطنان من الرؤوس الحارقة والمفجرة ؛ فكيف بالإنسان ان يحتمل هذه التكنولوجيا المدمرة ؟ كيف للحياة أن تستمر في ظل هذا القوة الهائلة ؟ كيف للبشر ان ينجو من هذا البطش والفتك والتهديد المدمر الذي يصل لحد الطبيعة والبيئة والصحة وكل المكونات ؟ آآه أيها السلام .. كم من حرب شنت باسمك .
وتتواصل ترديدات تصريحات للحكومة الفلسطينية على لسان رئيس الوزراء قائلاً : كم شهيد فلسطيني تحتاج إسرائيل لكي تنتقم، وكم بيت يجب أن يدمر حتى تشبع ماكنية العدوان من الهدم والانتقام، وكم جريح يجب أن ينزف حتى يتلذذ الغزاة بأنين الأطفال المكتوم تحت الركام، ومناظر القتل الجماعي للأبرياء؟؟ و بلاضافة الا تكفي هذه الحرب من أجل أن يحق الحق العادل للشعب الفلسطيني بإنهاء الاحتلال واقامة دولة فلسطينية مستقلة ؟ تكمن المعضلة المتأصلة التي تفسر هذا المشهد أن العالم كله أصبح يدرك انه من غير المهم الكمية ولا الأعداد وانما فرض القوة والغطرسة والبطش بحياة البشر مهما كانت الكمية ومهما كان العدد حيث تُعدّ دولة الاحتلال الإسرائيلي من أكثر تلك الدول انتهاكًا للقانون الدولي بسبب طبيعتها العنصرية وطوال فترة احتلالها للأراضي الفلسطينية التي تعد أطول مدة إحتلال في التاريخ الحديث ولا احد يعترف بالأعداد والسنين والوقت طالما ان مصالحه لم تتحقق وغاياته لم تصل فالمزيد من الحروب بينما شفاههم تتلعثم عن السلام وحقوق الشعب الفلسطيني في الحرية والاستقلال ، بيد أن الأهم في نظر هذه الادارة الامريكية الهوجاء فرض نظام وشراكات وسياسات ، والايقاع بأنظمة معينة ترفض الخنوع لسياسة الولايات المتحدة والاحتلال الاسرائيلي معا ؛ فلو كان الامر غير ذلك أفلا تكفي كل هذه الارقام لإرغام الاحتلال الإسرائيلي على التوقف عن احتلال الاراضي الفلسطينية والكف عن معاقبة المقاومة والحاضنة الشعبية واعتبار أن مقاومة الاحتلال حق مشروع في الأعراف والمواثيق الدولية، بما أن المقاومة الفلسطينية تنطبق عليها صفة المقاومة المنظمة وشروطها بموجب لاهاي (1907)، وجنيف (1929)، وجنيف الثالثة ، أما اللجنة الدولية للصليب الأحمر التي أصدرت بيانا وصفت فيه معاناة الفلسطينيين في قطاع غزة، خاصة الأطفال ، بـالـ”الإخفاق الأخلاقي”؛ وبعد شهر ونصف من اندلاع الحرب ، سنرى كيف يمكن لمثل هذه المنظمات أن تساهم في إيقاف منطق العنف والغطرسة ، لقد اكتفت هذه المنظمات وصائغيها بكشف جرائم الاحتلال دون التنديد والادانة بجرائمه ، لا لانها منظمات محايدة كما تدعي وتروج بل لأن المشهد هكذا رسمه صواغ التشريعات ويسمح فقط لقوى الشر الدخول هنا .
وهذه المشاهد التي تحدث في عام 2023 الذي يشهد العولمة وبناء المجتمعات والحد من الكوارث والازمات والوقاية، وتفعيل القوانين ومكافحة الآفات التي تهدد البشرية جمعاء ؛ فجميع القوانين والمنظمات لم تستطع أن تجد استثناءًا إنسانيًا ثابتًا في نظام العقوبات ، يسمح للجان الدولية وغيرها من الجهات الدولية باستمرار الوصول إلى السكان المستضعفين في قطاع غزة ويؤسفنا أن هذا بمثابة نموذج لأنظمة فقدت رسالتها واصبحت بلا رسالة ولا معنى امام النداءات الجماعية فلا ملجأ ولا مأمن لهؤلاء المستغيثين وقت الازمات ، ولا ايادي امتدت اليهم من منظمات أوجدتها مهمة العمل الانساني ؛ يبدو من الأجدر لها العمل على تعديل تشريعاتها لتنفذ قرارات متجددة تتماهى مع تلك الثغرات التي يجيد الاحتلال الدخول منها واستخدامها كذرائع لفرض عقوباته .
وأثناء الحرب تأتي المساومات فتستعر اكثر مع تجاهل الثمن الذي دفعته هذه الشعوب و تستفزنا بل تغيظنا دعوات التهدئة والهدنة وقد أُعلنت الحرب ، فالحرب ها هي قد حقت وإما نصر وتحرير أو استسلام وخنوع فلا سبيل دون نيل الحرية وتقرير المصير والحلول الكاملة والشاملة ، عبثاً بالحلول المؤقتة والمجتزأة ستتوقف الحرب وإرادة الحرية أصبحت هي المَدافع و القذائف ، ولا ممر لأنصاف الحلول ولا بتر البنود ولا تقطيع الاراضي ، وان بترت الاقدام والايادي فقد التئمت اكثر من جديد إرادة الحرية ولو ذهبت الاجساد أشلاء فقد جُمّعت مساحات فلسطين وجغرافيتها واقتربت اكثر .
ولما وقفت هذه المعسكرات الدولية معتلّة عن كبح العدوان الأسرائيلي وعملت على تعزيز الصمت الدولي وتعنتت عن الذهاب بموقف للحل الشامل والعادل للقضية الفلسطينية، وحيث ارادت الادارة الامريكية أن تبتعد كل البعد عن مسؤوليتها في العمل من اجل العدل والسلام وفرضها السيطرة على الدول الاعضاء في الاتحاد الأوروبي أصبحت فكرة “الغرب” تعبر فحسب عن خضوع أوروبا الضعيفة للمصالح ونرى أوروبا ضعيفة تشتري معدات عسكرية أميركية وتمول قواعد الجيش الأميركي وتصادق على نظام الحماية  ونرى كيف أن إسبانيا أصبحت تستغل رئاستها لمجلس الاتحاد الأوروبي لتجسيد مفهوم “الاستقلال الاستراتيجي المفتوح” بخطط جديدة لتحقيق الأمن الاقتصادي والجيوسياسي ، هدفه إتحاد أوروبي أكثر قدرة على القوة و المنافسة والمرونة في مواجهة التحولات التكنولوجيةوالجيوسياسية العالمية القادمةبهذا يمكن أن يكون العالم اكثر عدلا في القضايا العالمية بدون ضغوط ولا فرض قيود او سياسات ، وبالمهمه بمكان تواصل الجهود الفلسطينية التي تبذل في الخارج وفي جميع سفارات دولة فلسطين وقد تحدثت الخارجية الفلسطينية بتصريح لوزير الخارجية الفلسطيني : حول الجهد الدبلوماسي الذي تم بذله في استعدادات القمة العربية الطارئة وكذلك القمة العربية الإفريقية وقمة منظمة المؤتمر الإسلامي، مشيراً إلى موقف الشعب الفلسطيني والعربي جمعياً بأن الأولوية هي لوقف حرب الإبادة وفتح الممرات الإنسانية ومنع التهجير القسري، والدعوة لعقد مؤتمر دولي للسلام لفتح أفق سياسي يفضي إلى إنهاء الاحتلال ومنح الشعب الفلسطيني حقه بالحرية وإقامة دولته المستقلة.
ويبقى الرهان للمعركة الوجودية والمصيرية هي المقاومة بكافة أشكالها وأطيافها ومقوماتها والحاضنة الشعبية والرأي العام العربي والاقليمي والعالمي مع ضرورة إعادة تشكيل الوعي وتوجيهه فالحرب الناعمة هي المعركة الأشد خطورة وإختراق العقل هو أعظم الهزائم وعلى مثقفينا القيام بدورهم من أجل احقاق الحق لقضيتنا العادله ؛ وتشكيل النخب الثقافية المقاومة في الداخل والخارج .

وبإرادة تعانق السحاب وعزائم شققت الصخور نستكمل التحرير الذي ننتظره من القيادة السياسية والمقاومة واما الرابح فهو البندقية والثائر المقاوم، هكذا قالها الرئيس الراحل ياسر عرفات:  “الحرب تندلع من فلسطين، والسلم يبدأ من فلسطين” وستبقى اسماء الثائرين هي التي تهيمن على أسماء الشوارع والميادين والساحات العامة وبوابات المدن الكبيرة ومداخل المدن الفلسطينية التي ترحب بزوارها ولن تغلق ابواب مدينتنا .

ناشطة من فلسطين

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى