هكذا سيدخل “الشرع” لبنان.. وفقط

هكذا سيدخل “الشرع” لبنان … وفقط!
أ. هاني الملاذي
ليس حباًّ عذريّاً، ولا إطراءً مجّانياً ذاك الذي اعتاد الرئيس الأمريكي أن يظهره لرئيس الدولة السورية الجديدة والفتيّة، منذ أن أحسن الحليفان الإقليميان الرئيس التركي ووليّ العهد السعودي دعمه وتسويقه أمام سيّد البيت الأبيض.
فالأثمان الأولى من عقودٍ ومناقصاتٍ رست على الشركات العملاقة الأمريكية في مجالات الطاقة والخدمات المالية وغيرها، على حساب الروسيّة والإيرانيّة والصينيّة، بدا أنها مرحليّة لن تغني من جوع الرئيس القادم من أقصى بورجوازيات المصالح وعالم الأعمال، والذي ما تردد يوماً في ابتزاز طال حتّى أهم حلفاءه الغربيين إيطاليا وفرنسا وإسبانيا وليس انتهاءّ بجاره الكندي. فلأي سبب إذاً يمكن أن تشكل ظاهرة رئيس قادم من خلفيات جهاديّة استثناءّ؟
الثمن المطلوب!
ترامب طلب بوضوح من نتنياهو أن يتيح لأحمد الشرع “التعامل مع حزب الله”، ورأى أن ردَّ إسرائيل تجاوز الحد، ويعرّض استقرار الشرق الأوسط للخطر. وخلال مشاركته في قمة “جي 7″، كرر مديحه الرئيس السوري طالباً منه التدخل لمعالجة ملف حزب الله بعد إخفاق نتنياهو في ذلك على حد وصفه.
إن لم يكن ذلك مجرد ورقة ابتزازِ لدفع لبنان وإسرائيل إلى مقاربات حلول واتفاقات برعاية أمريكية، أو لدفع النظام الوليد في سورية إلى تقديم تنازلات في ملفات أخرى، هل أراد من الشرع دوراً شبيهاً بدور حافظ الأسد ونجله الذين حوّلا الجيش السوري الرائد عربياً وإقليمياً إلى مقاول حسب الطلب، فلم نره إلا غازياً لبنان لضرب وتصفية الفصائل الفلسطينية واليسارية، أو مشاركاً بغزو العراق، وليس انتهاء بمشاكسة جيرانه على مدار عقود خمسة!.
قد يبدو منطقياً أنه من المحال تكرار ذلك، ليس فقط لأننا اليوم أمام قوات منهكة بالكامل تفتقر العدة والعتاد كمّاً ونوعاً، بل لأن دمشق ستفتقد دعماً عربياً وتركياً هي بأمس الحاجة له لضبط استقرارها، كما ستواجه حواجز ومصائد من الحسابات الداخلية والإقليمية والدولية المعقدة. فتركيا رغم تنافسها مع إيران، لا ولن ترغب في هزيمة ساحقة تكسر إيران وحليفها “حزب الله” وتفضي لتفوق إسرائيلي مطلق في المنطقة، لا بد أن ترتد مخاطره الاستراتيجية على أمنها، وكذلك دول الخليج التي تبدي حيادية لافتة في الحرب الإيرانية الإسرائيلية الأخيرة، داعمةً صراحة تهدئة الأوضاع في المنطقة، وعدم جر الأوضاع في سورية ولبنان لاشتعال طائفي جديد قد تطال حساسياته مصالحها.
خيارات الشرع
التحدي الحالي بالتالي أمام الرئيس السوري وفريقه يتمثل في خيارين، لا ثالث لهما ظاهرياً:
· أولهما تلبية مطلب الرئيس الأمريكي، والانخراط في مغامرة محفوفة بمخاطر استجلاب رواسب تاريخية دموية خلال حقبة الأسدين خصوصاً بين عامي 1976 – 2006، مما قد يرسّخ مشاعر الاحتقان والارتياب الموجودة أصلاً عند شرائح واسعة عند اللبنانيين تجاه جارهم الأكبر وشبه الوحيد. فضلاً عن سلبيات الظهور بمظهر الأداة التي تنفذ سياسات واشنطن وتل أبيب، ما قد يدمّر كل مكتسبات شرعية الإدارة السورية الجديدة أمام حاضنتها الداخلية وعمقها العربي. عدا عن أن أي تحرك عسكري سوري قد يُخل بالتوازن الطائفي الهش أصلاً في لبنان، ويجرّ الإقليم إلى فوضى اقتتال يٌدخل إيران وميليشياتها فيه، وما يعنيه ذلك من استنزاف لن يقوى نظام دمشق الفتي على استيعابه.
· ثانيهما خيار الرفض، الذي لا بد أن يستفز الرئيس الأمريكي المعتاد حتى مع حلفائه الغربيين على إطلاق الأوامر ثم تهديد غير المطيعين لها، وبينما تستمر الأزمة الاقتصادية والأمنية في الضغط على بنية الدولة والمجتمع في النموذج السوري، فإن أقل ردّات فعل الرفض المحتملة هي رفع الغطاء عن النظام الوليد. وأهم عواقبه وانعكاساته إعادة إحياء ودعم مشاريع التقسيم وما سيتبعه من تفكك كيان الدولة الواحدة إلى -ربّما- غير رجعة. دون إغفال تعثر عجلة الإصلاح الاقتصادي المتهالكة أصلاً، في وقت تمر فيه سلطات دمشق بأحرج لحظاتها وحاجتها لرفع العقوبات لاستمرار استقبال الأموال والاستثمارات، ولجم التوغلات الإسرائيلية، وكلاهما يمسك ترامب بمفاتيح حلهما.
فاتورة الغطاء الأمريكي …”قبول مشروط”!
إذاً يصح القول إن أمام الإدارة السورية خياران أحلاهما شديد المرارة. ففاتورة الاعتراف بشرعية النظام الجديد لا مفر من تسديدها، لكن ربّما يفلح “الدهاء” السياسي ودعم حلفاء إقليميين في تجنيب البلاد سيناريو الخيارين السابقين والانهيار الكامل، نحو ما يمكن تسميته بـ “القبول” الضمني وتجنب الرفض المعلن، عبر وضع بعض التفصيلات الإجرائية، والرهان عليها سواء تحققت أو استحالت:
· تأمين الشرعية اللبنانية ومعها العربية ومن ثم الدولية، لهذا التدخل، بأن يقر لبنان عبر برلمانه مشروع طلب تدخل عربي (سوري) محدود لمؤازرة الجيش اللبناني في بسط السيادة على مجمل الساحة اللبنانية، توازياً مع انسحاب قوات الاحتلال الإسرائيلي، وحينها لن يغدو الجيش السوري ضحية تفسيرات طائفية أو سيادية معادية، بل قد يلعب تدخله دور المنقذ والمساهم في استتباب الأمن، على أن يغادر فور تحقيق وانتهاء المهمة.
ضمانات تحصيل المقابل من تل أبيب هذه المرة، فتدخل الرئيس الشرع في لبنان، يحتّم أولاً حماية تامة لظهر الجيش وهذا لا يتمّ إلا بوأد المشاريع الانفصالية ومعالجة توغلات إسرائيل في الأراضي السورية، وقد سبق أن تحدثت صحيفة “معاريف” عن نقاشات داخلية دارت في تل أبيب بشأن إسناد أدوار عسكرية للقوات السورية في مواجهة حزب الله، بالتنسيق مع الجيش الإسرائيلي، مشيرة إلى أن دمشق أبدت استعداداً لتقديم تنازلات مرتبطة بمنطقة جبل الشيخ في إطار التفاهمات المطروحة بين الطرفين. بالتالي وبمقابل “بعض التنازلات” إن صحت وصدقت الادعاءات، ومقابل تأمين جبهة إسرائيل الشمالية، بإنهاء ملف تمرد حزب الله على السيادة اللبنانية، يبدو أقصى مقابل يمكن لدمشق اشتراطه واقعياً، انسحاب إسرائيل إلى خطوط هدنة 1974 التي استمرت نصف قرن، واخترقتها الأخيرة صبيحة سقوط نظام الأسدين نهاية 2024، مع رفع الغطاء الإسرائيلي نهائياً عن رعاية أي نزعات انفصال جنوب غربي البلاد.
طلب تسليح ودعم عسكري فوري من واشنطن، فحالة الجيش السوري لا تستحمل أي مستنقعٍ لمعارك استنزاف جديدة متوقعة قد تبدأ في لبنان، وتمر بتمردات داخلية هنا وهناك، ولن تنتهي على الحدود الشرقية حيث تهديدات المليشيات الحليفة لإيران. وهو دعمٌ لا يجب أن يقلّ – إن لم يزد بوضوح أو يستلزم غطاءً جوياً- عمّا كان يقدم لقوات سورية الديموقراطية “قسد”، فالأخيرة اقتصرت مبررات دعمها على مواجهة “داعش” حصراً دون أدوار عابرة للحدود كما الحال اليوم مع قوات الشرع.
يبقى السؤال أو التحدي اليوم، هل ينجح “الشرع” في تحويل علاقة دمشق مع واشنطن إلى براغماتية مدروسة، قائمة على الحد الأدنى من التنازلات والحد الأعلى من درء الخطر عن السيادة الوطنية والاستقرار الداخلي؟
لم لا؟
يقال في أساسيات الدبلوماسية، الأفضل أن لا يقال “لا” بل “ربّما”، وإذا قيل صراحة “لا” فهذا ليس بالدبلوماسية!
سياسي وأكاديمي




