مقالات كل العرب

في كتابه: “سردية محمود درويش الشعرية: دراسة في تشكّلات القصيدة وتحوّلاتها”. د. خليل الشيخ يقدم قراءة بانورامية مُعمقة لسردية شعرية جديدة ومبتكرة

في كتابه:«سرديّة محمود درويش الشعرية: دراسة في تشكّلات القصيدة وتحوّلاتها»
د. خليل الشيخ يقدم قراءة بانورامية مُعمقة لسردية شعرية جديدة ومبتكرة

د. شاكر نوري

يُمثل كتاب «سرديّة محمود درويش الشعرية: دراسة في تشكّلات القصيدة وتحوّلاتها» —الصادر حديثاً عن دار نشر الجامعة الأميركية في بيروت— إضافةً نقدية بالغة الأهمية للمكتبة العربية، تسد فجوة بحثية حول واحد من أبرز رموز الشعرية العربية الحديثة. يأتي هذا الإنجاز النقدي بقلم د. خليل الشيخ؛ الأكاديمي والباحث والمترجم القدير الذي نال درجة الدكتوراه من جامعة “فريدريش فيلهلم” في بون بألمانيا عام 1986، وعمل أستاذاً للدراسات المقارنة في جامعة اليرموك والعديد من الجامعات العربية. ويشغل حالياً —منذ عام 2020— منصب مدير إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في مركز أبوظبي للغة العربية.
تنهض هذه الدراسة بقراءة بانورامية مُعمقة للسردية الشعرية لمحمود درويش، متجاوزةً التجزئة النقدية لتنظر إلى قصيدته بوصفها «مشروعاً نامياً، متجدداً، ومتحولاً». تنأى الدراسة عن التركيز على جانب فني وإهمال آخر، وتغوص في بنية النصوص لاكتشاف خيوط التحول والتنوع التي تنتظم هذا العالم الشعري المتعدد والمتباين، سعياً لبلورة المنظور الكلي الذي كان درويش يُصدر عنه.
ولعل الملمح الأبرز لهذه القراءة هو انسلاخها الواعي عن “التأويل السياسي المباشر”، وتحررها من النظرة الوثائقية الضيقة التي غالباً ما تماهي بين شعر درويش والسردية التاريخية الفلسطينية. بدلاً من ذلك، تعتصم الدراسة بالمنهج الجمالي الذي ينفذ إلى طبقات المعنى المعمارية، ويسبر غور الجماليات دون الوقوع في شرك المطابقة بين الشعر والواقع المادي.


وفي هذا المسعى الدقيق، لا تلهث الدراسة خلف بناء هالات أسطورية حول الشاعر، ولا تسعى في المقابل لتقويضها؛ مُدركةً أن أسطرة المبدعين هي نتاجٌ للوعي الجمعي لا طاقة لدراسة مفردة بفرضه أو محوه. لقد اتخذ الباحث من «نص درويش» ذاته منطلقاً وبوصلة؛ فمن القصائد استولد ارتكازاته النقدية، وكما تناسلت قصائد الشاعر من بعضها البعض، تنامت فصول هذا الكتاب لتنسج تصورها النقدي المتكامل. وبنفس الروح الدرويشية المتمردة التي ظلت تُحاور ذاتها لتُعدّل رؤاها، يُحاور الكتاب نصوص الشاعر بشفافية، متحاشياً مصادرة المعنى أو مصادرة حرية الشاعر، تجنباً لـ “سوء الفهم المُتعمد” الذي حذر منه درويش في نصه «اغتيال»، والذي يقود حتماً إلى اغتيال الشعرية والشخصية في آنٍ معاً.
تتجلى القيمة المضافة لهذا العمل في تقديمه مقاربة نقدية دقيقة ومُغايرة، تتأسس على النظر إلى القصيدة الدرويشية بوصفها مشروعاً متكاملاً. إذ يتعاطى الكتاب مع المتن الشعري كحقلٍ إبداعي حيّ، نامٍ ومتحول، رافضاً النظرة التبسيطية التي تقارب قصائد الشاعر كنصوص منفصلة أو مراحل فنية معزولة عن سياقها الإبداعي العام. وفي سياق هذه المقاربة، ينجح الكتاب ببراعة في تجاوز فخ التأويل السياسي؛ حيث يُحرر تجربة درويش من وطأة القراءات الوثائقية والآيديولوجية المباشرة التي طالما حاصرتها. وبدلاً من ذلك، يُوجه بوصلته النقدية نحو تسليط الضوء على البنى الجمالية والمورفولوجية، غائصاً في الطبقات الدلالية العميقة التي يكتنزها النص. وتكتمل هذه الرؤية باستكشاف السرد بوصفه قلباً للشعرية؛ إذ يكشف العمل عن العبقرية الدرويشية الفذة في هندسة العناصر السردية المعقدة داخل النسيج الشعري، كاستلهام الحكاية، وإدارة صراع الحدث، وتوظيف تداخل الأزمنة. وهو ما يُجلي للقارئ آليات الدمج العضوي المذهل بين صلابة البناء السردي وشفافية الروح الشعرية.
تسعى هذه الدراسة إلى تتبع التحولات الجمالية والدلالية في السردية الشعرية لمحمود درويش (1941-2008)، راصدةً تطورها من بساطة البدايات في ديوانه المُستبعد «عصافير بلا أجنحة» (1960)، وصولاً إلى ذروة نضجها وتعقيدها الرمزي في ديوانه الختامي «لا أريد لهذي القصيدة أن تنتهي».
وخلال مسيرته الحافلة الممتدة عبر خمسة عقود، أثرى درويش المكتبة العربية بـاثنين وعشرين ديواناً شعرياً وأحد عشر عملاً نثرياً. وقد تجلت فرادة هذه التجربة في انتظامها الإبداعي اللافت؛ حيث توزع نتاجه الشعري بوتيرة دؤوبة لا تعرف النضوب، حافظ فيها الشاعر على إصدار ديوانٍ جديد كل عامين، ليصنع خريطة زمنية وفنية بالغة الثراء والتركيب.
يركز الدكتور خليل الشيخ على أن “النكبة” شكّلت وتجربة التهجير القسري الوعيَ المبكر لمحمود درويش؛ إذ كابد ورفاقه قسوة الكتابة بالعربية في وطنٍ تُطمس هويته. وبعد ارتحاله إلى لبنان، عاد درويش “متسللاً” ليُفجع بدمار مسقط رأسه «البروة»، ويغدو لاجئاً في وطنه. وقد أثمر هذا الفقد المزدوج نصوصاً خلدت قريته بأسطرةٍ شعرية تضاهي “جيكور” السياب. كما انعكس شعور فلسطينيي 1948 بالانكسار والعزلة عن محيطهم العربي في ديوانه البكر «عصافير بلا أجنحة»؛ وهو الانكسار ذاته الذي عاد الشاعر ليصوغه برؤية أكثر نضجاً ومأساوية عام 1969 في ديوانه «العصافير تموت في الجليل».
يتطرق الباحث إلى تجربة درويش في حيفا تحولات جوهرية في المضمون؛ إذ تجلّت التأثيرات الماركسية وتضافرُ البعدين النضالي والطبقي في أيقونته «بطاقة هوية» (1963). ثم تبلور وعيه الشعري بشكل أعمق مع ديوان «عاشق من فلسطين» (1966)، حيث اعتمد لغةً غنائية مبسطة لتلائم المتلقي المحاصر، مؤسساً لسردية مقاومة تستثمر التاريخ والواقع.
وقد شكّلت قصيدة «عاشق من فلسطين» بحد ذاتها منعطفاً دلالياً حاسماً في مسيرته، عبر مرتكزين جوهريين: ابتكار قناع “المغنّي”: ليكون الصوت الشعري الممثل له. وأسطرة “المحبوبة/الوطن”: والارتقاء بها من الرومانسية المألوفة إلى آفاق ميثولوجية عميقة ترتبط بجذور بلاد الشام ووادي الرافدين والنيل.
“وقد رسّخ هذا البناء التراكمي رؤيةً حتمية مفادها أن فلسطين —وإن كابدت الغزو— تعصى على المحو والاحتلال؛ لكونها حلقةً أصيلة في نسيج حضاري متين وموغل في القدم. وهو المعنى العميق الذي سيتوّجه درويش لاحقاً في قصيدته «حجر كنعاني في البحر الميت».
استلهم درويش شجرة “الزيتون” لتغدو رمزاً محورياً في سرديته، قبل أن تشهد لغته في ديوان «آخر الليل» (1967) انعطافةً نحو الغموض والتركيب الفني، وهي انعطافة تُوّجت لاحقاً بمقولته الأثيرة: “إن الوضوح جريمة”. وعلى الصعيد الوجودي، فجّر سفره إلى بلغاريا عام 1968 أزمة الهوية التي جسّدتها قصيدة «جواز سفر»، ليُدشّن بعدها «سردية الخروج» بالارتحال إلى موسكو (1970) ثم القاهرة (1971). وقد أحدث هذا الخروج زلزالاً فنياً وسّع دائرة تلقيه عربياً، وجعل قصيدته السبعينية مسكونةً بهاجسَي “الخروج والعودة” عبر ثنائية “الحرية والقيد”، كما يتجلى بوضوح في نصه «أغنية إلى الريح الشمالية»:
يشير الدكتور خليل الشيخ إلى أنه تتضافر في شعر درويش ثلاث مسارات مجازية وتاريخية لتشكيل رؤيته الشعرية، كما تشير الدراسة. سردية الماء: شكّل البحر والنهر معادلاً موضوعياً لـ «سردية الخروج»؛ حيث تطورت دلالات الأنهار من رمزية الحركات الثورية المبكرة، لتغدو فضاءً حضارياً تتشكل فيه أساطيره ورموزه عبر «لغة الظلال» والمواربة. استدعاء التراث: وظّف درويش آليات التناص مع الموروث العربي، مستلهماً شخصية «امرئ القيس» لجمعه الفريد بين الشاعري والسياسي. كما استدعى الفردوس المفقود في ديوان «أحد عشر كوكباً»، جاعلاً من الأندلس مرآةً تماثلية لرثاء الحاضر، حيث يتماهى الرحيل القسري مع الفناء. ويذهب الباحث إلى أنه رغم انتمائه لهوية “الساحل السوري”، تجذرت الصحراء في لغته ومخيلته كمنبع إلهام لا ينضب، ومسرحٍ شعري لنداء التيه والغياب، وهو ما يمهد لقوله في نصه «قال المسافر للمسافر لن أعود».
تُقارب الدراسة تجربة محمود درويش الشعرية عبر محاور دلالية رئيسية في الكتاب إذ تتجلى الكتابة لدى درويش كفعل وجودي وأداة حاسمة لصياغة السردية الفلسطينية ومواجهة سردية الاحتلال؛ فالأرض تُورث كاللغة، والموت الحقيقي هو اندثار التعبير. كما وظّف الأسطورة لربط نصوصه بالتجربة الإنسانية الموغلة في قلق الموت والخلود.
في سردية الشخوص (مرايا الغياب): من خلال استحضار عشرِ قامات مؤثرة، تجاوز درويش قوالب الرثاء التقليدية إلى ومضات غنائية مركبة، تنجح في صهر الذاكرة الفردية والحكايات الصغرى لتلك الشخوص في أتون الذاكرة الجمعية والحكاية الوطنية الكبرى.
وفي سردية الذات والآخر: ارتقى الشاعر بتمثيلات الذات والعائلة نحو أبعاد أسطورية (لخّصها في مجازات: العنقاء للذات، الطاووس للأم، والصبّار للأب). أما “الآخر”، فتجلّى في التعقيد الوجداني لشخصية “ريتا”، وفي التطور الصادم لصورة الجندي الإسرائيلي، معرياً في «حالة حصار» التناقض الفج بين ادّعاء دور الضحية والسلوك الوحشي للجلاد. أما سردية الرحيل النهائي: وهي المرحلة الختامية التي تُتوّج هذه التحولات عبر الاشتباك مع الموت في نصوصه الأخيرة مثل «الجدارية» و«لاعب النرد».
يُتوّج الفصل الأخير بـ «سردية الرحيل»، راصداً تطور هاجس الموت لدى درويش من رثاء الآخرين إلى رثاء الذات. وقد بلغ هذا الاشتباك الوجودي ذروته في نَصّين مفصليين: «الجدارية»: التي خاض فيها نزالاً ملحمياً لصدّ الفناء، متسلحاً برموز الخصب والميثولوجيا الحضارية كمتاريس للحياة. و«لاعب النرد»: التي كُتبت كـ “رثاء استباقي” للذات، متجليةً في استسلام فلسفي لسطوة القدر وإدراكٍ بأن النجاة السابقة لم تكن سوى رمية نرد ومحض مصادفة.
وبهذا الاستسلام، طُوي سجل “المُعِدّ المستعد لموته” بوفاته في الولايات المتحدة، ليعود في رحلته الأبدية الأخيرة ويعانق تراب رام الله.
كما تُقارب هذه الرؤية النقدية تجربة محمود درويش عبر أربعة محاور جوهرية يركظ عليها الدكتور خليل الشيخ من خلال ثنائية البيت والطريق إذ تجذّر «البيت» ككائن حي في شعر درويش وارتبط بشخوصه، قبل أن تتطور رؤيته —بتأثير المنفى— لتغدو المسافة و«الطريق» إلى البيت أجمل من البيت ذاته؛ حيث يمتلك المنفى قدرة عجيبة على إعادة تشكيل الأشياء. ومن مدن التحولات إذ تركت المدن بصماتها العميقة على هويته وقصيدته؛ فمنحته القاهرة تجذيراً لهويته العربية بانتمائه لنيلها، وشكلت بيروت والبحر ملحمته التراجيدية، بينما احتضنت باريس ولادته الشعرية الحقيقية وأنضج أعماله.
ويسعى الكتاب إلى التأكيد على أن القصيدة كمشروع نامٍ إذ تدرس هذه القراءة شعر درويش ككائن متجدد، متجاوزةً التفسيرات السياسية والوثائقية لصالح سبر الأبعاد الجمالية. وقد رصدت ثلاثة تحولات كبرى في نصوصه: الانتقال من الصوت الواحد إلى تعدد الأصوات (الديالوغ)، ومن الوضوح إلى الغموض المُشف، ومن شعر البطولة الملحمية إلى أنسنة الشخصية والاحتفاء باليومي والهامشي.
وفي نهاية المطاف، تؤكد الدراسة أن محاورة نصوص درويش تستنزف الناقد لكثافتها وتجددها. لذا، اكتفت بتتبع “خيط النمو” الشعري بشفافية، مبتعدةً عن أسطرة الشاعر، ومحذرةً من تقييد حريته أو مصادرة معانيه وتأويل نواياه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى