هوية وطنية مهددة.. حين يغيب الإيداع القانوني

هوية وطنية مهددة… حين يغيب الإيداع القانوني

أ. عائشة عرفاوي
انعقدت يوم الخميس 16 أفريل 2026، بالمعهد العالي للتوثيق بجامعة منوبة، ندوة علمية بعنوان:
“الإيداع القانوني للوثائق السمعية والبصرية: الإطار التشريعي وتحديات التطبيق”،
بتنظيم لجنة الدكتوراه في علم المعلومات، وبالتعاون مع مخبر البحث في علم المعلومات، تحت إشراف علمي للدكتورة بسمة البصير.
افتُتحت الندوة بكلمة ترحيبية ألقتها الدكتورة بسمة البصير، تلتها كلمة مدير المعهد العالي للتوثيق الدكتور حفصي بن ضيوفي، ثم محاضرة للدكتور الهادي جلاب، المدير العام للأرشيف الوطني، الذي عرض خطة المؤسسة في حفظ التراث السمعي البصري، مؤكداً أن الأرشيف الوطني يمثل الحارس الأول لذاكرة البلاد.
الجلسة الأولى، التي أدارتها الدكتورة عائدة الشابي، تضمنت مداخلة الدكتور عبد الكريم قابوس حول حقوق الوثائق السمعية البصرية بين الشمال والجنوب، ثم مداخلة الدكتورة بسمة البصير التي تناولت الإيداع القانوني للمصنفات السمعية البصرية، لتليها مداخلة الدكتورة ليليا بن عاشور، التي سلطت الضوء على أزمة الذاكرة السينمائية، مؤكدة أن السينما التونسية، رغم عراقتها منذ أول فيلم سنة 1921، لم تشهد، إلى حدود سنة 2026، أي عملية إيداع رسمي للأفلام وفق القانون عدد 37 لسنة 2015. وقد أثار هذا التصريح نقاشاً واسعاً بين الحاضرين، باعتباره يكشف عن فجوة خطيرة بين النصوص القانونية والواقع العملي.

أما الجلسة الثانية، التي أدارتها الدكتورة بسمة البصير، فقد أثرى النقاش فيها ممثلون عن مؤسسات وطنية، كالمكتبة الوطنية التونسية، ومركز الموسيقى العربية والمتوسطية، والمركز الوطني للسينما والصورة، والإذاعة التونسية.
وقد أثارت السيدة منوبية الهرمي، ممثلة عن مركز الموسيقى العربية والمتوسطية، النقاش بتسليط الضوء على الإشكاليات القانونية والتقنية العميقة التي تواجه قطاع المصنفات الصوتية والموسيقية، حيث شددت على النقص التشريعي في القانون عدد 37 لسنة 2015، وأزمة “المحمل المادي” في الإنتاجات الحديثة، فضلاً عن التحديات المرتبطة بالخوادم الدولية التي تحتضن أغلب الأعمال خارج الرقابة المحلية، داعية إلى حلول عاجلة لضمان عدم ضياع هذا الجزء الهام من التراث السمعي والبصري.
وأكدت المداخلات أن الإيداع القانوني ليس مجرد إجراء إداري، بل هو فعل سيادي لحفظ الهوية الوطنية والذاكرة الجماعية. غير أن الواقع يكشف عن مفارقة كبيرة، تتمثل في وجود قانون أساسي منذ سنة 2015 يقابله جهل أو تجاهل من قبل الفاعلين في القطاع السينمائي والإعلامي، إضافة إلى تشتت المؤسسات، وعدم وجود جهة وطنية واحدة قادرة على تقديم جرد شامل للإنتاجات.
وفي رؤيتها الاستشرافية، شددت الدكتورة بسمة البصير على أن النقاش لم يعد يقتصر على الأوعية التقليدية، بل أصبح يتمحور حول التخزين السحابي، والذكاء الاصطناعي، والبيانات الضخمة في إدارة الوثائق. واعتبرت أن التشريع القانوني هو الضامن الأساسي لحفظ الهوية الوطنية الرقمية، مؤكدة أن الذاكرة ليست مجرد وثائق محفوظة، بل هي مادة معرفية وتاريخية تُنقل للأجيال القادمة. كما أشارت إلى ضرورة التفكير في الإيداع الطوعي للمصنفات الرقمية والافتراضية، مع إبراز الدور المحوري لأرشيف الويب في سد الفجوات التوثيقية.
واختُتمت أشغال الندوة العلمية بكلمة لمدير المعهد العالي للتوثيق، أكد فيها أن محور “التصرف في الوثائق السمعية والبصرية” سيكون ركيزة أساسية للعمل الأكاديمي والتدريبي في السنوات القادمة، داعياً إلى تفعيل النصوص القانونية وتوحيد الجهود بين المؤسسات الوطنية لضمان حفظ التراث السمعي والبصري في ظل التحولات الرقمية المتسارعة.

أفضت الندوة إلى جملة من التوصيات العملية، أبرزها:
ضرورة تفعيل القانون عدد 37 لسنة 2015، عبر إصدار نصوص ترتيبية واضحة تحدد إجراءات الإيداع ومراحله.
إنشاء هيئة وطنية موحدة تُعنى بحصر وجرد الإنتاجات السمعية والبصرية، وتنسيق الجهود بين المؤسسات.
إدماج تقنيات حديثة، مثل التخزين السحابي والذكاء الاصطناعي، في إدارة الوثائق، مع ضمان الحماية القانونية للمصنفات الرقمية.
تشجيع المنتجين والمبدعين على الالتزام بالإيداع القانوني، مع التفكير في آليات للإيداع الطوعي للمصنفات الرقمية والافتراضية.
اعتبار الإيداع القانوني أداة استراتيجية لحماية الهوية الوطنية والذاكرة الجماعية، وليس مجرد إجراء إداري شكلي.




