مقالات كل العرب

غزة و رهانات نتنياهو الفاشلة

شارك

غزة ورهانات نتنياهو الفاشلة

أ. نسيم قبها

تقوم أميركا بمحاولات متكررة لاحتواء سلوك الحكومة الصهيونية وتغيير مسار عملياتها العسكرية منذ بداية العملية البرية ، في ظل ارتفاع خسائر الجيش الصهيوني في المعركة البرية، وتوجه نتنياهو نحو الانتقال إلى ما يسمى بـ”المرحلة الثالثة”، وسحبه لبعض وحداته العسكرية من القطاع، وفي موازاة ذلك اغتيال القيادي صالح العاروري نائب رئيس المكتب السياسي لحركة حماس في الضاحية الجنوبية من بيروت، وتعهد حسن نصرالله بالرد على عملية الاغتيال، ومواصلة الحكومة الإسرائيلية مساعيها في تهجير الفلسطينيين وإعاقة حل الدولتين عبر إيجاد بيئة غير قابلة للحياة في غزة، وعبر استفزازات المستوطنين وحجب الأموال عن السلطة، ومحاولة فرض واقع يعزز انفصال قطاع غزة عن سلطة الضفة، وهو ما يرمي إليه نتنياهو بقوله “لا حماس ستان ولا فتح ستان في غزة”، فضلًا عن التصريحات العلنية لبن غفير وسيموترتش بشأن التهجير. وفي سياق ذلك في الأسبوعين الأخيرين تندرج اليوم زيارة وزير الخارجية الأميركي بلنكين إلى المنطقة التي بدأها في تركيا.
ومن تتبع المعطيات الميدانية المتمثلة بصمود أهل غزة في وجه التهجير رغم البيئة المعيشية التي أوجدها الكيان المحتل لإرغامهم على الهجرة، إلى جانب استبسال المقاومة وعجز الجيش الهمجي عن تحقيق إنجاز ذي قيمة على صعيد أهداف الحرب، فضلًا عن خسائره العسكرية والتكلفة الباهظة التي تكبدها على مختلف الأصعدة، بالإضافة إلى الضغط الأميركي وقلق الإدارة الأميركية في ظل استنزاف حرب إسرائيل للموارد العسكرية والمالية الأميركية المخصصة لأوكرانيا، ونقص الذخائر، ومعوقات التنافس الانتخابي الأميركي، وتغير المناخ الشعبي في الولايات المتحدة والرأي العام العالمي تجاه المجازر الصهيونية في غزة، وانعكاسها على مواقف إدارة بايدن، ومخاطرها على السردية الصهيونية بشأن المظلمة اليهودية التي يستمد منها الصهاينة الدعم الدولي، والتي أصبحت تتآكل بفعل المجزرة القيمية والدموية في غزة، نجد أن ذلك كله يشير بوضوح إلى فشل رهانات نتنياهو التي عوّل عليها في كسب الحرب وتجاوز مشاكله الداخلية واستمراره في السلطة، وهو الأمر الذي دفعه إلى التمهيد للانتقال لما يسمى بالمرحلة الثالثة، والتي أعلن وزير الدفاع الصهيوني يوآف غالانت عن تنفيذ جزء منها مؤخرا.
ومن مؤشرات ذلك التوجه؛ سحب الجيش للعديد من الوحدات العسكرية من قطاع غزة واغتيال القيادي صالح العاروري. ولا تخلو هذه التحركات من محاولة التغطية على فشل نتنياهو وجيشه في تحقيق أهداف الحرب المعلنة، وتهجير السكان، واستعادة الردع للجيش والأجهزة الأمنية، وتفادي مزيد من الخسائر، وتحقيق صورة النصر التي استعصت عليه في وحل غزة. ولذلك فإن من المتوقع أن تقتصر العملية العسكرية في المرحلة المقبلة على ما يصفونه بالعمليات الجراحية؛ أي بالقصف المتقطع على أهداف معينة وقيادات المقاومة بالإضافة لبعض التدابير الأمنية على الأرض. ورغم ما يشوب موقفه من تردد ومماطلة فمن الواضح أن نتنياهو قد اتخذ من اغتيال العاروري ومن التمهيد للمرحلة الثالثة طوق نجاة من الغرق والفشل، ووسيلة لاسترضاء أميركا من جهة، وإقلاقها من توسيع الحرب من جهة أخرى؛ لما تنطوي عليه من مخاطر في ظل الأولويات والمحاذير الأميركية حيال تمددها. وفي هذا السياق قال ستيف كوهين، عضو الكونغرس الديمقراطي البارز، في رسالة على وسائل التواصل الاجتماعي أثناء زيارة مستشار الأمن القومي الأميركي لإسرائيل: “لقد ذهب نتنياهو إلى أبعد من ذلك وسيبلغه جيك سوليفان أن القصف يجب أن يكون محدودًا إلى حد كبير وإلا فإن إسرائيل ستكون من دون صديقها الحقيقي الأخير، الولايات المتحدة الأميركية وجو بايدن”.
ورغم اضطرار نتنياهو للتوجه نحو “المرحلة الثالثة” التي طالبه مستشار الأمن القومي الأميركي جاك سوليفان بالانتقال إليها، ورغم عزمه على الاستثمار فيها للمحافظة على “حالة الحرب”، لكنه يدرك بأنها مفخخة من قِبل الولايات المتحدة؛ لأنها تكبح عملية تهجير أهل غزة وتوسيع الحرب، ولا تمكنه من تحقيق أهدافه، وتنقله إلى مواجهة داخلية محسومة لصالح خصومه، ولا سيما مع اشتداد الضغوط الدولية والاقتصادية واحتجاجات ذوي الأسرى ومستوطني غلاف غزة وشمال فلسطين. ولذلك سرعان ما سخرت وسائل الإعلام الإسرائيلية المناوئة لنتنياهو، عملية اغتيال العاروري لتأليب الرأي العام عليه وحرمانه من الانتفاع بها، حيث عقبت بأنّ اغتيال العاروري لم يُزِل المخاطر، بل عقّد الوضع الأمني أكثر في الجبهة الشمالية، مضيفة أنّ هناك حالة من الترقب لعواقب ما بعد الاغتيال.
ولا يخفى أن كبح توجه نتنياهو واليمين المتطرف نحو توسيع الحرب وتهجير أهل غزة وتقليص مساحة القطاع بذرائع أمنية هو المطلوب أميركيًا، وهو الجانب السياسي الذي يضمن المحافظة على مشروع الولايات المتحدة في الشرق الأوسط بما فيه بقاء دولة إسرائيل. وأما الدعم العسكري الأميركي للكيان المحتل فهو جانب آخر في استراتيجية أميركا بشأن الكيان، رغم أن عملية طوفان الأقصى قد أثبتت عدم جدوى الرهان العسكري على الصعيد الاستراتيجي، علاوة على الضرر الذي ألحقته بالناحية الاستراتيجية المتعلقة باستمرار تآكل قوة الردع الإسرائيلي وتحطُّمها على صخرة المقاومة، رغم تواضع وسائلها القتالية. ولذلك تحاول الولايات المتحدة استدراك هذه الخسائر الاستراتيجية ولا سيما المتعلقة منها بتداعيات المجازر الدموية والقيمية على مصالح أميركا، وتعرية “قيمها” الزائفة التي تمثل القوة الناعمة في التحكم بوعي الشعوب وتوجيههم والسيطرة عليهم، وهو الأمر الذي حذر منه بعض الساسة والمفكرين الغربيين. ولهذا تحاول إدارة بايدن تغليف ما يسمى بالمرحلة الثالثة بدواعٍ قيمية إنسانية لصالح أهل غزة، بل وذهبت إلى أبعد من ذلك وهو تلميح المتحدث باسم مجلس الأمن القومي الأميركي جون كيربي بقبول حماس في معادلة التسوية، بقوله: “لا نؤمن أن الهجوم العسكري سيقضي على فكر حماس ونتقبل فكرة أن الحركة ستظل موجودة”. وهذا علاوة على ما ينطوي عليه تصريح كيربي من فضح لنتنياهو أمام الرأي العام الإسرائيلي وتعرية لفشله.
ولعل أهم ما في “المرحلة الثالثة” التي تصرُّ الولايات المتحدة عليها أنها تصنع تقاطعًا بين رؤيتها وتوجه نتنياهو، يعالج مشكلة الردع الإسرائيلي ويحجب الرؤية عن حقيقته، ويلبي رغبة نتنياهو بمواصلة الحرب بتكتيكات مختلفة تمكنه من تفادي خطرٍ وجوديٍّ متعلقٍ بنزوح سكان الاحتلال من الكيان بعد أن قوَّضَ طوفانُ الأقصى أهم مقومات العيش فيه وهو الأمن والرخاء، ويلبي كذلك ميول نتنياهو النرجسية السلطوية؛ وبخاصة وأن استمرار الحرب يمثل له درعًا واقيًّا من أزمته الداخلية.
وبالرغم من استفادة نتنياهو من هذه المرحلة مؤقتًا بإطالة الحرب بتكتيكات تقلص الخسائر العسكرية الناجمة عن العملية البرية الواسعة، وتمكنه من المناورة عبر تقطيع قطاع غزة وفرض وقائع جديدة تُكسبه مزيدًا من الوقت، وتمكنه من فرض منطقة أمنية عازلة، وتثبيت قواعد اشتباك تمنحه حق التصعيد والهجوم العسكري على غزة كلما اشتد عليه الضغط الداخلي، إلا أنه من غير المرجح أن يتفادى الفشل أو ينجو من السقوط بعد أن قطعت عليه المقاومة في غزة الطريق لتحقيق صورة النصر التي يبحث عنها، وبعد أن بات يتندّر الإسرائيليون أنه إذا كان عنوان حرب لبنان سنة 1982 هو (سلام الجليل) فإن عنوان هذه الحرب هو (السلام لنتنياهو)؛ وذلك في إشارة إلى أن حرب غزة مدفوعة باحتياجات نتنياهو السياسية. ولهذا يمكن القول بأن عملية اغتيال القائد العسكري البارز في حرس الثورة الإيراني رضا موسوي والقيادي صالح العاروري، واغتيال قائد منطقة الناقورة لحزب الله، ورفع وتيرة التصعيد الإسرائيلي العسكري مع حزب الله، ينطوي على محاولة من قبل نتنياهو لاستدراج رد فعل من طرف إيران وحزب الله، بحيث يرفع سقف الاشتباك ولا يقود إلى مواجهة شاملة. وينطوي أيضًا على تصعيد يخلط الأوراق الداخلية والخارجية ويُبقي زمام المبادرة في يده، وبخاصة بعد ارتفاع وتيرة الضغط والخلافات الداخلية وخلافه مع بايدن، والذي ظهر في مكالمتهما الهاتفية الأخيرة، وفي رفض أميركا تزويده بمروحيات الأباتشي وسحبها لحاملة الطائرات جيرالد فورد من المنطقة لثنيه عن أي محاولة لتوسيع الحرب.
ولذلك من غير المتوقع أن تذهب إيران وحزب الله إلى رد أو تصعيد من شأنه أن يحقق رغبة نتنياهو بخلط الأوراق وتوسيع الحرب، وهو ما يمكن قراءته في تعقيب إيران على اغتيال رضا موسوي وفي كلمة حسن نصر الله التي تعهد فيها بالرد على اغتيال صالح العاروري محذرًا إسرائيل من الذهاب إلى الحرب الشاملة. وفي هذا السياق أفاد مسؤول أمريكي رفيع أن مبعوث الرئيس الأمريكي، آموس هوكشتاين قد وصل تل أبيب لضمان عدم تصعيد المواجهة.
ولا بد من الإشارة هنا إلى أن الحرب الواسعة التي يبحث عنها نتنياهو لا تعني حربًا شاملة إلا إذا ضمن تدخل أميركا أو قام بتوريطها في التدخل؛ لأنه يعلم عدم قدرة إسرائيل على الانتصار فيها، وإنما تعني تمدد الحرب إلى لبنان ورفع سقف الاشتباكات في حدود منخفضةٍ لا تؤدي إلى مزيد من الفشل والخسائر التي من شأنها أن تنعكس سلبًا على وضعه الداخلي، وتنعكس على مستوى الردع المتعلق بالقيمة الاستراتيجية للكيان في المنطقة.
وفي سياق علاقة حزب الله وأذرع إيران في هذه الحرب، فإن دخولهم فيها لا يخلو من أهداف تتعلق بإعادة تدوير إيران والقوى المدعومة منها لدورهم في ملفات المنطقة؛ لأن ثبات المقاومة في غزة ينعكس على موقف أذرع المقاومة في المنطقة كلها، وبخاصة أن أجندة الولايات المتحدة منذ انطلاق “النهج الإبراهيمي” اقتضت تفكيك فصائل المقاومة ودمجها في مؤسسات الدولة وتقليم أظافر إيران في المنطقة. ومن هنا تبرز أهمية حرب غزة لما يُسمى بمحور المقاومة، إذ منحت إيران وأذرعها فرصة لتأكيد دورهم، وترميم صورتهم التي تضررت في الحرب العراقية و”الثورة السورية” و”الربيع العربي” على جناح الجرأة والتحدي والقيمة الاستراتيجية لدورهم وبخاصة على جبهة البحر الأحمر.
وتجدر الإشارة هنا إلى الموقف الروسي الذي بدا وكأنه متعاطفٌ مع المقاومة وأهل غزة، وهو في حقيقته انتهازيٌّ ومنافقٌ، وذلك أن موقف روسيا في مجلس الأمن لم يكن ضد “إسرائيل”، وإنما يندرج في إطار معارضة الولايات المتحدة لدواعي ندّية إعلامية، ولانتزاع مبرر لحربها على أوكرانيا من خلال ما يجري في غزة، وهو ما بدا واضحًا في تشبيه لافروف لموقف روسيا من أوكرانيا بموقف إسرائيل من غزة.
لقد بدا الانعطاف في مسار الحرب في التركيز على المسار السياسي لما بعد الحرب، وفي ضوء المعطيات التي تشير إلى مساعٍ دولية وإقليمية وإسرائيلية (رغم تباينها) لما بعد اليوم التالي للحرب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى