مقالات كل العرب

بلاد العرب اوطاني من طنجة الى عباداني

شارك

بلاد العُرب اوطاني من طنجة الى عباداني


د. يوسف عزيزي

قال لي النادل: “هذه نهاية اللغة العربية وانتم – انا والمرافقين العرب معي – حاليا في آخر نقطة في افريقيا”، ويعني ذلك الشاب المغربي، بالطبع، اقصى نقطة في شمال غرب القارة الافريقية والمغرب العربي يتحدث فيها الناس باللغة العربية، ومن ثم تبدأ اللغة الاسبانية في الضفة الأخرى. فهو يعمل في مطعم للمأكولات البحرية بمدينة طنجة بالقرب من ملتقى البحر الأبيض المتوسط والمحيط الأطلسي المعروف بشواطئ مرقالة الذي مررنا عليه في طريقنا وشاهدنا ذلك اللقاء الحميم لحبيبين لم يتفارقا عن بعضهما البعض لملايين السنين.
المطعم يقع ضمن مجموعة مطاعم شعبية لهذه المأكولات، تعج بالسياح المغاربة وبعض الاوروبيين والعرب، مثلنا نحن الذين جئنا كضيوف وفائزين بجائزة ابن بطوطة لعام 2023.


نحن هنا في رأس المثلث باضلاعه الثلاث: البحر، والمحيط، واليابسة الطنجية المغربية الافريقية. وبينما كانت سيارة الأجرة تقلنا من الفندق إلى المطعم على الطريق الساحلي لشاطئ البحر المتوسط، رأينا على جانب الآخر للبحر، بعض الجبال ومنطقة “الطريفة” بإسبانيا، وعلى الجانب الأيمن من الطريق جبال طنجة تقابل جبال اسبانيا، وفوقها فيلات بيضاء، وكأنها تلقي التحية للبحر المتوسط. وقد ذكرنا الكاتب الطنجاوي عبدالعزيز جدير ان هناك أيضا قبور للرومان والبونيقيين فوق هذا الجبل، والبونيقيين هم الفنيقيون المهاجرون من لبنان الى غرب افريقيا قبل الوف السنين.
الطريفة، السويسة، الخنيفرة، الصخيرات، أصيلة، وادي غريفة، بني رشيد والحوز(وجمعها الأحواز)، أسماء سمعتها وشاهدتها خلال رحلتي، اخذتني الى الأحواز وهي نفس الأسماء التي نستخدمها هناك. لكن ليس هذا فقط الذي يربطني ويربط مملكة عربستان – المندثرة بفعل الضغينة الفارسية – بالمملكة المغربية، بل شمس الدين الطنجي المعروف بابن بطوطة أيضا. هذا الرحالة العظيم مر بمناطق أحوازية مختلفة منها الحويزة وعبادان وتستر ورامز – كما يصفها بهذا الاسم وليس رامهرمز – في العام 1326م. وقد أصبحت الحويزة بعد اكثر من قرن من زيارته لها، عاصمة لمملكة عربستان المشعشعية المستقلة.
الدعوة كانت من وزارة الثقافة المغربية وبمقترح من مدير مشروع “ارتياد الآفاق” الشاعر نوري الجراح الذي لعب دورا بارزا في هذا المشروع الكبير الذي يضم بين دفتيه نحو ثلاثمائة كتاب رحلة قديمة وجديدة والذي كشف عن الدور الريادي للعرب في ادب الرحلات في العالم. ولم نشاهد في متحف ابن بطوطة في طنجة الا 91 كتابا – منها كتابي وراء الشمس – تم نشرها ضمن هذا المشروع .

طنجة وعبادان
تُعد طنجة عروس الشمال في المملكة المغربية، وعبادان عروس إقليم الأحواز (مملكة عربستان سابقا)، لكن خلافا لطنجة التي عادت الى الوطن المغربي عقب استقلاله وبعد احد عشر عاما من الإدارة الدولية للمدينة، أصبحت عبادان ثكلة بعد ان تعرضت هويتها لإنتهاك استعماري صارخ حاول طمس عروبتها، اذ فقدت روعتها وغنجها خلال الحرب الإيرانية – العراقية، وانا واثق بانها ستنهض مرة أخرى بعد زوال الغمة، كما نهضت في عهد الامير خزعل وتحولت من قرية كبيرة – حسب ابن بطوطة – الى مدينة صناعية كبيرة. والملفت في طنجة ان اللغة الثانية بعد العربية هي الاسبانية فيما الفرنسية هي اللغة الثانية في سائر مناطق المغرب.
من طنجة بامكانك ان تشاهد اسبانيا بالعين المجردة، ومن عبادان تشاهد منطقة “ام الرصاص” التابعة للبصرة العراقية وبينهما شط العرب. والانكى في الامر اني زرت الجانب الاسباني هذا في العام 2019 فيما لم ازر حتى الان الجانب العراقي رغم الترابط القومي واللغوي بين ضفتي النهر، والسبب ان الأول في أوروبا والثاني في الشرق الأوسط. وخلافا لطنجة التي تتسم بوجود الكاباريهات والبارات والمراقص العديدة تخلو عبادان منها منذ ثورة 1979 وحلت مكانها الحسينيات والتكايا والمآتم. وبالطبع توارى شرب الكحول من الشوارع الى البيوت وتخصص الناس – وخاصة الأرمن – فيها، حيث نوه مراسل أميركي قبل عقود ان التفاوت بين إيران قبل وبعد الثورة هو ان الناس في عهد الشاه كانت تشرب الخمر في الشوارع وتعبد ربها في البيوت فيما انقلب الامر بعد الثورة واخذ الناس تصلي بالشوارع وتشرب في المنازل. وبالطبع انحسر اهتمام الناس بصلوات الجمعة بالتدريج وعاما بعد عام، بل وأصبحت فئات من الإيرانيين تناصب الدين عداءا.


بين أحضان طنجة القديمة ومع زملائي العرب
عشق طنجة وعرفها عدد من الكتاب والفنانيين في العالم منهم: الروائي والملحن والمترجم الأميركي بول بولز الذي مكث فيها 52 عاما، والمسرحي الفرنسي جان جينه، والمسرحيين والروائيين الأميركيين تنسي ويليامز، وهيرمان ملفيل ومارك توين والروائية الكندية غرترود شتاين والفرنسي صموئيل بكيت. وقد ترجم بول بولز رواية “الخبز الحافي” للكاتب المغربي محمد شكري الى الإنجليزية ومنها تُرجمت الى ثلاثين لغة في العالم. وقد زرنا مقهى “تنغيز” – طنجة باللاتينية – في طنجة القديمة، حكى لنا صاحبها أسماء الكتاب والشخصيات العالمية التي زارت المقهى، وشربنا القهوة والشاي الأخضر، وهو الأكثر رواجا في المغرب من الشاي الأحمر.
في الندوة التي انعقدت يوم الجمعة 22 ديسمبر في الفندق وحضرها الضيوف والفائزين، طلبوا مني ان اتحدث عن كتابي “وراء الشمس” وقد فعلت، بل وتطرقت الى معاناة الشعب الأحوازي الثقافية والسياسية، وكررت ذلك في لقاءاتي الجانبية معهم في الفندق والأماكن الأخرى. وقد وضحت لهم عن ولادة الادب القصصي والروائي باللغة العربية في الأحواز خلال العقدين الماضيين بما فيه دور الكاتبات الأحوازيات وكذلك الدور البارز للمترجمين الأحوازيين في ترجمة الادب والفكر العربي المعاصرين الى الفارسية. كما قارنت بين الادب الأحوازي المكتوب باللغة الفارسية والآخر المكتوب بالعربية وتطرقت الى كتاب احوازيين كتبوا بالفارسية مثل عدنان غريفي ومسعود ميناوي ومغاربة و جزائريين مثل الطاهر بن جلون وكاتب ياسين وآسيا جبار، حيث اجمع الحاضرون ان هؤلاء يخدمون اللغة والادب الفرنسيين وليس العربية. وسألني الكاتب المغربي عبدالعزيز جدير عن الروائي الأيراني صادق هدايت مثنيا على رائعته “البومة العمياء” فقلت له ان هذا الكاتب ورغم القيمة الأدبية للرواية فانه عنصري معادي للعرب حتى العظم، فاستغرب الامر طالبا مني ارسال ماكتبته في هذا السياق.


وكان ضمن الضيوف السويدي – العراقي فاروق يوسف وهو شاعر وكاتب سياسي حاز على جائزة ابن بطوطة لهذا العام لكتابه “شاعر عربي في نيويورك” ، اذ اكد في الندوة انه تأثر بشعر ادونيس في هذا المجال وكتاب اميركا لفرانتس كافكا، سائرا على خطى الشاعر الاسباني فيديركو لوركا الذي زار نيويورك قبل تسعين سنة. كان فاروق – الذي حارب ضمن الجيش العراقي اثناء الحرب الإيرانية العراقية في قاطع عبادان – يكرر خلال كلامه معي كلمة “اويلي” العراقية – الأحوازية والتي كان يكررها دوما المرحوم عمي قاسم المعيدي.
وتحدثت المغربية الشابة عائشة بلحاج عن كتابها الحائز على الجائزة لهذا العام وعنوانه”على جناح دراجة من طنجة الى باريس” وهي رحلة بدراجة نارية اخذتها من طنجة إلى اسبانيا ثم ألى فرنسا. كما تحدث احد الفائزين وهو ممدوح فراج النابي من مصر عن دراسته “البلاغة العمياء.. بحث في الخيال الرحليّ عند طه حسين”. وفي المجموع فاز احدى عشر كاتبا وباحث بجائزة ابن بطوطة للعام 2023 لم يحضروا جميعهم الى طنجة.
وخلافا لما كنت اتصوره، كشفت ان المثقفين المغاربة يعرفون القضية الأحوازية بشكل عام وقال لي احد الروائيين منهم بانهم يعتبرونها ارض محتلة، لكني شعرت انهم والعديد من الكتاب العرب لايعرفون عن تفاصيل الاضطهاد القومي للعرب في إيران. التقيت هناك عيسى مخلوف الذي كنت اشاهد اسمه كأمين تحرير مجلة مواقف التي كان يديرها ادونيس في أوائل التسعينيات وله تاليفات شعرية وروائية بالعربية والاسبانية وترجمات عديدة من الاسبانية والفرنسية الى العربية ويبدو انه اول ما ترجم آثار بورخس وماركيز الى العربية.
وكشف الأردني ماهر كيالي مدير المؤسسة العربية للدراسات والنشر انه نشر رواية “ملابس تنجو بأعجوبة” لروائي من قطاع غزة اسمه يسري الغول قبل اشهر، وان الاخير اتصل به من تحت القصف الإسرائيلي العنيف، طالبا منه الاهتمام بالكتاب وبحقوق عائلته بعد موته لأنه يتربص به في كل لحظة.
وحكى لي المغربي د.خالد الطايش – الحائز أيضا على الجائزة – عن الأمازيغ في المغرب ونضالهم من اجل حقوقهم مؤكدا ان اللغة الامازيغية تدرس في جميع المدارس الابتدائية في المغرب ولديهم قناة تلفزيونية. وفي مقارنة بين نضال العرب في أيران والامازيغ في المغرب من اجل حقوقهم، شعرت انه لم يعدم أحد من الامازيغ في هذا السياق خلافا للمئات من العرب الذين عُلقوا على المشانق في مدن إقليم الأحواز. والامازيغ يطالبون حاليا بالاكثر ،رغم ان لغتهم أصبحت رسمية منذ عشرين عاما وهذا ما نحلم به في الأحواز.
وقد جلب نظري درج أسماء المدن باللغتين العربية والامازيقية على لوحات الطريق الرئيسي الواصل بين طنجة ودار البيضاء (كازابلانكا) في رحلة استغرقت اربع ساعات، ذهبنا خلالها يوم الخميس 21 ديسمبر 2023 من مطار الدار البيضاء الى طنجة وعدنا اليها يوم الاحد 24 من ديسمبر من الطريق نفسه . هذا يؤكد ان العرب قياسا للفرس اكثر مرونة في تلبية مطالب الشعوب والأقليات القومية، وهذا ما شاهدناه في موافقة النظام السوداني السابق على انفصال جنوب السودان من الوطن الأم، ومنح صدام حسين الحكم الذاتي للاكراد في العراق، ومنح الحكومات الحقوق اللغوية والثقافية للامازيغ في المغرب والجزائر. كما حكى لي – وهو مدرس التاريخ في الثانوية – عن اضراب يقوم به مدرسو الثانوية منذ شهرين. وقارنت في نفسي بين ما يقوم به هؤلاء المدرسون في المغرب وما يقوم به المدرسون والمعلمون في الأحواز وأيران حيث تلاحقهم السلطات الإيرانية وتسجنهم اذا اضربوا عن العمل ، بل وتطردهم من اعمالهم في غالب الأحيان، وتوجه لهم تهمة الانفصال اذا كانوا عربا .
وقد تم منح الجوائز لهذا العام في بيت الصحافة بطنجة وهو مبنى محترم وجميل، يعمل على الظاهر كنقابة او مركز لصحافيي المدينة.


في لابي الفندق، هناك صور ملصقة على الجدران، لعشرات من الشخصيات السياسية ونجوم السينما المشهورين اقاموا فيه، منهم: ونستون تشرشل، وجاك شيراك، وكوفي عنان، وعبدو ديوف، والامير آلبرت امير موناكو، والسينمائيين: المخرج الاميركي فرانسيس فورد كابولا، والممثلين عمر شريف، وركس هاريسون، وراك هودسون، وتيموتي دالتون (جيمز بوند). وقد رأيت مسميات لمحلات لم أراها في بلدان عربية اخرى زرتها مثل: محلبة (لبيع الحليب ومشتقاته)، وملبنة (لبيع الالبان)، ومعشبة (لبيع الاعشاب الطبية)، ومخبزة (اي الخباز)، ومقشدة (لبيع القشطة).
مدينة طنجة – المستلقية على ظهرها على جبل الاطلسي واقدامها في البحر والمحيط – نظيفة قياسا بلندن وباريس، ويبدو انها منتعشة اقتصاديا اثر وجود معامل لتجميع السيارات الفرنسية والزراعة وثروات البحر وخدماته، لكنك مع ذلك يمكن ان تشاهد بعض البيوت الشعبية المزدحمة والمسورة باسوار كي لايشاهدها الناظر الخارجي من الشارع. نادرا ما تشاهد متكدي في الشوارع والنساء بين محجبة واخرى غير محجبة، ويمكنك سماع اذان المساجد لكن ليس بصوت عال، وتوجد كنائس للمسيحيين الكاتوليك والبروتستانت. اتصور ان الحداثة وثقافتها تغلب على التقاليد في هذه المدينة الجميلة.
وقد كرمت طنجة ابنها الرحالة ابن بطوطة بتدشين متحف خاص له زرناه يوم الجمعة وفيه تمثال له وكتب وخرائط ووثائق تاريخية تتعلق به وهو انجاز مهم يليق بابن بطوطة والمدينة التي انجبته. لكن المدينة بحاجة الى تمثال من البرونز افضل نوعية وجمالا من تمثال المتحف ينبغي ان ينصب في احد ساحات طنجة، وهذا ما اقترحته في الندوة وفي المتحف.
وأما عنوان المقال يعود الى نشيد قديم كنا نسمعه في الأحواز في عز الموجة القومية والناصرية يقول “بلاد العرب أوطاني، من الشام لبغداني، ومن نجد الى يمن، الى مصر وتطواني” والنشيد عالق في ذهني وتذكرته عندما فهمت ان مدينة تطوان تقع في شرق مدينة طنجة على البحر الابيض المتوسط واخرجت منه هذا العنوان، وبالطبع الكرة الارضية هي وطني الأوسع.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى