مقالات الموقع الالكتروني

الطريق إلى أثيوبيا عبر بوابة واشنطن: قراءة في لجام آبي أحمد

أ.نسيم قبها

شارك

الطريق إلى أثيوبيا عبر بوابة واشنطن

قراءة في لجام آبي أحمد

أ.نسيم قبها

إندلعت في الخامس من شهر تشرين ثاني الماضي المناوشات إثر صدام بين الرئيس الأثيوبي و(جبهة تحرير شعب تيغراي)، والتي لا تزال تداعياتها تلقي بظلالها على المشهد السياسي في إثيوبيا وتزيده تعقيدًا وغموضًا. فقد أعلنت “جبهة تحرير شعب تيغراي” مطلع هذا الشهر أنها وصلت إلى منطقة كيميسي على بعد 325 كيلومترًا شمال العاصمة أديس أبابا، حيث انضمت إلى “جيش تحرير أورومو”؛ ليشكل تهديدًا خطيرًا على العاصمة أديس أبابا وهلعًا للرئيس آبي أحمد الذي أعلن حالة الطوارئ واستدعاء قوات الاحتياط للدفاع عن نظامه.

في الحقيقة لم يكن آبي أحمد وهو أول مسؤول من إثنية الأورومو ليصل السلطة في إثيوبيا المكتظة بالأعراق في نيسان 2018، لولا دعم الولايات المتحدة ونفوذًها في القوى السياسية الإثيوبية منذ أن تبنت دعم “حركات التحرر” من الاستعمار الأوروبي في أفريقيا، ومن ثم توفير المكانة الإقليمية وجائزة نوبل له بُعيد توليه الحكم. حيث تولي الولايات المتحدة عناية كبيرة لإثيوبيا التي دعمتها في ضرب الجيوب العسكرية في أريتيريا، ثم ساهمت بإنهاء الخلاف بينهما، إذ تمثل إثيوبيا أهمية بالغة في القرن الأفريقي والذي لا تزال تقيم فيه عديد القواعد العسكرية الأجنبية، وأكبر قاعدة عسكرية فرنسية في أفريقيا على الأراضي الجيبوتية. وهو الأمر الذي جعل من إثيوبيا دولة مركزية وحائط صد في وجه تلك القواعد المزدحمة على الساحل الأفريقي الشرقي بالقرب من الممر النفطي الاستراتيجي في باب المندب، وجعلها أيضًا أداة لضبط المنطقة وتركيز النفوذ الأميركي وإضعاف القوى الدولية الطامعة.

غير أن ولع الرئيس آبي أحمد بالسلطة جعله ينقلب على منافسيه في (الجبهة الديموقراطية الثورية لشعوب إثيوبيا)، ويحل الجبهة ويبطش بقادتها، ويحولها إلى حزب باسم حزب “الازدهار”، ويمضي بتطهير السلطة من الحرس القديم الذين يمثلون الدولة العميقة في الإثنيات والجيش والأحزاب السياسية، مما عده خصومه خيانة لهم، ونجم عنه إخلال بتوازن القوى بين الإثنيات، وتمرد جبهة تحرير تيغراي. حيث أرسل آبي أحمد في الرابع من تشرين ثاني 2020، الجيش إلى تيغراي لإقصاء سلطات المنطقة المنبثقة من “جيش تحرير شعب تيغراي” متهمًا الجبهة بمهاجمة قواعد عسكرية، وأعلن انتصاره في 28 شباط. إلا أن عناصر تيغراي تمكنوا في شهر حزيران2021 من استعادة معظم مناطق تيغراي، وواصلوا هجومهم في منطقتي عفار وأمهرة المجاورتين. وما لبثت الأحداث أن تفاقمت ميدانيًّا في الشهر المنصرم لصالح خصوم الرئيس، وآخرها تقدم جبهة تحرير تيغراي في ولاية أمهرة وسيطرتها على عدد من المدن الكبرى شمال العاصمة هي ديسي وكومبولشا وكيميسي وأطاي، بالإضافة إلى تقدم جبهة تحرير أورومو من جهتي الشرق والغرب. ما أدى إلى انقلاب المشهد السياسي وتبدل المواقف الدولية.

ونتيجة لعناد الرئيس آبي أحمد وعدم إصغائه لتوجيهات المبعوث الأميركي الخاص للقرن الأفريقي جيفري فيلتمان وتجاهل وجوده ووجود مديرة الوكالة الأميركية للتنمية الدولية، ونتيجة لرفضه الوساطات الخارجية والإملاءات الأميركية التي أشار إليها الرئيس بايدن يوم 18 أيلول الماضي في خطابه، وبسبب إصراره على الحل العسكري الذي يهدد بتقسيم إثيوبيا واضطراب القرن الأفريقي، غضت الولايات المتحدة الطرف عن تقدم القوات المنافسة له وحجبت تغريداته على تويتر وفيسبوك التي دعا فيها الشعب إلى القتال ودفن جبهة تحرير شعب تيغراي، ورعت مؤتمرًا صحفيًا يوم 5 تشرين ثاني في واشنطن لتسع فصائل أعلنت عزمها عن حل حكومة رئيس الوزراء آبي أحمد إن بالقوة أو بالمفاوضات، وأعلنت نيتها عن تشكيل حكومة انتقالية، بالإضافة إلى تهديدها لإثيوبيا بالعقوبات الاقتصادية نتيجة الجرائم والانتهاكات الإنسانية. حيث ذكر مسؤول كبير في الإدارة الأميركية لوكالة (سي إن إن) أن إدارة بايدن تستعد لإصدار عقوبات بموجب أمر تنفيذي وقعه الرئيس في أيلول يأذن بفرض عقوبات واسعة على المتورطين في ارتكاب مجازر في الصراع الجاري. فيما ذكر مسؤول آخر في الإدارة “إننا نبلغ الحكومة الإثيوبية أنه لا يزال هناك متسع من الوقت لتجنب أو عكس هذه الإجراءات إذا اتخذت إجراءات عاجلة”.

وكل ذلك من أجل الضغط على الرئيس آبي أحمد وإرغامه على العودة إلى المربع الأول والحوار مع خصومه وتقاسم السلطة معهم أو الاستقالة أو خلعه بالقوة. وهو ما أفضى إلى التراجع الذي أبداه آبي أحمد في قبوله للوساطة الأفريقية وفي تصريحاته التي ألمح فيها إلى التضحية من أجل إثيوبيا مشيرًا إلى أن ثمة من تخلى عنه في قوله: “واجهنا المحن والعقبات وهذا جعلنا أقوى… لدينا حلفاء أكثر من الذين انقلبوا علينا”. وذلك كردة فعل منه غداة تشكيل القوى المنافسة جبهة أطلقوا عليها “الجبهة المتحدة للقوات الفدرالية والكونفدرالية الإثيوبية” حيث أعلن ممثلها برهان جبر خريستوس عند توقيع التحالف في واشنطن عن توجه الجبهة لـ”قلب نظام” آبي أحمد.

وهذه الجبهة وإن كان ينطوي اسمها على خيار التقسيم بسبب إضافة الصفة الكونفدرالية فيها، لكنها تهدف في المقام الأول إلى احتواء الأزمة وأطرافها وإيجاد حل داخلي لها، ومنعها من التفاقم داخليًّا وإقليميًّا. وهو الأمر الذي دعا إليه وزير الخارجية الأميركي، أنتوني بلينكن، مطالبًا بوقف القتال والبدء بمفاوضات سلام فورًا ودون شروط مسبقة، وهو تأكيد أيضًا للموقف الأميركي الذي أعرب فيه وزير الخارجية الأميركي السابق بومبيو عند اندلاع الأزمة في اتصال مع آبي أحمد عن قلق واهتمام أميركا بشأن استمرار الاقتتال وتبعاته ومخاطره. كما أكده مجددًا فيليبو غراندي، رئيس مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، يوم 10 تشرين ثاني، قائلًا إن الأحداث في إثيوبيا ستؤثر على القرن الأفريقي، وأن “تقسيم إثيوبيا أصبح خطرًا ماثلًا، ومن الممكن أن يؤدي إلى المزيد من عمليات اللجوء”. وهذا ما يُفسر الموقف الأميركي من الرئيس آبي أحمد والحلول والرسائل التي حملها المبعوث الأميركي جيفري فيلتمان إلى الرئيس الإثيوبي، ويفسر كذلك قرار مجلس الأمن الذي دعا إلى وقف الأعمال القتالية في إثيوبيا والبدء في التفاوض على وقف دائم لإطلاق النار بين الأطراف المتصارعة؛ وتهيئة الظروف لبدء حوار إثيوبي وطني شامل من أجل توفير أسس السلام والاستقرار في جميع أنحاء البلاد. مما يؤكد على أن القضية داخلية ونتيجة طبيعية أفرزتها الهيكلة التي أجراها الرئيس الإثيوبي في السلطة.

ويمكننا القول إن أميركا لم تغب عن الأحداث وجلب المعارضة مهرولة إلى واشنطن، وإنها استطاعت حتى اللحظة أن تحتوي أطراف النزاع وتضبط نزوعهم نحو الحرب الأهلية التي قد تفجر النزاع الإثني في القرن الأفريقي، وبخاصة وأن لجبهة تحرير تيغراي مطالب بأراض في إريتيريا تسكنها قبائل إثنية مرتبطة بتغراي. كما استطاعت أميركا أيضًا أن تضع النزاع على سكة المسار السياسي الذي تلوح ملامحه في ترحيب جبهة تحرير تيغراي بقرار الرئيس بايدن، والذي اعتبرته الجبهة خطوة في الاتجاه الصحيح، وأنها لا تمانع في إطلاق حوار لتسوية الصراع. كما بدت ملامحه أيضًا في زيارة مبعوث الاتحاد الأفريقي الخاص للقرن الأفريقي الرئيس النيجيري الأسبق أولوسيجون أوباسانجو. والحل السياسي هو الأمر الذي سعت إليه الولايات المتحدة للجم مطامع الفرقاء الذين قد يضطرونها إلى وضع خيار الكونفدرالية موضع التنفيذ، وفصل إقليم تيغراي في الشمال، كمخرج آني لهذا النوع من الصراع الذي فجره تمادي الرئيس آبي أحمد في إجراءاته العسكرية التي فاقمت المشكلة ولم تحظ باستحسان الولايات المتحدة.

 

كاتب وروائي فلسطيني

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى