الرئيسيةرأيكل السياسة

مساهمة

شارك

مقاربة قانونية
لحالات التعامل مع العدو الصهيوني
عامر الفاخوري نموذجاً

أ. حسن بيان

طرحت عملية توقيف المدعو عامر الفاخوري، استحضار ملف العمالة مع العدو الصهيوني مجدداً. وإذا كان هذا الملف تتم مقاربته في كثير من الأحيان ببعده السياسي، إلا أنه لم تتم مقاربه بشكل جدي من خلال بعده القانوني، وما حصل من محاكمات لعدد من الذين أدرجوا تحت خانة التعامل بعد الانسحاب الصهيوني من لبنان عام 2000، تناول البعد القضائي لناحية تجريم من ثبت تعامله مع العدو مع الأخذ بعين الاعتبار كل الظروف التي أحاطت بهذا الملف.

إن البعد القانوني لمقاربة ملف التعامل يتناول ثلاثة عناوين:
العنوان الأول: مسؤولية “إسرائيل” عن إدارتها للمناطق المحتلة باعتبارها سلطة قائمة الاحتلال.
العنوان الثاني: المركز القانوني للمعتقلين سواء اعتقلوا في مراكز اعتقال على الأراضي اللبنانية أو في معتقلات داخل فلسطين المحتلة.
العنوان الثالث: الأفراد الذين تعاملوا مع سلطة الاحتلال.

العنوان الأول
وهو اعتبار “إسرائيل” سلطة قائمة بالاحتلال، فإنها بعد احتلالها لأرض لبنانية عام 1978، وتوسيع رقعة الاحتلال بعد حرب 1982، جعل منها دولة محتلة، ولذلك فإنها بهذه الصفة تكون إدارتها للمناطق المحتلة محكومة بضوابط السلطة القائمة بالاحتلال ويترتب عليها الالتزام بالمواثيق والاتفاقيات الدولية والبروتوكولات ذات الصلة. ومنها اتفاقيات جنيف الأربع لعام 1949/ 12 آب. وإن “إسرائيل” وقعت على هذه الاتفاقيات بتاريخ 8/12/1949 وصادقت عليها بتاريخ 6/7/1951 أما البروتوكول الإضافي الأول لإتفاقيات جنيف والخاص لحماية ضحايا النزاعات الدولية / جنيف 1977، “فإسرائيل” لم تنضم إليه ولم توقعه وأيضاً البروتوكول الإضافي الثاني المتعلق بحماية ضحايا النزعات المسلحة غير الدولية.

وهذه المسألة قد تكون موضوع بحث آخر، لأن “إسرائيل” لم تنضم لأغلبية المواثيق والاتفاقيات الدولية التي تفرض قواعدها الأمرة لجهة توفير الحماية لسكان الأراضي التي تقع تحت الاحتلال وأيضاً حماية الأعيان الثقافية والدينية والتراثية.

وإذا كانت “إسرائيل” لم تجر مساءلتها عن الأعمال التي ارتكبتها في الأراضي اللبنانية المحتلة، فلأنها كانت وما زالت دولياً محمية بسلطة دولية ذات تأثير كبير في السياسة الدولية وهي الولايات المتحدة الأميركية والتي تمارس حق النقض ضد كل مشروع قرار أممي يدين سياسة “إسرائيل” وإجراءاتها في الأراضي المحتلة في لبنان وفلسطين.

العنوان الثاني
وهو المركز القانوني للمعتقلين لبنانيين كانوا أو غير لبنانيين من الذين اعتقلوا يوم كانت “إسرائيل” تدير الأراضي الواقعة تحت سيطرتها باعتبارها سلطة قائمة بالاحتلال.

إن “إسرائيل” عقب اجتياحها الواسع للبنان عام 1982، أقامت معتقلاً في قرية أنصار ضم معتقلين لبنانيين وفلسطينيين ومن جنسيات أخرى ومن الذين أسروا أثناء العمليات العسكرية الكبرى أو الذين اعتقلوا بعد أن توقفت العمليات العسكرية عقب خروج قوات منظمة التحرير الفلسطينية من لبنان 1982

هذا المعتقل كان الأكبر، لأنه كانت توجد مراكز اعتقالات أخرى في مناطق لبنانية متاخمة للحدود مع فلسطين المحتلة، فضلاً عن أفراد كانوا يساقون إلى معسكرات اعتقال داخل فلسطين المحتلة.

بعد انسحاب “إسرائيل” إلى ما أصبح يعرف بالشريط الحدودي أقامت معسكراً في بلدة الخيام اللبنانية، أو بالأحرى وسعت إنشاءاته ليستوعب كل من يتم اعتقاله ولا يساق إلى معتقلات في فلسطين المحتلة. وهؤلاء الذين اعتقلوا في معتقل الخيام كانوا من المقاومين للاحتلال بالعمل المباشر أو العمل غير المباشر، كالمساعدات التي كان يقدمها الأهالي للمقاومين لجهة التسهيل أو التزويد بالمعلومات وهؤلاء في الحقيقة ينطبق عليهم توصيف المقاومين.

إن هؤلاء المعتقلين تعرضوا لشتى أنواع التعذيب الجسدي والنفسي، المادي والمعنوي، وأن بعضهم تعرض للتعذيب حتى الموت وبعضهم تعرض للاخفاء القسري وما زال مصيرهم مجهولاً، حتى أن بعض من ثبت أنهم ماتوا تحت التعذيب لم يكشف عن أماكن دفنهم ولم تسلم جثثهم أثناء عمليات التبادل للأسرى والمعتقلين.

فأي مركز قانوني ينطبق على الذين اعتقلتهم سلطة الاحتلال في معتقل الخيام؟
مما لا جدال حوله، أن “إسرائيل” قامت باحتلال أجزاء من الأراضي اللبنانية، ولبنان الدولة ذات السيادة والعضو في الأمم المتحدة تعرضت سيادته للانتهاك وأرضه للاحتلال، وأن حق للبنان وشعبه مقاومة هذا الاحتلال وأن المواثيق الدولية حفظت للشعوب حقها في مقاومة الاحتلال. وعندما تقوم حرب بين دولتين، فإن قوانين الحرب تطبق على النزاعات ذات الطابع الدولي والتي حددتها اللائحة المتعلقة بقوانين وأعراف الحرب البرية (لاهي 18/10/1907)، ولمعرفة المركز القانوني المعتقلين في معتقل الخيام أو غيره نعود بالتعريف إلى ما نصت عليه المادة (4) من اتفاقية جنيف الثالثة بشأن أسرى الحرب من الاتفاقية لقد نصت المادة (4) فقرة (2) على أسرى الحرب بالمعنى المقصود في هذه الاتفاقية هم الأشخاص الذين ينتمون إلى أفراد الميليشيات الأخرى والوحدات المتطوعة (غير تلك التي نص عليها البند الأول) بمن فيهم أعضاء حركات كالمقاومة المنظمة الذين ينتمون إلى أحد أطراف النزاع ويعملون داخل أو خارج إقليمهم، حتى لو كان الإقليم محتلاُ على أن تتوفر فيهم شروط من بينها أن يقودها شخص مسؤول عن مرؤوسيه. كما نص البند (6) من المادة ذاتها يعتبر أسرى حرب، سكان الأراضي غير المحتلة الذين يحملون السلاح من تلقاء أنفسهم عند اقتراب العدو لمقاومة العدو لمقاومة القوات الغازية دون أن يتوفر لهم الوقت الكافي لتشكيل وحدات مسلحة نظامية، شريطة أن يحملوا السلاح جهراً وأن يراعوا قوانين الحرب وعاداتها.

إن المادة الرابعة برغم ما تميزت به من شمول، إلا أن قواعدها الضابطة وضعت أصلاً لتحكم علاقات عدائية بين دول إلا إذا تم استثناء مسألة الاعتراف بصفة المحارب والمادة الثالثة المشتركة لاتفاقيات جنيف 1999 (العاملة الإنسانية لضحايا النزعات المسلحة غير الدولية) وقد تدارك البروتوكول الأول المضاف إلى هذه الاتفاقيات الفراغ المتعلق بمقاتلي حروب التحرير الوطني.

ففي البند (3) من المادة الأولى من أحكام البروتوكول الإضافي الأول ما نصه: ينطبق هذا الملحق (البروتوكول) الذي يكمل اتفاقيات جنيف لحماية ضحايا الحرب الموقعة بتاريخ 12 آب 1949 على الأوضاع التي نصت عليها المادة الثانية المشتركة فيما بين هذه البروتوكول ينص على ما يلي: “تتضمن الأوضاع المشار إليها في الفقرة السابقة وهي الفقرة (3)، المنازعات المسلحة التي تناضل الشعوب ضد التسلط الاستعماري والاحتلال الأجنبي وضد الأنظمة العنصرية، وذلك في ممارستها لحق الشعوب في تقرير المصير، كما كرسه ميثاق الأمم المتحدة والإعلان المتعلق بمبادئ القانون الدولي الخاص بالعلاقات الودية والتعاون بين الدول طبقاً لميثاق الأمم المتحدة.

وبإضفاء صفة النزاع المسلح الدولي على حروب التحرير الوطني بموجب المادة (1) فقرة (4) من البروتوكول الإضافي الأول فإن مقاتلي هذه الحروب يتمتعون بصفة المقاتل وبحقهم بوضع أسير حرب عند وقوعهم في قبضة الخصم، إذا كان طرفاً في البروتوكول الأول، لكن للأسف فإن “إسرائيل” ليست طرفاً في هذا البروتوكول وكما كثير من المواثيق والاتفاقيات الدولية التي تخضع لأحكام القانون الدولي الانساني. وهذا القانون يضفي صفة الأسير إذا حام الشك حول وضعه، أي أن الشك يفسر لمصلحة الأسير ويبقى وضعه هكذا إلى أن تبت في المسألة محكمة مختصة.

وبما أن لبنان تعرضت أرضه للاحتلال، وأن حركة مقاومة تشكلت لمقاومة الاحتلال، وأن أطراف هذه المقاومة هم هيئات منظمة، ويقودها شخص مسؤول عن مرؤوسيه، وبما أن المقاومة هي حركة تحرير وطني لأنها تنطوي على فعل تحرير الأرض من الاحتلال، فإن مقاتلي هذه المقاومة يتمتعون بصفة المقاتل القانوني، وبالتالي فإن المركز القانوني لهذا المقاتل فيما لو وقع في قبضة الخصم هو مركز أسير الحرب.

بالتالي فإنه والحالة هذه يصبح مشمولاً بالحماية القانونية التي نصت عليها اتفاقية جنيف بشأن معاملة اسر الحرب، وأحكام البروتوكول الإضافي الأول الذي سد الفراغ بالنسبة لمقاتلي حركات التحرير الوطني.

و بما أن المعتقلين الذي وقعوا في قبضة العدو الصهيوني، وهو سلطة قائمة بالاحتلال، هم مقاتلو حركة مقاومة وطنية، وهدفهم تحرير أرضهم من الاحتلال، فإنهم بالتالي أسرى حرب. وعليه فإن معتقلي معتقل الخيام، الذي وقعوا في قبضة العدو أثناء تنفيذ عمليات مقاومة عسكرية أو شعبية هم والحالة هذه أسرى حرب وبالتالي مركزهم القانوني هذا يجعلهم تحت حماية أحكام القانون الدولي الإنساني بكل قواعده الآمرة.

إن المقاتل الذي يقع في قبضة الخصم وله وضع أسير الحرب، يصبح مشمولاً بالحماية التي نصت عليها الاتفاقيات الدولية ذات الصلة، وهذه الحماية تشمل حمايته من التعذيب الجسدي و النفسي، المادي والمعنوي.وخاصة تلك التي نصت عليها المادة (5) من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والمادة (7) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية وكلتاهما تنص على عدم جواز تعرض أحد للتعذيب أو المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنساينة أو المهينة.

أما لجهة أساليب الحماية التي يحق الأسير الاستفادة منها، فقد نصت عليها المادة (13) من اتفاقية جنيف الثالثة بالتأكيد على أنه يجب حماية أسرى الحرب في جميع الأوقات وعلى الأخص ضد جميع أعمال العنف أو التهديد والمادة (14) التي نصت على احترام أشخاص الأسرى وشرفهم في جميع الأحوال. كما أن المادة (17) نصت على أنه لا يجوز ممارسة أي تعذيب بدني أو معنوي أو أي إكراه على أسرى الحرب لاستخلاص معلومات منهم من أي نوع. ولا يجوز تهديد أسرى الحرب الذين يرفضون الإجابة أو سبهم أو تعريضهم لأي إزعاج أو إجحاف.

وقد حددت اتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة المعتمدة بتاريخ 10/12/1984 وتاريخ النفاذ 26/6/1987، في مادتها الأولى بأنه يقصد بالتعذيب أي عمل ينتج عنه ألم أو عذاب شديد، جسدياً كان أم عقلياً، يلحق عمداً بشخص ما يقصد الحصول من هذا الشخص أو من شخص ثالث، على معلومات أو على اعتراف، أو معاقبته على عمل ارتكبه أو يشتبه في أنه ارتكبه، هو أو شخص ثالث أو تخويفه أو إرغامه .. الخ المادة البند (1). وأما البند (2) من المادة نفسها فينص على أنه لا تنحل هذه المادة بأي صك دولي أو تشريع وطني يتضمن أو يمكن أن يتضمن أحكاماً ذات تطبيق شامل.

ومن خلال ما عاشه المعتقلون الأسرى في سجن الخيام، فإنهم تعرضوا لأقسى أنواع التعذيب وفي الخلاصة:
1 ـ أنهم أسرى حرب وفق منطوق أحكام البروتوكول الإضافي الأولى باعتبارهم مقاتلين مقاومين للاحتلال الأجنبي وهم ينتمون إلى حركات تحرير وطني بحسب توصيف القانون الدولي.
2 ـ طالما هم مقاتلون منتمين إلى حركات تحرير وطني، فهم مشمولين بحماية اتفاقية جنيف الثالثة الخاصة بأسرى الحرب وأحكام البروتوكول الإضافي الأول.
3 ـ ثبوت أنهم تعرضوا للتعذيب بكل أشكاله من الأذى الجسدي والنفسي إلى الاختفاء القسري وكثيرون ماتوا تحت التعذيب وهذا موثق بالشهادات والتقارير التي لا يرقى إليها الشك.
4 ـ إن “إسرائيل” باعتبارها سلطة قائمة بالاحتلال هي المسؤولة عن كل الأعمال التي تشكل انتهاكاً لأحكام القانون الدولي الإنساني ومنها أعمال التعذيب التي لحقت بالمعتقلين الذي ينطبق عليهم تصنيف أسرى الحرب.
أما وأن “إسرائيل” لم تحاسب عن جرائمها التي ارتكبتها وهي جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية فلأنها دولة مارقة ومحظية بحماية دولية وخاصة من الراعي الأميركي لكل سلوكها العدواني.

العنوان الثالث
إن “إسرائيل” باحتلالها لقسم من الأراضي اللبنانية استمر لاثنتين وعشرين سنة وجدت واقعاً على الأرض أفرز صيغاً مختلفة من التعامل مع سلطة الاحتلال، وهذه الصيغ يمكن إدراجها ضمن ثلاث فئات:
الفئة الأولى: هي فئة الناس الذين تعاملوا مع سلطة الاحتلال باعتبارها سلطة أمر واقع وأنهم تحت ضغط الظروف الاقتصادية والاجتماعية والمعيشية اضطروا للعمل في مؤسسات صهيونية داخل فلسطين المختلة وكانوا يحوزون عل تراخيص عمل. وهذه الفئة من الناس وإن كانت ظروفها المعيشية أملت عليها ذلك، إلا أنها خالفت القوانين الوطنية التي تحرم الاتصال والتعامل مع العدو، وهؤلاء وهم الشريحة الأوسع لا يمكن غض النظر عن وضعهم عند تسوية أوضاعهم، بل يجب إخضاعهم لتحقيقات أمنية وقضائية وإدارية، ومن يثبت أنه لم يقم علاقات مع العدو لأجل تأدية خدمة له ضد المصلحة الوطنية يمكن أن يستفيد من الأسباب التخفيفية، أما من يثبت أنه ارتبط مع العدو بصلة منظمة ذات منفعة استخبارية فهذا يندرج ضمن تصنيف آخر.

الفئة الثانية: هم الأفراد الذين أرغمهم العدو على العمل لدى أجهزته كأعمال السخرة على سبيل المثال لا الحصر، فهؤلاء كان بإمكانهم رفض الامتثال لأوامر العدو والامتناع عن العمل لدى مؤسساته وخاصة الخدماتية منها، وطبعاً هؤلاء يتعرضون لمعاملات قاسية ومنها الاعتقال أو الحجز الإداري أو الإبعاد، ومن يقبل العمل مرغماً، وان مكرهاً فإن هذا لا يعفيه من المساءلة ويجب أن يخضع لتحقيقات أمنية وقضائية إدارية، وان يستفيد من الأسباب التخفيفية في حال عدم ثبوت تقديمه أية خدمات للعدو وخاصة الخدمات الأمنية.

الفئة الثالثة: وهي فئة الذين تعاملوا مع العدو بمحض إرادتهم وأخطرهم الذين شكلوا خلايا وشبكات تجسسية أو الذين اندمجوا بأجهزته العسكرية والأمنية وباتوا جزءاً من المنظومة الأمنية والاستخبارية والعسكرية للعدو.

إن كافة القوانين الوطنية الوضعية ومنها القانون اللبناني، يعتبر التعامل مع دولة عدوة جرم يعاقب عليه القانون، وقد نصت المادة 273 من قانون العقوبات، ان كل لبناني حمل السلاح في لبنان في صفوف العدو عوقب بالإعدام، كما نصت في فقرتها الثانية ان كل لبناني وان لم ينتم إلى جيش معاد، أقدم في زمن الحرب على أعمال عدوان ضد لبنان عوقب بالأشغال الشاقة المؤبدة.

إذاً، ان القانون اللبناني حدد العقوبات التي تفرض على كل من يحمل الجنسية اللبنانية ويحمل السلاح على لبنان في صفوف العدو أو أقدم في زمن الحرب على أعمال عدوان ضد لبنان.”المواد 273 حتى 387″.

إن اللبنانيين الذين اندمجوا في المنظومة العسكرية والاستخبارية والأمنية للعدو، وهي التي تنفذ أعمالاً عدوانية ضد لبنان كدولة، واللبنانيين كمواطنين إنما يقعون تحت طائلة المساءلة القانونية التي حددها قانون العقوبات، وان من يقدم على عمل مختاراً وغير مكره، فإنما يتحمل جزاء عمله. والمجرم يساءل لأنه ارتكب بملء اختياره، فعلاً يعاقب عليه القانون. وفي حالة كحالة المتعامل عامر الفاخوري فإنه ثابت انه التحق بصفوف العدو الصهيوني وأصبح جزءاً من منظومته الأمنية والاستخبارية، وهو بما قام به إنما نفذ بحرية اختياره وكان ينفذ أعمالاً لمصلحة العدو خاصة بما يتعلق بالمعتقلين في سجن الخيام وهو أحد العناوين المعروفة لإثبات تعامله وربما كانت هناك عناوين أخرى غير معروفة للإعلام والرأي العام.

لقد صدر حكم قضائي بحق الفاخوري، وهذا الحكم صدر بالصورة الغيابية وهذه العقوبة فرضت عليه لإدانته بجرم التعامل مع العدو.

هذه العقوبة التي صدرت بحقه عام 1996، اعتبرت ساقطة بمرور الزمن سنداً للمادة 163 من قانون العقوبات.

وإذا لم يكن هناك أحكام أخرى صادرة بحق المحكوم بالعقوبة الساقطة بمرور الزمن أو أية مذكرات بالملاحقة أو عدم وجود ادعاء عليه يمكنه الاستفادة من مفاعيل المادة 163 ولا يعد بالإمكان توقيفه.

لكن من مراجعة حالة عامر الفاخوري الذي حكم عليه غيابياً بتهمة العمالة، لم يتبين أن جرمه اقتصر على جريمة التعامل وحسب، بل ثمة جرائم أخرى ارتكبها استناداً إلى موقعه ودوره الذي كان يشغله كمشرف على أعمال التعذيب التي كان يتعرض لها المعتقلون والذين تنطبق عليهم صفة أسرى حرب.

إن الشهود والبينات الشخصية والتقارير تثبت أن عامر الفاخوري مارس التعذيب مباشرة ضد الأسرى في سجن الخيام وان عدداً منهم مات تحت التعذيب، وبذلك فإن الفاخوري الذي أوقفته الأجهزة الأمنية اللبنانية وأحالته إلى القضاء اللبناني لم يرتكب جرم التعامل فقط كي يستفيد من مفاعيل المادة 163 / عقوبات بل ارتكب جريمة التعذيب أثناء حالة الحرب، لأن لبنان و”إسرائيل” في حالة حرب وان قسماً من الأرض اللبنانية كانت تحت الاحتلال عندما كان الفاخوري يمارس التعذيب في سجن الخيام.

إن تعذيب الأسرى والمعتقلين هي جريمة حرب بحسب ما نصت عليه المادة (8) من نظام المحكمة الجنائية الدولية، حيث نص البند (2) من هذه المادة انه لغرض هذا النظام تعني جرائم الحرب الانتهاكات الجسيمة لاتفاقيات جنيف المؤرخة في 12 آب 1949 ومنها القتل عمداً والتعذيب أو المعاملة اللاإنسانية، إرغام أي أسير أو أي شخص مشمول بالحماية على الخدمة في صفوف دولة معادية، الحبس على المشروع.

كما أن المادة (7) من نظام المحكمة لجنائية الدولية، اعتبرت جرائم ضد الإنسانية، جرائم القتل عمداً، إبعاد السكان أو النقل القسري للسكان، السجن أو الحرمان الشديد على أي نحو آخر من الحرية البدنية بما يخالف القواعد الأساسية للقانون الدولي، التعذيب والأعمال اللاإنسانية التي تتسبب في معاناة شديدة أو في أذى خطير.

وحيث أنه ثبت ان مثل هذه الأعمال ارتكبت في معتقل الخيام وهي موثقة بالشهادات والتقارير فإن كل من ارتكب مثل هذه الأعمال يكون ارتكب جريمة حرب وجريمة ضد الإنسانية.

وحيث ثبت أن عامر الفاخوري كان ينفذ ويشرف على أعمال لتعذيب فإنه بذلك يكون قد ارتكب جريمة حرب وجريمة ضد الإنسانية، وهذه الجرائم لا تسقط بالتقادم عملاً بأحكام المادة الأولى فقرة(أ)و فقرة (ب) من اتفاقية عدم تقادم جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية تاريخ 26 تشرين الثاني 1968 وتاريخ بدء النفاذ 11 تشرين الثاني 1970

من هنا فإذا كان عامر الفاخوري قد استفاد من أحكام المادة 163 عقوبات إلا أنه يبقى ملاحقاً بجريمة الحرب والجريمة ضد الإنسانية لثبوت قيامه بأعمال التعذيب.

هذا بالنسبة لعدم التقادم على هاتين الجريمتين، أما بالنسبة لجرائم أخرى قد ارتكبها فهي جريمة اكتسابه الجنسية الإسرائيلية و”إسرائيل” دولة عدوة. وإذا كان التعامل جرم يعاقب عليه القانون فكيف يكون حال عند اكتساب جنسية دولة عدوة وهي في حالة حرب مع لبنان.

ان هذه الواقعة تشكل جريمة مستمرة ومتمادية وبالتالي يجب محاكمته كما غيره ممن اكتسب الجنسية الإسرائيلية. وهذه تمنحها الدول لكل من يقدم خدمات لها، حيث تعتبرها الدولة المانحة لجنسيتها خدمات جلى والإجراء البديهي الذي يفترض اتخاذه هو إسقاط الجنسية الوطنية على كل من يكسب جنسية دولة أجنبية عدوة لبلده وفي حالة حرب معه.
لقد نص قانون الجنسية اللبناني، ان اللبناني يفقد جنسيته اللبنانية إذا كان يقيم في لبنان أو في الخارج ويقبل وظيفة تقلده إياها حكومة أجنبية، الفقرتان الثانية والثالثة من المادة من قانون 31/6/1946
إن اللبناني يفقد الجنسية في مثل الحالات المشار إليها أعلاه فهل يعقل أن يبقى حاملاً لجنسيته وهو يرتكب جرم الخيانة.

إن عامر الفاخوري وهو نموذج لكثيرين تجاوزوا في فعلهم جرم العمالة الذي يندرج عبر ثلاث فئات والثالثة هي الأخطر، إلى جرم الانضواء في صفوف العدو، وهو عندما يكتسب جنسية دولة ما، فهو يقسم يمين الولاء لها وهذا جرم خيانة مكتمل الأوصاف القانونية.

إن عامر الفاخوري نموذج لكثيرين من أمثاله لم يقسموا يمين الولاء للبنان لأنهم اكتسبوا الجنسية اللبنانية استناداً إلى القوانين والقرارات التي حددت جنسية اللبنانيين بعد إعلان دولة لبنان وأن يقسم يمين الولاء لدولة عدوة، ويبقى حاملاً الجنسية اللبنانية فهذا ما لم يمكن القبول به وأول إجراء يجب اتخاذه بحقه هو إسقاط الجنسية اللبنانية عنه.

من خلاصة ما تقدم، نؤكد أن “إسرائيل” تتحمل المسؤولية الكاملة عما لحق بلبنان وباللبنانيين من ضرر باعتبارها سلطة قائمة بالاحتلال ويجب مقاضاتها بذلك أمام القضاء الجزائي الدولي.

إن المركز القانوني للمعتقلين في معتقل الخيام هو مركز أسرى الحرب وبالتالي لهم الحق بالحماية التي تضفيها عليهم الاتفاقيات الدولية وخاصة اتفاقية جنيف الثالثة والبروتوكول الإضافي الأول.

إن المعتقلين الأسرى في معتقل الخيام، تعرضوا للتعذيب وهذه جريمة حرب وجريمة ضد الإنسانية وهذه لا تسقط بالتقادم.

إن عامر الفاخوري وان سقطت عقوبة العمالة عنه إلا أنه يبقى ملاحقاً بجرم التعذيب والاخفاء القسري، وهذه لا تسقط بالتقادم كما اكتساب جنسية دولة عدوة وهي جريمة مستمرة ومتمادية لهذا يوجب محاكمته سنداً لهذه الجرائم وأن للقضاء الوطني ولاية شاملة لأن الجرائم ارتكبت بحق لبنانيين وعلى أرض لبنانية (المواد 15 و 16 17 من قانون العقوبات الصلاحية الاقليمية )عليه وإنزال أشد العقوبات بحقه لارتكاب جرم الخيانة التي تصل عقوبتها إلى الإعدام، وإسقاط الجنسية اللبنانية عنه كي يكون عبرة لغيره وحتى لا تتحول الخيانة إلى وجهة نظر ويسود منطق ترويج التطبيع.

ا.أحمد بيان- محامي و سياسي من لبنان

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى