مارسيل خليفة في مهرجان الحمامات الدولي… امسية عبرت بالشعر والموسيقى بين الذاكرة والأمل

مارسيل خليفة في مهرجان الحمامات الدولي… أمسية عبرت بالشعر والموسيقى بين الذاكرة والأمل

أ. وصال عيدودي
لم يكن عرض الفنان اللبناني مارسيل خليفة على ركح مهرجان الحمامات الدولي مجرد حفل غنائي، بل بدا وكأنه لقاء متجدد بين فنان وجمهور جمعتهما الأغنية لعقود. ففي الدورة الستين للمهرجان، التي تنتظم من 11 جويلية إلى 13 أوت 2026 تحت شعار “ذاكرة تعيش”، عاد خليفة إلى المسرح الأثري مساء الجمعة 24 جويلية حاملاً معه مشروعًا موسيقيًا ظل، لأكثر من خمسة عقود، وفيًا للشعر والإنسان والقضايا التي آمن بها.
وقبل أن يبدأ العزف، كانت مدارج المسرح قد امتلأت بالجمهور الذي جاء من مختلف الأعمار. وما إن اعتلى مارسيل خليفة الركح حتى بادر بتحية الحاضرين، معربًا عن سعادته بالعودة إلى تونس، مؤكّدًا أن مهرجان الحمامات يحتل مكانة خاصة في قلبه، وأن الجمهور هو الشريك الحقيقي في نجاح أي فنان.
وافتتح الأمسية بأغنية “يطير الحمام”، قبل أن ينتقل إلى “في البال أغنية”، ليحوّل منذ اللحظات الأولى العرض إلى مساحة من التفاعل المباشر. ولم يتردد في سؤال الجمهور بلهجته اللبنانية: “بعدكم حافظينها؟”، فجاءه الجواب من مئات الأصوات التي أكملت الأغنية عن ظهر قلب، في مشهد تكرر أكثر من مرة خلال السهرة، حيث ترك الفنان في عديد المقاطع المجال للحاضرين ليشاركوه الغناء.
وتواصلت الرحلة بين أعمال شكلت محطات بارزة في مسيرته، من بينها “ريتا” و**“خبيني”** و**“انتظرها”** و**“منتصب القامة أمشي”** و**“أحن إلى خبز أمي”**، وهي أغانٍ ارتبطت بقصائد الشاعر الفلسطيني محمود درويش، الذي شكّل حضوره الأدبي ركيزة أساسية في المشروع الفني لمارسيل خليفة. وبين أغنية وأخرى، كان يستعيد حكايات رافقت ولادة هذه الأعمال، لتتحول الأمسية إلى حوار بين الموسيقى والشعر والذاكرة.
ولم تغب القضايا الإنسانية عن العرض، إذ توقف الفنان عند ما يعيشه لبنان وفلسطين من مآسٍ، موجّهًا تحية إلى الشهداء وإلى سكان المخيمات، قبل أن يقدم مقطوعة “خيام”، موضحًا أنها ليست موسيقى للحزن بقدر ما هي رسالة أمل إلى كل من يعيشون تحت وطأة الحرب والنزوح. وتفاعل الجمهور مع هذه اللحظة بتصفيق طويل وهتافات داعمة لفلسطين.
واستعاد خليفة خلال السهرة جانبًا من علاقته بالشاعر محمود درويش، فروى للحاضرين كيف تلقى اتصالًا من الشاعر بعد حرب سنة 1982 للحديث عن قصيدة “انتظرها”، وكيف بقيت تلك القصيدة سنوات تبحث عن لحنها قبل أن ترى النور، لتصبح اليوم واحدة من أكثر الأعمال التي يرددها الجمهور في حفلاته.
كما منح مساحة خاصة لابنه، عازف التشيللو ساري خليفة، الذي قدّم مقطوعة “صلاة” في أداء منفرد، كشف الإمكانات التعبيرية للآلة وقدرتها على الجمع بين روح المقامات الشرقية وتقنيات الموسيقى الكلاسيكية الغربية. وساد الصمت أرجاء المسرح طوال المقطوعة، قبل أن ينفجر الجمهور بالتصفيق في نهاية العرض، تقديرًا للأداء الذي اتسم بحس تأملي عميق.
واختتم مارسيل خليفة سهرته بأغنية “يا بحرية هيلا هيلا”، التي رددها الجمهور بصوت واحد، في مشهد اختزل العلاقة التي نسجها الفنان مع مستمعيه على امتداد سنوات طويلة، حيث تحولت الأغنية إلى جزء من الذاكرة الجماعية.
وفي الندوة الصحفية التي أعقبت الحفل، عبّر مارسيل خليفة عن إعجابه بالتنوع الكبير الذي ميّز جمهور السهرة، مشيرًا إلى أن حضور الأطفال والشباب والعائلات في عرض واحد يؤكد أن الموسيقى قادرة على تجاوز الفوارق العمرية وجمع الأجيال حول القيم نفسها. كما أشاد بحالة الإصغاء التي رافقت المقاطع الموسيقية، معتبرًا أن صمت الجمهور أثناء العزف لا يقل أهمية عن مشاركته في الغناء.
وكشف الفنان اللبناني أنه انتهى من إنجاز عمل موسيقي ضخم مستوحى من قصيدة “الجدارية” لمحمود درويش، استغرق الإعداد له أكثر من عامين، ويجمع بين الأوركسترا والكورال والمسرح والرقص، مع حضور صوت محمود درويش داخل العمل، إلى جانب مشاركة الفنان التونسي ظافر يوسف، مؤكدًا أن المشروع ينتظر استكمال ظروف إنتاجه ليُقدَّم أمام الجمهور.
وأكد خليفة أن الفن يظل مساحة للدفاع عن الإنسان والأمل، حتى في أكثر اللحظات قسوة، مضيفًا أن الأغنية لا تكتسب قيمتها فقط عندما تعبّر عن القضايا الكبرى، بل أيضًا عندما تحتفي بالحب والجمال والحياة. وهي الفكرة التي اختصرها في نهاية الأمسية، عندما ترك الجمهور يردد “يا بحرية هيلا هيلا”، في صورة جسدت كيف تتحول الأغنية، مع الزمن، إلى ذاكرة يعيشها الناس قبل أن تكون مجرد عمل فني.




