السودان ومؤتمر برلين الثالث: بين آمال التسوية واحتمالات الصفقات الخفية

السودان ومؤتمر برلين الثالث: بين آمال التسوية واحتمالات الصفقات الخفية
د.علي عبدالقادر
في تاريخ 15 ابريل 2023م اندلعت حرب في السودان بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع ، وهذه الأخيرة هي قوات تم تكوينها من مليشيات سابقة او قوات قبلية” قوات الجنجويد” التي تكونت في 2003م بواسطة الحكومة المركزية في الخرطوم لمساندتها ضد التمرد في إقليم دارفور.
في البداية كانت قوات الدعم السريع تعمل تحت إشراف جهاز الأمن والمخابرات السوداني، ثم أصبحت قوات رسمية بقيادة محمد حمدان دقلو في العام 2013م، وبعد مضي أربع سنوات أي في العام 2017م تمّ إعطائها الشرعية القانونية بواسطة البرلمان السوداني والاعتراف بها كقوة نظامية مستقلة عن القوات المسلحة ولها قانون خاص وتحت الاشراف المباشر لرئيس الجمهورية حينها. لكن سرعان ما بدأت أطماع هذه القوات تظهر للسطح وذلك بقيامها بالقوة بالسيطرة على مناجم الذهب في جبل عامر في دارفور، وأبعدت الكثير من السكان المحليين، وبذلك أصبح لها تمويل مستقل، وقد اعتكف حينها وزير الداخلية عصمت عبدالرحمن بمنزله لمدة ثلاثة أسابيع احتجاجاً على عدم تدخل القوات المسلحة السودانية في أحداث جبل عامر التي احتلت بحسب رائه بقوات أجنبية، ولكن رئاسة الجمهورية وقفت الى جانب قوات الدعم السريع مما دفع الوزير عصمت عبدالرحمن لتقديم استقالته.
كذلك زاد تمويل قوات الدعم السريع بمشاركتها بالنصيب الاكبر ضمن القوات المسلحة السودانية في حرب اليمن ضمن التحالف العربي الذي قادته المملكة العربية السعودية ضد الحوثيين، وبعد ثورة ديسمبر 2018م وإسقاط البشير في إبريل 2019م ، تحالفت قوات الدعم السريع مع رئيس المجلس العسكري الجديد الفريق البرهان والذي كان قد وجد دعما كبيرا من القاعدة الحزبية للبشير أي حزب المؤتمر الوطني والحركة الإسلامية، وهكذا استمرت قوات الدعم السريع في المشاركة في الحكم الى العام 2023م ثم اختلف الشركين في اقتسام السلطة والثروة فقامت الحرب.
في تاريخ 25 يونيو 2020م ، جاء مؤتمر برلين الأول بمشاركة دول ومنظمات دولية بهدف الدعم السياسي والاقتصادي للحكومة المدنية السودانية برئاسة د. عبدالله حمدوك ، وتم التعهد فيه بدعم مالي قدر بحوالي(1.8 مليار دولار)، ثم جاءت محادثات جدة في شهري مايو ويونيو 2023م لوقف الحرب بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع، وتلتها اجتماعات دول الايقاد ما بين العامين 2023م و2024م، وتلتها مبادرات الاتحاد الافريقي لإطلاق عملية سياسية تشمل المدنيين، ثم تبعتها اجتماعات الأمم المتحدة للضغط لوقف الحرب ،
ثم جاء مؤتمر باريس في تاريخ 15 ابريل 2024م بهدف حشد دعم دولي للمساعدات الإنسانية للسودان وبلغت التعهدات الدولية فيه حوالي )2 مليار دولار( دون النجاح في التأثير على إيقاف الحرب، وعقد مؤتمر لندن في شهر إبريل 2025م بهدف استكمال مسار مؤتمر باريس وتم التعهد فيه بمبلغ) 800 مليون دولار( لدعم الجانب الإنساني والضغط لإيقاف الحرب ولكنه أيضا لم ينجح في ذلك، ثم جاء مؤتمر برلين الثاني في تاريخ 19 سبتمبر 2025م لدعم الحل السياسي عبر اشراك القوى المدنية السودانية ولكن عاب هذا المؤتمر عدم وجود توافق حول التمثيل السياسي السوداني للقوى المدنية.
بعد عدة أيام أي في تاريخ 15 ابريل 2026م سيعقد مؤتمر برلين الثالث وذلك في الذكرى الثالثة لاندلاع الحرب السودانية، ويأتي المؤتمر كمحاولة جديدة لإطلاق حوار سوداني – سوداني برعاية الأمم المتحدة و الاتحاد الإفريقي والايقاد والجامعة العربية، لكن منذ فترة تبدي الحكومة العسكرية في الخرطوم اعتراضها على المؤتمر بسبب استبعادها عن المشاركة الرسمية فيه و دعوة كيانات أخرى سودانية للمشاركة، وكذلك هنالك جدل فيمن يمثل السودان في هذا المؤتمر فيما أعلنت بعض القوى السياسية مقاطعتها مسبقا للمؤتمر بحجة ان المؤتمر يسعى لفرض تسوية سياسية خارجية،
يبقى انه رغم الوضع العالمي العصيب والحرب الامريكية الإيرانية، يأتي مؤتمر برلين الثالث في 15 ابريل 2026م ليبرز الاهتمام الدولي بالأزمة السودانية، ويظل الامل في ان يساهم المؤتمر في التوصل لحل سياسي وإيقاف الحرب السودانية، يبقى أن الأمر يحتاج لاصطحاب الدروس المستفادة من المؤتمرات والمبادرات السابقة التي عقدت بخصوص الحرب السودانية، فيبنى على ما نجح منها ويصحح بقدر الإمكان ما فشل منها بتفادي الأسباب المؤدية اليه، كما يجب إيجاد توافق لتمثيل موحد للسودانيين يضم القوى العسكرية والقوى المدنية، وإيجاد توازن مقبول بين مصالح الشعب السوداني و مختلف المصالح المتضاربة لدول الإقليم خاصة والمصالح الدولية عامة.
لعل أهم الأهداف سيكون هو التوصل لهدنة طويلة الأمد يتم خلالها تقديم المساعدات الإنسانية الضرورية لإنقاذ الحياة، وحشد دولي للمساعدات الإنسانية، وحماية المدنيين.
صحيح ان كل طرف عسكري يصر على انه سينتصر نصرا كاملا على الارض او أنه سيفرض على الأقل شروطه على الطرف الاخر لقبول التفاوض لكن على الميدان لا تظهر حتى الان قدرة أحد الطرفين على الحسم السريع للحرب، لكن غالبا ما ستقود الاحداث العالمية والحرب الامريكية الإيرانية الى ظهور أسباب أخرى قد تؤدي لتنازل الطرفين العسكرين او أحدهم على الأقل عن التعنت، ومن ذلك إيقاف وحظر الدعم المالي والمادي بالسلاح من الدول الخارجية للأطراف المتحاربة ، وقطع الطريق على الجهات المستفيدة من الحرب، بفرض حجر على تصدير او تهريب الذهب والصمغ العربي، ومتابعة تجار الحرب وموردي الأسلحة الدوليين والمحليين،
رغم الأمل ينبغي الاقرار بأن هذه المؤتمرات والمبادرات تذهب نحو معالجة الاعراض دون الجذور للازمة السودانية، فتركز على تقديم المساعدات الإنسانية قدر الإمكان، وتقديم التعهدات المالية والعينية بالمساهمة في إعادة الإعمار في السودان، غير أنها لا تملك خلفها قوة سياسية حقيقية وعسكرية فعالة لاقتراح او فرض آلية لوقف الحرب ، ومع ذلك يظل وجود مثل هذه المؤتمرات والمبادرات مهما للتذكير بالأزمة السودانية وإبقاءها حاضرة على الساحة الدولية ، وكذلك إبقاء باب الحوار مفتوحا بين كل الأطراف السودانية والإقليمية وإيجاد أرضيات مشتركة للتفاهم وبناء قدر من الثقة بين الاطراق المتصارعة.
رغم تحفظي على وجود حكومتين مدنيتين في الخرطوم ونيالا، ولكن يبقى التفاوض بين المدنيين أسهل نسبيا، وإن ظل القرار الفعلي وضمان سريان الاتفاقيات بيد من يحمل السلاح، مما يجعل تفاوض المدنيين وحدهم محدود التأثير و ليس له وزن حقيقي، ويظل التقدم الحقيقي مرتبطا بحدوث توازن عسكري على الأرض، واجتماع إرادة شعبية كبيرة ترفض الحرب وتطالب بالسلام ، مدعومة بضغط دولي وعالمي لإيقاف الحرب.
في هذا السياق، يظل انعقاد مؤتمر برلين الثالث مهما سياسيا ويحافظ على بقاء الأزمة السودانية ضمن دائرة الاهتمام الدولي، ويحمل الأمل في ان يدفع الأوضاع خطوة نحو السلام، من خلال إتاحة منصة لحوار سوداني متعدد الأطراف يمكن ان ينتج عنه الاتفاق على الحد الأدنى من الشروط اللازمة لإيجاد هدنة طويلة الأمد، قد تقود بدورها لحل سياسي شامل.




