في ذكرى هلاكه: لا تترحموا على مظفر النواب الذي لم يدن احتلال وطنه

في ذكرى هلاكه: لا تترحّموا على مظفر النواب الذي لم يُدن احتلال وطنه
د. علي القحيص
تمرّ هذه الأيام ذكرى وفاة الشاعر مظفر النواب، (١يناير 1932 بغداد _ 20 مايو 2022 الشارقة)، الذي خدع الشعوب العربية ومحبّيه من متذوقي الشعر، وأنا واحد منهم للأسف الشديد!
كنّا -ونحن طلاب صغار- نستمع إلى أشعاره الثورية، ومتاجرته بقضية فلسطين نظنّ أنّه صادق في ما يقول، وحدّة تمرّده على الأنظمة العربية بأشعاره، حتى قصائده الوجدانية نردّدها، ولا نختلف في أنّه شاعر متمكّن خصوصًا في الأدب الشعبي العراقي الذي غناه المطربون الكبار.
لكن الطامعة الكبرى والصدمة الأكبر، كنّا نتوقّع أنّه يزلزل الدنيا شعرًا، ويقلب الأرض تحت أقدام الغزاة قبل أن تدنّس وطنه، حين دخل المحتلّ الغاشم بغداد العروبة والسلام والشعر والأدب والفنّ، وسرق المحتلّ تاريخها وآثارها ومتاحفها ونفطها وبنوكها، وأجمل فتاة في بغداد من قبل الأمريكي (بريمر)!
كنّا نتوقّع منه أن يعرّيهم، ويفضحهم، ويؤجج الشارع العربي ضدّ المغول الجدد الغازي، من قبل شاعر (البارات) المخمور بقصائده الهجائية، وشتائمه السمجة البذيئة، ومفرداته القذرة التي شتم بها قادة الخليج وانظمتها، والدول العربية وقادتها، لكنّه صمت صمت القبور، وخرس، ووضع في فمه ماء، ولم ينبس ببنت شفة حيال الزلزال الكبير الذي هدم القيم والأخلاق والثوابت .
والأدهى من ذلك أنّه ذهب إلى بغداد بعد احتلالها واغتصابها عام 2003، والدماء لم تجف ، وانتخب أول حكومة عميلة تحت حراب الاحتلال ، وأنا بأمّ عيني رأيت إصبعه ( سبابته) السوداء، التي كان يشتم بها مكة والإسلام وقادة الخليج العربي، ويصفهم بأسوأ الكلمات النابية وأشنعها ، سبابته سوداء ملطخة بالحبر الأسود ، ببصمة الانتخابات لحكومة عميلة وخائنة نصبها المحتلّ تحت رماح الغزو بعد تدمير بغداد ، وهذا ما حصل معي في مطعم (الكمال ) في الشام بالصدفة على مأدبة الغداء ، وكان معي ثلاثة أصدقاء دعيتهم للمطعم، وقد صعقت من ذلك المشهد المريب ،وهو يحتسي طبق ( شوربة فطر )، ولم أمسك نفسي، وفقدت أعصابي من هول المشهد الذي لم أتوقّعه من شاعر الثورة والبطولة.
وقفت فوق رأسه، وقلت: أنت مظفر النواب ، أومأ لي برأسه، قلت له:” إصبعك سودا، سوّد الله وجهك”.
لو أنت متوفّى قبل احتلال العراق لكانت النساء العربيات ارتدين عليك السواد حزنًا وأسى وحسرة.
لقد خذلتنا، وخدعتنا، وضحكت علينا طوال خمسة عقود من الزمن الماضي، بمواقفك السابقة الكاذبة، وأشعارك التي تطلب فيها ” أن نشعل مياه الخليج أمام الأساطيل الأمريكية”.
ثمّ تطلب من عشاق شعرك المزيف المخادع، أن يذهب الناس للحجّ بالسلاح في السنة القادمة، ليخلّصوا مكة من (……………. )؟!
والآن تعود إلى بغداد، ويكرمك أصحاب العمائم السوداء الذين أتوا على ظهر الدبابة الأمريكية بعد احتلال بغداد، في حفل تقبل أيادي(السيد)، وتشكره، وتثني عليه، وعلى بركاته وكراماته؟
وتدّعي التحرّر والعلمانية واليسارية والديموقراطية، والتمرّد على الأنظمة العربية وإسقاطها، وحين هرمت، وفقدت قدراتك، وتخلّى عنك جميع المهرّجين و(السكارى) الذين يصفّقون لك، لتحيي لياليهم الحمراء بالفنادق والشقق المفروشة، كأنّك مطرب فاشل، او مهرج حسب الطلب!
وحين أفلست، وشاب مفرقك، ومضيت في العمر عتيًّا، هيأ لك قادة الخليج كلّ الإمكانات لمعالجتك على حسابهم بأرقى المستشفيات تقديرًا لعمرك المهترئ، حتى هلكت، وذهبت إلى جهنّم، وبئس المصير، غير مأسوف عليك، أيها المخادع الكذاب المتلون الوصولي المتسلّق (الطائفي)! نعم أعترف أنّك كنت ممثلًا بارعًا، ومهرّجًا مبدعًا، ومخادعًا ذكيًّا في تضليلنا عن الحقيقة، وقد خدعتنا جميعًا، وكفرنا بكلّ مواقفك المشبوهة السابقة، وأشعارك المزيفة الماضية التي كشفتها كارثة بغداد، ومأساة وطنك الكبرى الذي لازال اسيرا لاتباع المحتلين، وتاريخك الطويل الذي نسفته بموقف هزيل ، وانتهى بقارورة خمر يمتصّها الإسفنج، ولا يسكر، كما تقول أنت، وكما تدّعي على حدّ تعبيراتك السخيفة التي كشفت معدنك لاحقًا وخاتمتك التي لم نشفع لك ابدا، مهما دافع عنك الذين لازالوا مخدوعين بمواقفك المشبوهة التي سقطت ، بسقوط بغداد ، ولكنها سقطت واقفة وانت سقطت بدون أي مقاومة ؟!!
كاتب سعودي



