مقالات كل العرب

ذاكرة تتوارى.. و ذات تتجلى

قراءة نقدية في فلسفة السيرة و امتداد التراث من خلال كتاب "سجلات الخافية" للأستاذ فيصل الأحمر

ذاكرة تتوارى …وذات تتجلى
قراءة نقدية في فلسفة السيرة وامتداد التراث
من خلال كتاب “سجلات الخافية” للاستاذ  فيصل الأحمر

أ. محمد عدنان بن مير

يعد كتاب ” سجلات الخافية” الأستاذ المقتدر فيصل الأحمر ، واحدة من أبرز نصوص السيرية الحديثة التي تنبع من عمق التجربة اليومية ، تشظي الذاكرة ، ومن الأنكسارات المبكرة للذات لتعيد تشكيل هوية جديدة عبر الكتابة لا عبر التسلسل الزمني.
الكتاب يخرج من النمط التقليدي للسيرة الذاتية ، ليتدخل فضاء فلسفي ، تداخل فيه الاسئلة الوجودية مع البنية الشذرية ، و يصبح فيه الاحتراق الجسدي لحظة تأسيسية تعيد الكاتب إلى ذاته عبر اثر الندبة بدلا من أثر الصورة ، ومن هنا تأتي أهمية الكتاب إذ لا يحكي الماضي بقدر ما يعيد مساءلة علاقة الإنسان به ، ولا يستعيد الذكريات بقدر ما يفضح هشاشتها ، تقف عند نقطة تلاقي الإرث العربي القديم والقلق المعاصر.

يبدأ الكتاب من معضلة الذاكرة ، او بالاحرى من انكسارها.فالكاتب الذي فقد ذكريات ما قبل الثامنة يجد نفسه أمام فراغ يملؤه الاضطراب والشك والبحث عن معنى.
وهذه الثغرة ليس مجرد حادثة شخصية بل تتحول الى سؤال فلسفي تدبري يتقاطع والفكر الوجودي: مالذي يبقى من الذات حين تتبخر في بدايتها ؟ ان غياب الذاكرة هنا لا ينظر إليه كعطب ، بل شرط وجود ، وكمنطق لإعادة تعريف الهوية على انها مشروع يصنع لا يكتشف.
فالانا في كتاب “سجلات الخافية” ليس معطى جاهز بل كيان يتشكل عبر النص من خلال لغته ، وعبر السرد الذي يعيد خياطة التمزقات وتتخذ حادثة الاحتراق الجسدي بعدا أنطولوجيا بارزا فهي ليست جرحاً في الجلد بل جرحاً في الوجود ذاته . بهذا يصبح الجسد مستودعاً للمعاني ودفترا للذاكرة الحسية وعلامة على أن ما ينسى من التاريخ ـ جرحاً مؤسسا يشبه محنة الحلاج ، و محنة ابا حيان التوحيدي ، او عاهة المعري ، او فجيعة الخنساء ، او مصيبة طرفة بن العبد ، وأبي القاسم الشابي.
فالصدمة هنا ليست نهاية ، بل بداية جديدة تعيد توجيه الذات نحو الكتابة باعتبارها ، فعل تفسير لما تبقى من العالم الآخر ، و ما بقي من الذات.
ولان الصور تتلاشى في ذاكرة الكاتب ، تنشا لغة الروائح كبديل عن لغة الرؤى فالرائحة رائحة الحرير الدهني و الخزامي ،والليمون ، تتحول من احساس عابر إلى اداة معرفية تمسك بما اقلت من الوعي.
إن الروائح في النص ليست عناصر حسية بل دلائل وجودية تشهد على ان الحواس قد تنقذ ما عجزت عنه الذاكرة.
وهنا يلتقي كتاب” سجلات الخافية” مع إرث الجاحظ ، الذي جعل من الحواس للمعرفة اساس ، ومع ابن الجوزي في تأملاته حول أثر الأشياء في النفس ، ولكنه يزيد عليها بلمسة فلسفية تجعل من الحواس بديلاً عن التاريخ.
وعن البناء اختار الكاتب الشكل الشذري المقطع ، القائم على ومضات ، و صور قصيرة ولقطات حسية ، لا تربط بينها الا خيوط باطنية و تذكرنا هذه الطريقة بكتابات الصوفية الذين ادركوا بان الحقيقة لا تقال دفعة واحدة هنا ايضاً يبرز التناص القرآني القائم على مبدأ ” لا تعجل” و مبدأ ” وقرءانا” اي التدرج في بسط الحقيقة و القول ، إذ المعرفة تاتي على هيئة إشارات فالشذرة هنا ليست نقصا ، بل اسلوب رؤية عميقة وحكمة بليغة.
فيدنو الأستاذ ” فيصل الأحمر” من النفري وابن عربي في طريقته التأملية ، ليصنع نصا يعتمد على التلميح وعلى المساحات الفارغة التي يتحرك فيها القارئ كما يتحرك الصوفي في رحلة الكشف.
ولا يكتفي النص ههنا بالسؤال عن الذاكرة ، بل يطرح سؤالا اخر حول العلاقة بين الحقيقة و التخيل ، فالسيرة كما تظهر في النص ليست تسجيلاً دقيقاً للواقع ، بل إعادة تركيب يقوم بها الخيال كي يمنح الذات صورة ممكنة عن ماضيها.
وهنا يظهر البعد الابستمولوجي للعمل ، هل نكتب الماضي كما وقع ، أم كما نفهمه ؟ إن الأستاذ: فيصل الأحمر يجيب من خلال اسلوبه العميق ، بأن الحقيقة ليست ما حدث ، بل ما يمكن السرد أن يمنحه من معنى.
فالنص يتحول الى مساحة يتجاوز فيها الحقيقي و المتخيل ، وتترتب فيها الهوية حسب ما تسمح به اللغة لا حسب ما تسمح به الذاكرة.
وتتعمق الإشكالية مع حضور الزمن بوصفه كياناً مكسورا ، فالطفولة لا تظهر كمرحلة زمنية عابرة بل كمصدر للتساؤلات و فضاء معتم بالملامح تعيد تشكيل الذاكرة والزمن هنا ليس خطياً ، بل هو زمن داخلي اقرب الى ما تحدث عنه “برغسون” زمن يعيشه الإنسان من الداخل ، حيث يتقدم الشعور عن التاريخ ، فالكاتب لا يستعيد ماضيه ، بل يصنع زمنا جديداً من خلال الكتابة ، يضىء به ما انطفأ ويعيد ترتيب ما تفتت وهنا نطرح إشكالية متنها هل للكتابة دور مركزي في صناعة الذاكرة وبناء الذات ؟
ومن هنا تتجلى مركزية كتاب ” سجلات الخافية” للأستاذ المقتدر فيصل الأحمر في المشهد الأدبي والفلسفي معا فهو يربط بين جذور الاعتراف العربي القديم من- اين سينا والغزالي وابن حزم ـ وبين اسئلة الادب العربي المعاصر حول الهوية والذاكرة وبين الجذور والامتدادات ، يبرز النص مساحة وسطى تجمع بين حكمة القدماء وقلق المحدثين ، بين التجربة الفردية والرؤية الكونية بين الجرح والكتابة وبين الاحتراق والانبثاق.
وإذ يعد كتاب ” سجلات الخافية” للأستاذ: فيصل الأحمر إضافة قيمة في خزانة الأدب الجزائري المعاصر لما حواه من تجريب عميق في كتابة السيرة الذاتية عبر منمنمات سردية تكسر القوالب التقليدية وتفكك الأنا إلى تعدد الأصوات تعكس ثراء التجربة الإنسانية ، والجزائرية خصوصاً ، وغنى المشهد الأدبي من خلال مزج التجربة الفردية بالسياق السياسي والاجتماعي مستحضرا تحولات المجتمع الجزائري من ذكريات الطفولة إلى الحراك الشعبي و تداعيات الجائحة ، حيث تنبض مشاهد هذا العمل الأدبي الراقي بجدارية من الشخصيات من شتى الطبقات تشمل الفنانين والكتاب و المناضلين ورجال أعمال فاسدين البسطاء من عامة الناس ، بهذا يقترب العمل الأدبي في سردياته من مجتمعه وبيئته محاورا إياها مما يصبغ النص بقوة تشكل مركزية السرد ، وتمثيل التوترات والتحولات التي يشهدها المجتمع الجزائري.
وقد استقطب العمل الادبي “سجلات الخافية” اهتمام الدراسات الأكاديمية التي تناولت بالتنقيب في بنيته وتجربته و دلالا

كاتب و باحث جزائري

 

تنويه: هذا المقال كان سينشر بالعدد الورقي رقم 92 للشهر الحالي ابريل، و حدث اشكال و تم نشره بإسم الكاتب العراقي أ. نصير الشيخ عن طريق الخطأ.

نعتذر للكاتب و الباحث الجزائري عن هذا الخطأ، و ننشره على الموقع الإلكتروني للمجلة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى