أمريكا تحارب إيران بأموال الخليج؟
3 ترليون دولار من دول الخليج لأمريكا، بين الشائعة.. و الحقد الذي يتخفى في ثوب السياسة

أمريكا تحارب إيران بأموال الخليج؟
3 ترليون دولار من دول الخليج لامريكا، بين الشائعة… والحقد الذي يتخفّى في ثوب السياسة
د. محمد بن أحمد المرواني
في كل مرحلة توتر تمر بها المنطقة، لا تظهر الصواريخ وحدها، بل تظهر معها أيضًا موجات من الكلام المنفعل، والروايات السهلة، والأحكام الجاهزة التي تجد طريقها إلى العقول المتعبة أسرع مما تجد الحقيقة طريقها إلى الفهم.
ومع تصاعد الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، عادت إلى التداول بقوة تلك العبارة التي يرددها كثيرون وكأنها حقيقة نهائية لا تقبل النقاش: أمريكا تصنع هذا بأموال الخليج.
هذه الجملة، على قصرها، تختزن قدرًا هائلًا من التضليل، وتكشف في الوقت نفسه عن شيء أعمق من مجرد سوء فهم اقتصادي أو قراءة سياسية خاطئة. فهي لا تعبّر فقط عن جهل بحقيقة ما جرى، بل تعبّر أحيانًا عن حالة نفسية مشحونة، وعن رغبة دفينة في إدانة الخليج بأي ثمن، وتحويله إلى متهم دائم في كل أزمة، ولو كان الاتهام مبنيًا على الوهم.
و كما اسلفت فقد انتشرت في بعض الأوساط العربية، خصوصًا في عدد من بلدان المغرب العربي ومصر، و لبنان و اماكن اخرى رواية تقول إن دول الخليج دفعت للولايات المتحدة ما يزيد على ثلاثة تريليونات دولار، وإن هذه الأموال تُستخدم في الحرب على إيران. وتلقف كثيرون هذا الكلام بشغف، لا لأنهم تحققوا منه، ولا لأنهم قرأوا تفاصيله، بل لأنه وافق هوى في نفوسهم، وأشبع حاجة نفسية قديمة إلى تفسير تعثرهم الداخلي عبر تحميل الآخر مسؤولية ما هم فيه.
وهنا لا بد من قول الحقيقة بوضوح:
ثلاثة تريليونات لم تُدفع، ولم تُمنح، ولم تُوهب، ولم تُسلّم لأمريكا كما يتخيل أصحاب هذا الخطاب الساذج أو المغرض.
وما جرى في الحقيقة ليس أكثر من حزمة واسعة من الاتفاقيات الاقتصادية والاستثمارية والعقود الممتدة على سنوات طويلة، يتداخل فيها ما هو ملزم فعلًا بما هو مجرد إعلان نوايا أو مذكرة تفاهم أو إطار تعاون مستقبلي.
لكن المشكلة أن البعض لا يريد أن يفهم الفرق بين الاستثمار والهبة، ولا بين العقد التجاري والشيك السياسي، ولا بين تنويع الاقتصاد وتمويل الحروب.
إنه يريد فقط عبارة غاضبة، ورقمًا ضخمًا، وعدوًا جاهزًا.
والحقيقة أن العقود الفعلية التي تم توقيعها كانت في مجالات معروفة وواضحة: طيران، دفاع، طاقة، تكنولوجيا، واستثمارات طويلة المدى. فعندما تشتري شركة طيران خليجية طائرات من بوينغ، فهذه ليست صدقة لأمريكا، بل صفقة تجارية تشمل التصنيع والتسليم والخدمات والصيانة على مدى سنوات. وعندما تُبرم دولة خليجية برنامجًا دفاعيًا طويل الأمد، فهي لا ترسل المال على هيئة هدية، بل تبني قدراتها العسكرية و الدفاعية ضمن برامج تدريب وتسليح ونقل معرفة جزئي وصيانة وتحديث. وعندما تدخل شركات خليجية في مشاريع طاقة مشتركة لانتاج المواد البتروكيميائية او تسيل الغاز، فهي لا تموّل حربًا، بل تستثمر في أصول ومشاريع ومنشآت وعوائد.
فمن أين جاءت إذن هذه الصورة المشوهة؟
جاءت من الجمع المتعمد بين أرقام متفرقة، بعضها يخص عشر سنوات، وبعضها عشرين سنة، وبعضها لا يزال في طور المذكرات غير الملزمة، ثم تقديم هذا الخليط كله للرأي العام العربي على أنه مبلغ نقدي دُفع دفعة واحدة، وكأن زعيمًا خليجيًا فتح خزائن بلاده وناولها للرئيس الأمريكي في حقيبة واحدة.
أي عقل اقتصادي يمكن أن يقبل هذا؟
وأي قراءة سياسية تحترم نفسها يمكن أن تتعامل مع هذه الرواية باعتبارها حقيقة؟
إن ما يسمى بالأرقام الضخمة، من قبيل ستمائة مليار أو تريليون أو أكثر، لا يمثل في معظمه أموالًا محولة، بل يشمل مذكرات تفاهم، وخطط تعاون مستقبلية، وإعلانات استثمارية، ومشروعات تمتد على مدد زمنية طويلة قد تصل إلى عشر سنوات أو خمس وعشرين سنة. وهذا الفارق هو جوهر المسألة، لأن تجاهله ليس مجرد خطأ عابر، بل هو قلب متعمد للحقائق.
ثم إن السؤال الأهم الذي يتجاهله مروجو هذه الرواية هو: أين تذهب هذه الأموال أصلًا؟
هل تذهب فعلًا إلى خزينة البيت الأبيض؟
هل تتحول إلى رصيد حر تستخدمه واشنطن كيف تشاء؟
الجواب: لا.
جزء كبير من هذه الأموال يُضخ داخل دول الخليج نفسها، في صورة مصانع، وبنية تحتية، ومراكز بيانات، ومشروعات طاقة، وتقنيات متقدمة، وبرامج ذكاء اصطناعي، وتطوير للقدرات المحلية. والجزء الآخر يذهب إلى استثمارات خارجية تحقق عوائد مستمرة، وتمنح هذه الدول حضورًا ماليًا واستراتيجيًا في الاقتصاد العالمي. أما الجزء المتعلق بالشراكات التقنية والمعرفية، فهو استثمار في نقل الخبرة وبناء الكفاءات، وليس تمويلًا مجانيًا لأحد.
بمعنى أوضح:
الدول الخليجية لا تدفع لتفقر، بل تستثمر لتربح، وتتحالف لتتقدم، وتبني لتؤمن مستقبلها.
وهذا ما تفعله كل الدول العاقلة التي تفكر في ما بعد النفط، وفي ما بعد الاقتصاد الريعي، وفي عالم لم يعد يحترم إلا من يملك المال والخبرة والتكنولوجيا في آن واحد.
أما الذين يصورون هذه العلاقات على أنها تبعية مطلقة أو شراء للحماية أو تمويل للحروب، فهم في الغالب أسرى لذهنية قديمة، لا تفهم كيف يعمل الاقتصاد الحديث، ولا كيف تتحرك الصناديق السيادية، ولا كيف تُبنى المصالح الدولية. إنهم يتعاملون مع السياسة الدولية بعقلية المقاهي، لا بعقلية الدول.
والأخطر من الجهل هنا هو الحقد.
نعم، الحقد.
لأن جزءًا من هذا الخطاب ليس ناتجًا عن سوء فهم بريء، بل عن رغبة دفينة في تشويه الخليج، وتحويل نجاحه الاقتصادي إلى تهمة، واستقراره إلى جريمة، وقدرته على بناء الشراكات إلى خيانة.
وهذا الحقد لا يعبّر عن قوة تحليل، بل عن عجز.
ولا يعبّر عن وعي سياسي، بل عن مرارة تبحث لها عن خصم.
ولا يعبّر عن تضامن مع إيران بقدر ما يعبّر عن ضيق من كل نموذج عربي استطاع أن يحقق شيئًا من الثروة أو التأثير أو الحضور.
ولهذا فإننا حين نناقش هذه الشائعة، لا نناقش مجرد رقم خاطئ، بل نناقش عقلية كاملة: عقلية ترتاح إلى الأكذوبة إذا كانت تخدم غضبها، وتكره الحقيقة إذا نزعت منها لذة الاتهام.
تلك العقلية التي لا تريد أن تسمع أن الدول لا تمنح أموالها هكذا، ولا تريد أن تعرف أن عقود الطيران غير صفقات الدفاع، وأن الاستثمارات غير الهبات، وأن مذكرات التفاهم ليست تحويلات بنكية جاهزة.
هي فقط تريد جملة تصلح للمنشورات الغاضبة، وتغذي الانفعال، وتمنح صاحبها شعورًا زائفًا بأنه فهم ما يجري.
والخلاصة أن ما حدث لم يكن تمويلًا لأمريكا كي تحارب إيران، ولم يكن تسليمًا لثروات الخليج لأحد، بل كان مزيجًا من العقود التجارية، والاستثمارات بعيدة المدى، ومشروعات التعاون الاقتصادي والتقني، ضمن رؤية تسعى من خلالها دول الخليج إلى تعزيز مصالحها، وتأمين مستقبلها، وتوسيع حضورها في الاقتصاد العالمي.
أما حكاية أن ترامب أو غيره “أخذ ثلاثة تريليونات” ليضرب بها إيران، فهي ليست قراءة سياسية، ولا تفسيرًا اقتصاديًا، ولا حتى خطأ في الفهم فحسب، بل هي رواية شعبوية رخيصة، جذابة عند الغاضبين، ومحببة عند الحاقدين، لكنها تبقى، في نهاية الأمر، كذبة كبيرة صيغت بلغة سهلة لابتلاع العقول المتعبة من واقعها المأساوي الذي تسبب به حكومات بلاده المتعاقبة.




