في رحاب اللغة العربية: حوار حول “شجون الآلة و هواجس المبدع”

في رحاب اللغة العربية: حوارٌ حول “شجون الآلة وهواجس المبدع”

أ.شاكر نوري
بالأمس، حظيتُ بلقاءٍ مفعمٍ بالثراء الفكري مع الدكتور علي بن تميم، رئيس مركز أبوظبي للغة العربية؛ حيث طاف بنا الحديث في فضاءات العلاقة الجدلية بين “ذات المبدع” و”ذكاء الآلة”. كانت دردشةً تفيضُ بالبصيرة، فتشنا فيها عن موقع “الإنسان” في معادلة الذكاء الاصطناعي، سواء كان هذا الإنسان روائياً يغزلُ من خياله عوالمَ من سحر، أم باحثاً ينبشُ في بطون التاريخ عن الحقيقة.
لقد كان حواراً لم يقف عند حدود التقنية، بل غاص في فلسفة الإبداع؛ كيف يمكن للذكاء الاصطناعي أن يكون “خادماً مطيعاً” يختصرُ المسافات، دون أن يتحول إلى “سيدٍ متسلط” يسلب المبدع خصوصية صوته، أو يحوّل الباحث إلى مجرد صدىً لبرمجياتٍ لا تملك قلباً ولا بصيرة. اتفقنا على أن الموهبة ستظل هي القائد، وأن الآلة مهما بلغت من الذكاء، ستبقى عاجزة عن إدراك “رعشة الكلمة” أو “ألم التجربة” الذي يصنع الفرق بين نصٍ يُقرأ، ونصٍ يسكنُ الوجدان، فما بالكم إن اجتمعت الموهبة بفهم التقاليد، تقاليد الإبداع وتطورها !

تتجاوز رؤية مركز أبوظبي للغة العربية المفهوم التقليدي للغة كأداة تواصل، لتعتبرها “مستودعا حيا للقيم والأخلاق” تُصاغ فيه الهوية الحضارية في ظل التحولات الرقمية المتسارعة التي يشهدها عصرنا الحالي. ومن خلال برنامج “المنح البحثية”، يعمل المركز كجسر معرفي يربط بين التراث العربي العريق ومقتضيات التحديث، مستخدماً أدوات البحث العلمي المعاصر لاستنطاق الماضي وصياغة مستقبل لغوي يتسم بالرصانة والابتكار والتحديث.
تتوزع المنح البحثية على ستة محاور استراتيجية تشكل “عصب الحياة” للعربية، حيث تدمج بين ثلاثة مسارات أساسية: المسار التراثي والجمالي الذي يُعنى بتحقيق المخطوطات وتعميق النقد الأدبي؛ المسار التعليمي الذي يستهدف نشر اللغة عالمياً وتطوير مناهجها؛ والمسار المعجمي الرقمي الذي يعد الأهم لمواكبة الثورة التقنية، حين يسعى لدمج الذكاء الاصطناعي في بنية اللغة لتصبح العربية لغة علمية فاعلة في الفضاء السيبراني.
وهنا أتساءل: هل الذكاء الاصطناعي: مِعولُ هدمٍ أم ريشةُ إبداع؟
في الراهن من زمننا، لم يعد في مقدور أي باحثٍ حصيف أن ينكر سطوة الذكاء الاصطناعي أو يوصد الأبواب في وجهه، بيد أنَّ مكمن الخطر ومثار اللغط لا يكمن في التقنية ذاتها، بل في عثراتِ استخدامها ومنزلقاتِ الركون إليها. إننا مدعوون للتعامل مع هذه الأداة بوصفها “مساعدا بحثياً” يعاوننا على المسير، ولا يحلُّ محلَّ عقولنا؛ فهي في جوهرها لا تختلف عن سحر الإنترنت، أو براعة اللغات الأخرى، أو كنوز المكتبات الرقمية.

قال لي د. علي بن تميم:
لذا، يتراءى الذكاء الاصطناعي كوجهي عُملةٍ واحدة؛ أحدهما يفيض بالإيجاب والآخر يكتنفه السلب. فالاعتماد الكلي عليه هو اغتيالٌ معنوي لدور الباحث المبتكر، واستلابٌ لرصانته العلمية، ليتحول من “مفكرٍ حصيف” إلى “ببغاءٍ آلي” يردد ما لا يعي. ولعلَّ في ظهور التطبيقات القادرة على فكِّ شفرات الكتابة الآلية وتحليلها ما يؤكد ضرورة الحفاظ على “البصمة الإنسانية” التي لا تُستنسخ.
وتتجلى أسمى فوائد هذه التقنية في توفير الوقت على المبدع؛ إذ تمنحه أجنحةً من ليوجز الزمن ويزيد الإنتاج، ولاسيما أولئك الذين ينقبون في ركام التاريخ لصياغة رواياتهم. فتقليب أسفار الماضي يستنزف من العمر آماداً طويلة، وفي تجربتي الشخصية مع روايتي الأخيرة “الطاعون.. يا بغداد”، تبرز المفارقة الجلية؛ فقد استغرق مني البحث والكتابة خمس سنوات، تلتها سنة للمراجعة وأخرى للبحث عن ناشر.
لقد استغرقت خمسة أعوام في تتبع خيوط “عام الطاعون” (1831م) بين بطون الكتب والمراجع، بينما كان بإمكان الذكاء الاصطناعي، لو سُخِّر كأداة بحثية، أن يختصر تلك الرحلة الشاقة إلى ستة أشهرٍ من الجهد المركز.
هذا هو الفارق الذي يصنعه “المساعد الذكي”: إنه لا يكتب الرواية نيابةً عنك، بل يمهد لك الطريق لتتفرغ أنتَ في البحث عن الخصوصية الإبداعية والجمالية.
ثم استسرل الحديث بيننا عن جلال المعرفة وآلية الذكاء وضرورة تجسيد الهوية الأكاديمية. وسرعان ما تحولت الدردشة إلى حوار استقصائيّ قاد إلى توافقٍ علميٍّ راسخ لدى نخبة الباحثين والمفكرين. فما قيمة تلك الألقاب الأكاديمية والشهادات العليا التي سهرنا لنيلها، وبذلنا في سبيلها زهرة العمر، إذا كان الذكاء الاصطناعي هو مَن يمسك بزمام القلم ويكتب بدلاً عنا؟!
إنَّ الركون إلى الآلة في صياغة الفكر ليس مجرد استسهال، بل هو تقويضٌ لمعنى “الاستحقاق” العلمي. فلو استبدلنا نبض الباحث بجمود الخوارزميات، لغدت أطروحاتنا صدىً بلا صوت، وجسداً بلا روح. إن الفائدة الجوهرية للبحث العلمي تكمن في تلك التأملات والبحث والتأويل التي تصقل شخصية الباحث وتمنحه صوته المتفرد، وهي ميزةٌ لا تمنحها البرمجيات مهما بلغت من الذكاء، وإلا لتحولت قاعات العلم إلى مستودعاتٍ للبيانات، وتحول العلماء إلى مجرد “مشغلين” لآلاتٍ لا تملك من المعرفة إلا القشور.
وفي العودة، ينتقل مركز أبوظبي للغة العربية بوظيفة البحث العلمي من حيز “التوثيق” إلى مرحلة “توطين العلم”، حيث تصبح اللغة العربية أداة لإنتاج المعرفة وصياغة المفاهيم العلمية بلسان عربي مبين، بدلاً من أن تظل مجرد وعاء لاستقبال منجزات الآخرين. هذا التوجه يسهم في صناعة السياسات الوطنية التي تحمي اللغة في ظل العولمة، ويحول الأفكار النظرية إلى قيمة مضافة تعزز الاقتصاد المعرفي.
لقد نجح برنامج المنح البحثية في تكريس مفهوم “الدبلوماسية الثقافية” عبر استقطاب باحثين من أكثر من ثلاثين دولة، مما خلق فضاءً معرفياً عابراً للحدود يجمع العقول العربية والعالمية على منصة واحدة.
إن الصرامة الأكاديمية في اختيار البحوث تهدف إلى رفع سقف الجودة النوعية، مما يضمن رفد المكتبة العربية بمرجعيات موثوقة تساهم في صياغة “عقد اجتماعي معرفي” يربط الأجيال القادمة بجذورها ولغتها. لذلك تُعّد هذه المنح استثماراً طويل الأمد في المستقبل العربي، وهي رسالة تؤكد قدرة اللغة العربية على استعادة دورها كأفق رحب للإبداع الإنساني تحت رعاية المؤسسات الرصينة. إن الطريق نحو السيادة المعرفية في القرن الحادي والعشرين يمر حتماً عبر بوابة البحث العلمي الذي يجعل من العربية كائناً حياً، متطوراً، وقادراً على قيادة الركب الحضاري العالمي.
عند إسقاط هذه الرؤية الاستراتيجية على اللغة العربية، يتحول البحث العلمي من مجرد دراسة لغوية إلى “مشروع سيادة ثقافية” ، فاللغة ليست أوعية للمفردات، بل هي نظام التشغيل الذي تعمل به عقول الأمة.
إن البحث العلمي في مجال اللغة العربية هو الذي ينقذها من أن تصبح “لغة متحفية” ويحولها إلى لغة حيّة تقود الاقتصاد المعرفي. فالاستثمار في اللسانيات الحاسوبية ومعالجة اللغات الطبيعية (NLP) ـــ في سياق الذكاء الاصطناعي الذي كنا نتحدث عنه، فإن NLP هي اختصار لـ Natural Language Processing، وتُرجمتها بالعربية: “معالجة اللغات الطبيعية”. ــــ هو فرع مشترك بين الذكاء الاصطناعي واللسانيات، يهدف إلى جعل الحاسوب قادراً على فهم، وتفسير، وتوليد اللغة البشرية (سواء كانت مكتوبة أو منطوقة) بطريقة تشبه البشر ـــ هو الذي يضمن للعربية مكاناً في منصات الذكاء الاصطناعي، وبدونه ستظل لغتنا غائبة عن “المختبر السيادي” الذي يُشكل وعي الأجيال القادمة. ولشرح أبعد لهذا المصطلح أو التعريف الجوهري له، فإن معالجة اللغات الطبيعية هو العصب الحساس في جسد الذكاء الاصطناعي؛ فهي الجسر التقني الذي يربط بين لغة الأرقام الصماء التي تقتات عليها الحواسيب، وبين لغة الحروف والأحاسيس التي ينطق بها البشر. من خلالها، تكتسب الآلة قدرة فائقة على فهم النصوص وتفسير مراميها، بل وتوليد جمل تحاكي في سلاستها المنطق البشري، سواء كانت مكتوبة أو منطوقة.
ومن وجهة نظر الأديب والباحث، تعمل هذه التقنية كمجهر ذكي يغوص في أعماق النصوص. فعند التنقيب في رواية تاريخية مثل “الطاعون.. يا بغداد”، تتولى خوارزميات الـ NLP مهمة “التحليل البنيوي” لتفكيك القواعد النحوية، ثم تنتقل إلى “استخراج المعنى” عبر السياق، فتدرك بذكاء أن كلمة “طاعون” ليست مجرد لفظ عابر، بل هي بؤرة وباء تاريخي في عام 1831. كما تلعب دور “المؤرشف السريع” الذي يقرأ مئات المخطوطات والكتب ليقدم لك زبدة القول وتلخيص الأفكار في نقاط مركزة توفر عليك عناء السنين.
أما اللغط الذي يحيط بها اليوم، فيعود إلى القفزة الهائلة التي حققتها “النماذج اللغوية الكبيرة”. فقد باتت هذه الأنظمة قادرة على محاكاة الأساليب الأدبية المتميزة، مما أثار حفيظة المبدعين والباحثين، وتجسد ذلك في تخوفك وتأييد د. علي بن تميم؛ فالخوف ليس من التقنية بحد ذاتها، بل من أن تتحول من “أداة طيّعة” في يد الباحث إلى “كاتب بديل” يمحو البصمة الإنسانية والجهد الأكاديمي الرصين.
ومن الجدير بالذكر أن هذا المصطلح قد يتداخل مع مجالات أخرى؛ ففي علم النفس والتنمية البشرية، يشير اختصار NLP إلى “البرمجة اللغوية العصبية” (Neuro-Linguistic Programming). ومع ذلك، يظل المقصود حصراً هو “المعالجة الحاسوبية للغات” في فضاء الذكاء الاصطناعي والحوارات التقنية الحديثة،، تلك المعالجة التي تمنح الآلة أذناً صاغية وعقلاً قادراً على قراءة لغتنا.
مثلما يبحث العلماء في السجلات المناخية لتجنب الكوارث، فإن البحث في علم الاجتماع اللغوي يمثل “هندسة الجاهزية” ضد مخاطر الانصهار الثقافي وفقدان الهوية.

إن وضع منهجيات استباقية لتطوير تعليم العربية للناطقين بها وبغيرها، وتحديث المعاجم لتستوعب المصطلحات التقنية الحديثة، هو “خط الدفاع الأول” الذي يحمي الهوية الوطنية من الذوبان في ظل العولمة الرقمية.
لا تكتمل نهضة الأمة إلا عندما تتحول من مستهلك للعلوم بلغات أخرى إلى منتج للمعرفة بلسانها.
وهكذا فالبحث العلمي هو ما يصنع الفارق؛ فالدول التي تقود الركب هي التي تبحث وتبتكر بلغتها الأم، مما يحول العربية من “وعاء” للمصطلحات إلى “صانع” للمفاهيم عبر المنح البحثية التي يزخر بها مركز أبو ظبي للغة العربية.
وأخيرا فإن البحث العلمي الأصيل في اللغة العربية هو القوة الكامنة التي تحول “النصوص الجامدة” إلى “حلول ذكية”، ورهاننا الرابح لترسيخ مجتمع معرفي عربي لا يكتفي بمتابعة الحضارة، بل يساهم في كتابة فصولها.
يؤكد د. علي بن تميم: إنَّ الغاية الأسمى والروح الكامنة في صلب البحث العلمي الرصين، تتجلى في قدرة الباحث على تجاوز دور “الوِعاء” الذي يكتفي بحشد المصطلحات وتكديس الألفاظ، ليرتقي إلى منزلة “الصانع” الذي يجترحُ المفاهيم ويبتكر الرؤى.
ثم اختتم د. علي تميم قوله:
البحث الحقيقي ليس عملية تجميعٍ وحشد لما قاله الآخرون، بل هو خلاصة ورؤية فكرية تحوّل المعلومات هذه إلى حقائقَ ومعارفَ جديدة وتحليلات أصيلة ومتجددة؛ فالباحث الذي يكتفي بوعاء المصطلحات يظلُّ أسيراً للقوالب الجاهزة،
وبذلك فإن الباحث الحق والمبدع الأصيل هما مَن يمنحُ العلمَ والأدب بوصلة جديدة ويفتحُ في جدار المعرفةِ كوةً من نور: تسمى عبقرية الابتكار وعظمة الاختراع.




