مقالات كل العرب

لجان غزة: عندما تعجز عن إصلاح لمبة، كيف تصلح وطن؟

لجان غزة : عندما تعجز عن إصلاح لمبة ، كيف تصلح وطن؟

أ. نسيم قبها

يبدو المشهد السياسي في غزة اليوم كمختبر فوضوي لتجارب الحكم الدولي، حيث تتنازع “الكفتة السياسية” – إن جاز التعبير – عشرات البهارات الدولية والإقليمية والمحلية، دون أن تلتقط نكهة الحرية أو السيادة. فغزة، التي خرجت من تحت رماد الحروب لتجد نفسها تحت ركام من المصطلحات والمؤسسات الوصائية، تعيش حالة من “الديمقراطية الوصائية” التي تسلب الإرادة الشعبية تحت شعارات الإدارة والاستقرار.

في تعددية المؤسسات الوافدة على غزة ، هناك فوضى الهوية السياسية ، والتي تعني أن غزة لم تعد مجرد جغرافيا تحت الاحتلال، بل أصبحت ساحة اختبار لنماذج حكم هجينة: “مجلس السلام” الذي لا يأتي بالسلام، “قوات الاستقرار الدولي” التي تخلق مزيداً من اللاتوازن، “الممثل السامي” الذي لا يمثل أحداً سوى أجندات خارجية، “المجلس التنفيذي” الذي ينفذ ولا يقرر، و”اللجنة الوطنية لإدارة غزة” التي تدير الأزمة أكثر مما تدير السلطة. إنها “بازار سياسي” تتنافس فيه العناوين على شرعيتها من خلال التفويضات الدولية، لا من خلال الإرادة الشعبية.

هذه “الديمقراطية التوكيلية” تشبه مسرحية عبثية حيث يلعب الجميع أدواراً كتبها آخرون، بينما الجمهور – الشعب الفلسطيني – ينتظر أن يُسمح له بمجرد التصفيق أو الصمت. فـ “مجلس السلام” يُذكرنا بنكتة السياسيين الذين يجتمعون ليقرروا أنهم بحاجة للمزيد من الاجتماعات، بينما الواقع يُدمر خارج قاعات الفندق الفاخرة.

فلسفة الوصاية: الهيجلية المقلوبة

يمكن فهم هذه الحالة من خلال عدسة فلسفية: فبينما رأى هيجل أن الدولة هي تجسيد للعقل والحرية، نرى في غزة “الدولة الوصائية” التي تجسد العقل الخارجي والإرادة المستعارة. لقد تحولت السيادة من مفهوم سياسي مقدس إلى سلعة في سوق التفاوض الدولي، حيث تُشترى وتُباع في أروقة الأمم المتحدة المصيطر عليها من عواصم المانحين ، والتي مآلها النهائي لصاحب الفروة الصفراء.

الطريف – بل المأساوي – أن كل هذه المؤسسات تعمل تحت شعار “عدم ترك فراغ سياسي”، لكنها في الواقع تخلق فراغاً وجودياً لإرادة الشعب الفلسطيني. إنها “استعارة بدون مشبه به” – هياكل بدون جوهر، مؤسسات بدون سلطة حقيقية، وديمقراطية بدون ديموس.

ثمة نكتة سياسية متداولة في الأوساط الفلسطينية: “إذا اجتمعت كل لجان غزة في مكان واحد، لن تستطيع أن تغير لمبة مكسورة، لأن كل لجنة ستشكل لجنة فرعية لدراسة وضعية اللمبة، وسيتطلب الأمر موافقة الممثل السامي، وتوصية من مجلس السلام، وحماية من قوات الاستقرار”. هذه النكتة تلخص المأساة: التعددية التي يفترض أنها مصدر قوة أصبحت آلية للشلل المُؤسسي.

يافطة الطموحات المُغتالة

الأكثر إيلاماً أن هذه الوصاية المُتعددة الأطراف لم تأتِ لتحقق طموحات الشعب الفلسطيني، بل لتدير أزمته بشكل دائم. لقد تحولت “إدارة غزة” من مهمة تحريرية إلى مهنة دولية، حيث يصبح “الوضع الراهن” هو الهدف النهائي، و”عدم التدهور” هو الإنجاز الأقصى.

السيادة المُجزأة هذه تذكرنا بـ “سيزيف الدولي” الذي يحمل صخرة الاستقرار إلى قمة جبل السيادة، فقط لتعود للتدحرج مع كل نزاع أو انتخابات أو أزمة مالية. لكن الفارق أن سيزيف الأسطورة كان يعاقب على ذنب، بينما الشعب الفلسطيني يُعاقب على وجوده.

أعتقد أنه لا حل لهذا المأزق إلا بكسر حلقة الوصاية الدولية عبر مشروع سياسي جامع، يعيد تعريف السيادة ليس كمنحة من المجتمع الدولي، بل كحق غير قابل للتصرف. يجب تحويل “الكفتة السياسية” من خليط عشوائي من البهارات الخارجية إلى طبق وطني تتذوقه الذائقة الفلسطينية أولاً.

فالحرية لا تُمنح عبر لجان، ولا تُصنع في مؤتمرات. هي تُنتزع بإرادة شعب يرفض أن يكون مجرد موضوع للحوكمة الدولية، ويصر على أن يكون فاعلاً في تاريخه. ربما حان الوقت لأن تعلن غزة – بكل مؤسساتها الوهمية والحقيقية – أن أفضل “لجنة لإدارة غزة” هي شعبها، وأن أفضل “ممثل سامٍ” هو إرادتها الحرة.

فكما قال أحد المفكرين: “السيادة ليست في من يملك القوة، بل في من يملك الحق في أن يقول: كفى”. وغزة تنتظر لحظة قول الكفى هذه، عندما تتحول من ساحة تجارب دولية إلى فاعل سياسي حر.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى