بين الفرس و الصهاينة البديل لا يكون الا عربيا
نحو مشروع قومي عربي بديلا للمشاريع الأجنبية.. !!

بين الفرس و الصهاينة البديل لا يكون الا عربيا..
نحو مشروع قومي عربي بديلا للمشاريع الأجنبية …!!
أ. بلقاسم صوالحية
تعيش المنطقة العربية اليوم لحظة تاريخية شديدة الخطورة، في ظل الحرب الدائرة في الشرق الأوسط بين الكيان الصهيوني المدعوم من الولايات المتحدة من جهة، وإيران من جهة أخرى. هذه المواجهة التي تتخذ أشكالًا متعددة، عسكرية وأمنية وسياسية، لا تجري في فراغ جغرافي، بل في قلب المجال العربي، وعلى أرضه أو في فضائه الاستراتيجي. ولذلك فإن الأمة العربية تبدو في كثير من الأحيان وكأنها ساحة للصراع لا طرفًا فاعلًا فيه، وهو ما يعكس عمق الأزمة التي تمر بها.
لقد نجح المشروع الصهيوني، منذ قيامه، في ترسيخ نفسه كقوة عسكرية متفوقة في المنطقة، مستندًا إلى دعم غربي واسع وإلى اختلال ميزان القوى العربي نتيجة الانقسامات والصراعات الداخلية. واليوم يسعى هذا المشروع إلى تثبيت تفوقه الاستراتيجي وتوسيع مجاله الحيوي عبر فرض معادلات أمنية وسياسية جديدة في الشرق الأوسط، تجعل من التفوق الصهيوني قاعدة دائمة للنظام الإقليمي.
في المقابل، تعمل إيران على تقديم نفسها كقوة إقليمية قادرة على مواجهة هذا التفوق، لكنها في الواقع تبني مشروع نفوذ خاص بها يعتمد على التمدد في المجال العربي عبر أدوات سياسية وعسكرية وطائفية. وقد أدى هذا التمدد إلى حضور إيراني مباشر أو غير مباشر في عدد من الساحات العربية، الأمر الذي حول بعض هذه الساحات إلى ميادين صراع مفتوحة بين القوى الإقليمية والدولية.
غير أن المأساة الحقيقية لا تكمن فقط في وجود هذين المشروعين المتصارعين، بل في حالة الانقسام العميق داخل الصف العربي، وخاصة بين النخب السياسية والفكرية. فبدل أن تتشكل رؤية عربية مستقلة قادرة على حماية المصالح القومية للأمة، انقسمت هذه النخب بين من يرى في المشروع الإيراني حليفًا في مواجهة الكيان الصهيوني، وبين من يرى في التحالف مع القوى الغربية الضامن الوحيد لمواجهة التمدد الإيراني.
هذا الانقسام لا يعكس مجرد اختلاف في التقدير السياسي، بل يعبر عن حالة من الاختراق العميق للوعي العربي من قبل القوى المتصارعة. فكل مشروع من هذه المشاريع يسعى إلى إيجاد وكلائه وحلفائه داخل المجتمعات العربية، سواء عبر النفوذ السياسي أو الإعلامي أو الاقتصادي، مما يؤدي إلى تشويه البوصلة القومية وتحويل الصراع إلى صراع داخلي بين العرب أنفسهم.
ومن هنا تبدو الحاجة إلى إعادة الاعتبار للرؤية القومية العربية التي ترى أن القضية الأساسية ليست الاختيار بين مشروع صهيوني أو مشروع إيراني، بل في بناء مشروع عربي مستقل قادر على حماية السيادة العربية وصيانة وحدة الأمة.
إن الفكر القومي العربي، كما تبلور في التجارب السياسية والفكرية خلال القرن الماضي، ينطلق من حقيقة تاريخية واضحة: أن الأمة العربية تمتلك من المقومات ما يؤهلها لتكون قوة فاعلة في التاريخ، لكنها تفقد هذه القدرة عندما تنقسم وتتجزأ وتتحول إلى ساحات نفوذ للقوى الخارجية.
فالوطن العربي يمتد على مساحة جغرافية استراتيجية تربط بين أهم طرق التجارة العالمية، ويملك ثروات طبيعية هائلة، وطاقات بشرية شابة، وتراثًا حضاريًا عميقًا. غير أن هذه الإمكانيات تتحول إلى عناصر ضعف عندما تبقى مبعثرة بين كيانات سياسية متناحرة أو خاضعة للنفوذ الخارجي.
إن الحرب الجارية اليوم في المنطقة تكشف بوضوح هذه الحقيقة. فلو كانت الأمة العربية تمتلك مشروعًا سياسيًا واستراتيجيًا موحدًا، لما تحولت أراضيها ومجتمعاتها إلى مسارح لصراعات الآخرين. ولما أصبح القرار العربي رهينة لتوازنات إقليمية أو دولية لا تعبر عن المصالح الحقيقية للأمة.
إن البديل القومي لا يعني الانعزال عن العالم، بل يعني استعادة القدرة على الفعل المستقل داخل النظام الدولي. وهو مشروع يقوم على إعادة بناء التضامن العربي، وتعزيز التكامل الاقتصادي، وتطوير القدرات العلمية والتكنولوجية، وبناء منظومة دفاع عربي مشترك تحمي الأمن القومي للأمة.
كما يتطلب هذا المشروع إعادة بناء الوعي القومي لدى النخب السياسية والثقافية، بحيث تتحرر من الاصطفافات التي تفرضها القوى الخارجية، وتعيد توجيه البوصلة نحو المصالح العليا للأمة العربية.
فالأمة التي استطاعت عبر تاريخها الطويل أن تصنع حضارة إنسانية عظيمة، قادرة أيضًا على تجاوز أزماتها الراهنة إذا ما استعادت ثقتها بنفسها وأعادت تنظيم طاقاتها في إطار مشروع قومي جامع.
إن الصراع الدائر اليوم في المنطقة قد يبدو في ظاهره مواجهة بين قوى كبرى، لكنه في جوهره اختبار لإرادة الأمة العربية نفسها: هل تبقى ساحة لصراعات الآخرين، أم تستعيد دورها كقوة تاريخية قادرة على صياغة مستقبلها بيدها؟
إن الإجابة عن هذا السؤال هي التي ستحدد شكل الشرق الأوسط في العقود القادمة، وستقرر ما إذا كانت الأمة العربية ستظل أسيرة لمشاريع الهيمنة الخارجية، أم ستنجح في بعث مشروعها القومي السيادي الذي يعيد لها مكانتها ودورها في التاريخ.




