مقالات كل العرب

ثالوث الحرب: التطرف والحماقة والحقد

ثالوث الحرب: التطرف والحماقة والحقد

التطرف الشيعي اليهودي المسيحيي،
الحماقة في رؤية اطراف الحرب و في مواقف بعض الدول الشقيقة و الصديقة،
حقد الجار و حقد بعض الاشقاء .

د. محمد بن أحمد المرواني

 

كيف يمكن لحرب واحدة أن تكشف في وقت قصير هذا القدر من التطرف والحماقة والحقد في آن واحد؟

وعندما تجتمع هذه العناصر الثلاثة في لحظة تاريخية واحدة، يتشكل أخطر ما يمكن أن يصيب السياسة:
ثالوث الحرب التطرف، والحماقة، والحقد.
تشهد منطقة الشرق الأوسط حربا ليست ككل الحروب السابقة،
حربا تشابكت و تشابهت فيها الأفكار و المباديء و تضاددت فيها ردود الأفعال و انقسمت فيها المجتمعات ، لذلك أردت أن اتكلم فيما وراء هذه الحرب بشكل عام و ردود الفعل المتضاربة في المجتمع الواحد.

ليست الحروب الكبرى في التاريخ مجرد صدامات عسكرية بين جيوش أو تنافس بين دول على النفوذ والموارد، بل كثيرًا ما تكون نتيجة تفاعل مركّب بين أفكار منحرفة محرفة وعقول متصلبة ضيقة الاقق محدودة الرؤية ونفوس ممتلئة بالعداء و الحقد. وعندما تجتمع هذه العناصر الثلاثة في لحظة تاريخية واحدة، يتشكل ما يمكن أن نسميه ثالوث الحرب: التطرف، والحماقة، والحقد. و هو ما يتجلى في الحرب الأمريكية الاسرائيلية الإيرانية و ردود الأفعال حولها الدائرة حاليا.
ولعل أخطر هذه العناصر هو التطرف؛ لأنه يحول السياسة من مجال العقل والمصالح إلى ساحة العقائد المحرفةالمطلقة التي لا تقبل نقاشًا ولا مراجعة.
أولًا: التطرف
التطرف الديني في عالمنا المعاصر لم يعد ظاهرة هامشية، بل أصبح في بعض الأحيان جزءًا من منظومات الحكم وصنع القرار. وهذا ما يجعله أكثر خطورة، لأن السلطة عندما تتبنى تفسيرًا دينيًا متشددًا منحرفا فإنها تمنحه قوة الدولة وأدواتها.
في الحالة الإيرانية مثلًا، يقوم النظام السياسي على فكرة ولاية الفقيه، وهي نظرية دينية سياسية ترى أن الفقيه يحكم باسم الإمام المهدي المنتظر. وبهذا المعنى يتحول القرار السياسي إلى ما يشبه التفويض الغيبي؛ إذ يعتقد بعض أتباع هذا الفكر أنهم يمثلون إرادة الإمام الغائب، وأن طاعة الولي الفقيه واجب ديني يتجاوز حدود الدولة والوطن و الأخلاق و المباديء و القانون. وفي مثل هذا التصور يصبح الولاء للعقيدة السياسية أعلى من الولاء للأوطان أو المجتمعات أو حتى مصالح الشعوب التي يعيشون بينها او المجتمعات التي هم جزء منها،
و يصبح الولاء للولي أمرا الهيا يسمو على كل شيء مهما كان الثمن.

ومن جهة أخرى، لا يقل خطورة عن ذلك التطرف الديني اليهودي الذي بات حاضرًا بقوة في بعض التيارات المؤثرة داخل الحكومة الإسرائيلية. فهناك من يقرأ النصوص التوراتية قراءة حرفية متشددةعلى هواه، ويرى في الصراع السياسي تحقيقًا لنبوءات دينية، ويبرر سياسات توسعية أو صدامية باعتبارها جزءًا من قدر تاريخي أو وعد إلهي. وعندما تتحول النصوص الدينية إلى أدوات سياسية لتبرير القوة والعنف و القتل و الاحتلال و الابادة، فإن العقل السياسي يفقد توازنه وتصبح القرارات محكومة بالتأويلات العقائدية المنحرفة و المحرفة لا بالحسابات الواقعية.

أما في الولايات المتحدة، فثمة تيار ديني مسيحي إنجيلي متشدد يؤمن بما يسمى اللاهوت الألفي أو نبوءات نهاية الزمان، ويرى في بعض الصراعات الجيوسياسية تمهيدًا لعودة المسيح. ورغم أن هذا التيار لا يمثل كل المجتمع الأمريكي ولا حتى كل المسيحيين، لكن حضوره داخل بعض دوائر القرار أو بين صقور السياسة الخارجية يجعل أثره السياسي أكبر من حجمه العددي. و تراه يقود السياسة الامريكية الى منحنى لم نعهده في سياسات الولايات المتحدة الأمريكية و ثوابتها التاريخية
وهكذا نجد أنفسنا أمام ثلاثة أشكال من التطرف الديني تتقاطع في لحظة تاريخية واحدة: تطرف شيعي سياسي منحرف، وتطرف يهودي ديني قومي، وتطرف مسيحي إنجيلي مهدوي. وكل واحد من هذه التيارات يعتقد أنه يسير في اتجاه قدر مقدس أو نبوءة تاريخية الهية، الأمر الذي يجعل التسوية السياسية في نظره ضعفًا أو تنازلًا عن إرادة إلخالق و خيانة له..
والحقيقة أن هذا النوع من التفكير لا يختلف في جوهره عن التطرف الذي عرفناه في تجارب مثل تنظيم داعش، الذي كفّر العالم كله وشرّع قتل الجميع تحت تأويلات دينية منحرفة. الفرق هنا ليس في الفكرة بل في السياق؛ فحين يكون التطرف خارج الدولة يسمى إرهابًا، أما عندما يتسلل إلى الدولة نفسها فإنه يصبح خطرًا أعظم لأنه يمتلك أدوات القوة والنفوذ.
لكن من المهم التأكيد أن التدين في ذاته ليس المشكلة. فالدين عبر التاريخ كان مصدرًا للأخلاق والرحمة والتكافل الاجتماعي، وأسهم في بناء حضارات كاملة قائمة على قيم العدل والتسامح. إنما المشكلة تكمن في التطرف و الانحراف المتعمد الذي يحوّل الدين من منظومة أخلاقية إلى أداة للصراع والهيمنة.
إن التدين المعتدل، القائم على البصيرة والعقل، هو أساس الأخلاق والإنسانية والمعاملة الحسنة بين الشعوب. أما التطرف، أيًّا كان مصدره أو دينه، فهو الذي يفتح أبواب الكراهية ويقود المجتمعات إلى حروب لا نهاية لها.
ولهذا فإن أخطر ما يواجه العالم اليوم ليس اختلاف الأديان ولا تنوع الثقافات، بل تسييس العقيدة و تطرفها المنحرف وتحويلها إلى وقود للصراع و غطاء الهي لتحقيق اطماع توسعية و سيطرة شاذه..
فعندما يختلط الدين بالسلطة اختلاطًا مطلقًا استغلاليا يتنافى مع مباديء الدين الاصيلة، ويغيب العقل النقدي، وتُمنح التأويلات المتشددة شرعية الدولة، يصبح الطريق إلى الحرب أقصر مما نظن.
و هذا ما حصل من استغلال للدين و التطرف الديني في هذه الحرب الدائرة في منطقتنا العربية و نحن لسنا طرفا فيها.
وفي الجزء الثاني من هذا الثالوث سننتقل إلى العنصر الثاني الذي لا يقل خطورة عن التطرف، وهو الحماقة السياسية التي كثيرًا ما تدفع الدول و الأفراد إلى اخذ مواقف سياسية لا تمس للواقع بصلة و تنسى او تتناسى الحقائق الجلية الواضحة امامها .

ثانيًا: الحماقة
إذا كان التطرف هو الشرارة الفكرية التي تشعل الحروب، فإن الحماقة السياسية هي الوقود الذي يطيل أمدها ويضاعف خسائرها. وفي الحرب الدائرة اليوم في منطقتنا، ظهرت مظاهر الحماقة على نحو استثنائي، حتى كأن أطراف الصراع دخلوا المعركة بقرارات متسرعة، وأهداف متقلبة، ورؤية استراتيجية مشوشة لا تستند إلى تقييم عقلاني للواقع.
لقد بدت الحماقة واضحة منذ اللحظة الأولى في تحديد أهداف سياسية وعسكرية لا يمكن تحقيقها عمليًا. فقد أعلنت إسرائيل والولايات المتحدة من جهة، وإيران من جهة أخرى، أهدافًا كبرى سرعان ما أخذت تتغير وتتبدل مع تطور الأحداث. وكلما طال أمد الحرب اتسعت قائمة الطموحات المعلنة، ثم تقلصت، ثم أعيدت صياغتها من جديد. وهذا التذبذب في تحديد الأهداف ليس علامة قوة، بل دليل على غياب الرؤية الاستراتيجية ودخول الصراع بقرارات متسرعة لم تُبنَ على حسابات دقيقة.
ومثل هذا الاضطراب ليس غريبًا عندما تكون الدوافع الأصلية للحرب أفكارًا متطرفة أو عقائدية كما أسلفنا. فالعقيدة المتشددة لا تنتج سياسة متوازنة، بل تدفع أصحابها إلى قرارات انفعالية تتجاوز حدود العقل والواقعية.
لكن الحماقة السياسية في هذه الحرب لم تقف عند حدود التخبط في الأهداف، بل تجلت أيضًا في التصريحات الرسمية التي حاولت تبرير الاعتداءات على دول لا علاقة لها بالصراع.
فقد خرج وزير الخارجية الإيراني بتصريحات حاول فيها تبرير استهداف دول الخليج بالقول إن الهدف من تلك الهجمات هو الضغط على دول الخليج كي تمارس بدورها ضغطًا على الولايات المتحدة لوقف الحرب. وهو تفسير يثير الدهشة قبل أن يثير الاستياء؛ إذ كيف يمكن الضغط على دولة ما عبر استهداف أمنها ومدنها ومنشآتها المدنية؟ وأي منطق سياسي يسمح بتحويل الدول المجاورة إلى أدوات ابتزاز في صراع لا تشارك فيه أصلًا؟
ثم جاءت تصريحات أخرى متناقضة تزيد المشهد ارتباكًا. فقد أعلن الرئيس الإيراني اعتذاري لدول الخليج في حديث رسمي و صرح أن إيران لن تستهدف دول الخليج، وأنها حريصة على أمنها واستقرارها. لكن في اليوم ذاته، واصلت وحدات الحرس الثوري إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة نحو أراضي تلك الدول. وهكذا وجد العالم نفسه أمام مفارقة صارخة: خطاب سياسي ينفي الاستهداف، وواقع عسكري يؤكده كل يوم. و اعد بعد عدة ايام تأكيد ان ايران لا تستهدف دول الخليج بعد قصف غالية هذه الدول بالصواريخ و المسيرات بعدة دقائق،
إن هذه الازدواجية في القول والفعل لا يمكن تفسيرها إلا بأحد أمرين: إما أن القرار السياسي في إيران لا يملك السيطرة على الفعل العسكري و هذا هو الواقع، وإما أن التصريحات الرسمية لم تكن سوى محاولة فاشلة لامتصاص الغضب الإقليمي. وفي كلا الحالتين فإن النتيجة واحدة: حماقة سياسية تضر بمصداقية الدولة وتزيد من تعقيد الأزمة و تزرع الخلاف المستقبلي بين ضفتي الخليج.
والأشد خطورة أن هذه الهجمات استهدفت دول الخليج التي ليست طرفًا في الحرب أصلًا. فهذه الدول لم تشارك في العمليات العسكرية ضد إيران، ولم تسمح باستخدام أراضيها لشن هجمات عليها. بل إن العديد منها بذل جهودًا دبلوماسية حثيثة في محاولة لخفض التوتر والتوسط بين واشنطن وطهران قبل اندلاع الحرب. ومع ذلك، وجدت نفسها فجأة تحت وابل من الصواريخ و المسيرات التي طالت مواقع مدنية، ومنشآت بنية تحتية، وتجمعات سكنية و مرافق اقتصادية و منشآت عسكرية وطنية لهذه الدول لم تستخدم لضرب ايران.
إن استهداف دول محايدة في نزاع إقليمي لا يمكن تبريره بأي منطق سياسي أو عسكري. فهو لا يحقق مكسبًا استراتيجيًا حقيقيًا، بل يوسع دائرة العداء ويحول دولًا لم تكن طرفًا في الصراع إلى أطراف متضررة منه.
غير أن الحماقة السياسية لم تقتصر على أطراف الحرب المباشرين. فقد تجلت أيضًا في مواقف بعض الدول الشقيقة والصديقة التي سارعت إلى إعلان دعمها لإيران في هذه الحرب، متجاهلة أو متغافلة عن الاعتداءات التي تعرضت لها دول الخليج.
إن من حق أي دولة أن تحدد موقفها السياسي وفق مصالحها ورؤيتها، وأن تدعم من تشاء أو تعارض من تشاء. لكن الحد الأدنى من المسؤولية السياسية يقتضي رؤية الصورة كاملة. فلا يمكن لدولة أن تندد بالحرب من جهة، ثم تتجاهل استهداف مدن ومنشآت في دول عربية من جهة أخرى. ولا يمكن لمن يدّعي الدفاع عن العدالة أن يغض الطرف عن الاعتداء عندما يصدر من حليف أو شريك.
ولهذا نقول لهؤلاء القادة والزعماء:
قف مع من شئت، وادعم من شئت، لكن انظر إلى المشهد كله قبل أن تصدر حكمك. لا تجعل عينك عوراء عن جانب من الحقيقة، ولا تجعل بصيرتك منحرفة بسبب حسابات سياسية ضيقة. فالموقف السياسي الذي يقوم على رؤية ناقصة أو انتقائية ليس حكمة دبلوماسية، بل حماقة سياسية.
إن السياسة التي تتجاهل الحقائق الواضحة وتغض الطرف عن الاعتداءات الصريحة ليست موقفًا متوازنًا، بل موقف يفتقر إلى الشجاعة الأخلاقية. ومن يتبنى مثل هذه المواقف لا يمكنه الادعاء بأنه يقف إلى جانب الاستقرار أو العدالة.
وفي النهاية، فإن الموقف غير المتكامل وغير الواضح لا يصدر عادة إلا عن أحد صنفين: إما عن منافق يحاول إرضاء جميع الأطراف دون أن يقول الحقيقة، أو عن أحمق لا يرى من الواقع إلا ما يريد أن يراه.
وهكذا يكتمل العنصر الثاني من ثالوث الحرب: الحماقة.
فالتطرف يشعل الصراع، والحماقة تديره بطريقة كارثية، بينما يبقى العنصر الثالث وهو الحقد الوقود النفسي الذي يمنع كثيرين من رؤية الطريق إلى السلام.

ثالثًا: الحقد
إذا كان التطرف يشعل الحروب، والحماقة تديرها بقرارات متخبطة، فإن الحقد هو الوقود النفسي العميق الذي يغذيها ويمنع كثيرين من رؤية الحقيقة كما هي. والحقد ليس هو الخلاف أو المنافسة أو حتى الغيرة ليس مجرد شعور عابر، بل حالة نفسية تتراكم في النفوس حتى تتحول إلى رغبة في الشماتة بالآخرين أو الفرح بمصائبهم.
والحقيقة أن هذه الكلمة ( الحقد ) ليست من الكلمات التي اعتادت مجتمعات الخليج استخدامها في وصف علاقاتها مع الآخرين. فالمجتمعات الخليجية بطبيعتها مجتمعات بسيطة في تكوينها الاجتماعي، تميل إلى التسامح والضيافة والكرم، وتعرف الحسد أو المنافسة أحيانًا، لكنها لم تعرف يومًا ثقافة الحقد المتجذر على الآخرين.
لكن هذه الحرب كشفت وبصورة صادمة كمية كبيرة من الحقد الكامن في بعض النفوس، وهو حقد لم يكن ظاهرًا من قبل، وربما لم نكن نتصور وجوده بهذا الحجم.
لقد فوجئنا بأن بعض مظاهر هذا الحقد جاءت من جهات لم نكن نتوقعها:
من جيران كنا ندافع عنهم في المحافل السياسية،
ومن أصدقاء وقفنا معهم في أوقات الشدة،
ومن أشخاص عاشوا بيننا واستفادوا من خير بلادنا،
بل وحتى من أشقاء قدمت لهم دول الخليج على مدى عقود الدعم المالي والسياسي والإنساني دون حساب.
ولا أقول إن هذا ينطبق على الجميع، فالتعميم ظلم لا نقبله. لكن الأحداث الأخيرة كشفت بلا شك أن في النفوس أحقادًا دفينة لم نكن نراها من قبل.
فالجار الذي كنا نقاتل عنه في ميادين السياسة، ونعمل جاهدين لرفع العقوبات عنه، ونسعى لحل مشكلاته مع المجتمع الدولي، أظهر وجهًا مختلفًا تمامًا عند أول اختبار. ففي الساعات الأولى من حرب لا علاقة لدول الخليج بها، انهالت الصواريخ على مدننا ومنشآتنا. وكأن تلك الخطط كانت جاهزة منذ زمن، تنتظر اللحظة المناسبة فقط.
بل إن الوقائع اللاحقة كشفت أن هناك خططًا وبرامج معدة مسبقًا لاستهداف دول الخليج، وأن هناك خلايا نائمة وعناصر مدربة وعملاء تم زرعهم منذ سنوات داخل مجتمعاتنا، في انتظار ساعة الصفر. وهذا أمر يثير تساؤلات مشروعة:
هل كان هذا حقدًا متراكمًا؟
أم مشروعًا سياسيًا يخفي طموحات إمبراطورية قديمة؟
أم ثأرًا تاريخيًا لا يزال يعيش في ذاكرة بعض العقول منذ قرون؟
لا نعلم على وجه اليقين، لكن ما نعلمه أن من مددت له يدك بالعون لا ينبغي أن يرد عليك بالصواريخ.
أما النوع الآخر من الحقد فكان أشد ألمًا، لأنه جاء من بعض الذين أكرمناهم وفتحنا لهم أبواب أوطاننا. فقد عاش كثير منهم بيننا سنوات طويلة، وتقاسموا معنا العمل والرزق والأمان، بل إن بعضهم وجد في دول الخليج كرامة معيشة لم يكن يحلم بها في بلده الأصلي. ومع ذلك، ظهرت في مواقف بعضهم شماتة غريبة، بل تأييد لمن اعتدى علينا، لأسباب عقائدية أو سياسية أو أحقاد دفينة لا نعلم جذورها.
وامتد هذا الحقد كذلك إلى بعض من تبنت دول الخليج قضاياهم السياسية والإنسانية لعقود طويلة، وقدمت لهم الدعم المالي والسياسي والإعلامي، ووقفت إلى جانبهم في المحافل الدولية. ومع ذلك، لم يتردد بعضهم في إظهار الشماتة بما تعرضت له دول الخليج من اعتداءات، وكأن كل تلك السنوات من الدعم والمساندة لم تكن شيئًا.
ثم ظهر نوع ثالث من الحقد، ربما هو الأقل وزنًا لكنه الأكثر ضجيجًا، وهو حقد بعض الأفراد التافهين في فضاء الإعلام الرقمي، الذين وجدوا في هذه الحرب فرصة للتشفي والشماتة، وكأن دول الخليج هي سبب معاناتهم الشخصية أو فقرهم أو مشكلاتهم الداخلية. وكأن نجاح الآخرين أصبح جريمة تستحق العقاب.
بل إن بعض هؤلاء كانوا يعيشون بيننا، وينعمون بما وفرته لهم هذه الدول من أمن وفرص عمل ومستوى معيشة كريم، ثم لم يترددوا في إظهار الشماتة عند أول أزمة.
ومع ذلك، فإن الحقيقة التي ينبغي أن تُقال بوضوح لهؤلاء جميعًا هي أن دول الخليج رغم الاعتداءات ما زالت بفضل الله تنعم بالأمن والاستقرار. وما زالت شعوبها تعيش في ظروف اقتصادية ومعيشية جيدة، وما زالت مؤسساتها تعمل، ومدنها تنبض بالحياة، وذلك أولًا بفضل الله، ثم بفضل حكمة قياداتها، وجهود أبنائها المخلصين، وجنودها الذين يدافعون عن أوطانهم بإخلاص وشجاعة.
أما أنت أيها الجار أو الصديق أو الأخ الذي امتلأ قلبه بالحقد فدعني أقول لك كلمة صريحة:
إن معاناتك في وطنك، وضيق حالك، وسوء الإدارة في بلادك، ليست بسبب دول الخليج. لم نسرق ثروات بلدك، ولم نحرمك من فرصك، ولم نكن سبب فقر أوطانكم أو أزماتها. بل على العكس، حاولنا مرارًا أن نخفف معاناتكم عبر الاستثمارات والمساعدات والمشاريع الاقتصادية.
إن ما تنعم به دول الخليج من استقرار وازدهار لم يأتِ على حساب أحد، بل جاء بعد فضل الله نتيجة عمل طويل وجهد متواصل وإدارة حكيمة لمواردها.
ولهذا فإن نصيحتي لكل من يحمل في قلبه هذا الحقد هي بسيطة:
إن حقدك لن يغير واقعك، ولن يحسن ظروفك، ولن يبني لك وطنًا أفضل. الحقد لا يصنع حضارة، ولا يبني اقتصادًا، ولا يحقق نهضة. إنه فقط يأكل صاحبه من الداخل.
وعندما يجتمع الحقد مع التطرف والحماقة، يكتمل ما سميناه ثالوث الحرب:
تطرف يشعل الصراع،
وحماقة تديره بقرارات كارثية،
وحقد يمنع كثيرين من رؤية الطريق إلى الحق و السلام.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى