استغفال شعوب إفريقيا بالدين والسياسة والقبلية لسرقة مواردها

استغفال شعوب إفريقيا بالدين والسياسة والقبلية لسرقة مواردها
3/1
د .علي عبدالقادر
نشر السيد جوناثان غيفارد الخبير والباحث في معهد مونتين بباريس، والذي عمل لمدة 12 عامًا في وزارات رئيسية فرنسية (رئاسة الوزراء، الخارجية، القوات المسلحة، إلخ) ، وهو متخصص في عدة دول وبشكل خاص دول منطقة الساحل وغرب إفريقيا، وزار تلك الدول في مناسبات عديدة.
نشر ثلاث مقالات مهمة في شهر ديسمبر 2025م ، وقد وجدت أنه من الضروري أن يطلع عليها القارئ الأفريقي بصورة عامة والقارئ السوداني والتشادي على وجه الخصوص.
جاء المقال الأول بعنوان (توسع النظام الروسي الفاشل في إفريقيا) بتاريخ 02/12/2025 وخلاصته أن التوسع الروسي في افريقيا قائم على استغلال الخطاب الافريقي العام والذي به حمولة كبيرة من معاداة الغرب ولا سيما “النظام الدولي الليبرالي”، فيقدم النظام الروسي نفسه كبديل أقل ليبرالية وأكثر دفاعاً عن النزعات القومية الافريقية!!! وإن كانت الحقيقة هي أنه لا يقدم سوى حماية للأنظمة الحليفة له، وأنه يقوم بالضغط على النخب السياسية او استمالتها إلى جانب استخدام أدوات دبلوماسية وإعلامية ومنظمات مجتمع مدني موالية بهدف حماية السلطة المتحالفة معه، وأن التوسع الروسي في افريقيا يعتمد على الفساد واستغلال التوترات الداخلية في الدول المجاورة لحلفاء روسيا، ، وهدفه الأساسي هو نهب الموارد الطبيعية (معادن، أسلحة، طاقة)، وهو ما قامت به روسيا منذ العام 2018م في دول مالي وبركينا فاسو والنيجر وافريقيا الوسطى وليبيا ولا سيما عبر مرتزقة “فاغنر” ثم «فيلق إفريقيا»،
ويرى الباحث غيفارد ان التوسع الروسي فشل في الجانب الأمني كما حدث في مالي، وفشله في إيقاف تقدم الجماعات الجهادية ونجاحه فقط في جعل الأنظمة الحليفة أكثر استبدادية وأكثر قمعا للمجتمع المدني.
يخلص الباحث غيفارد الى ان هذا التوسع الروسي هش وقابل للسقوط خاصة إذا تغيرت موازين القوة الدولية او تراجع الطلب الافريقي على طلب الحماية الروسية.
وجاء المقال الثاني بعنوان (الحرب في السودان: دارفور، مشكلة تشادية) بتاريخ 09/12/2025 ومفاده ان الازمة السودانية في دارفور لا يمكن فهمها أو حلها دون الأخذ في الاعتبار مل يجري في دولة تشاد، وخاصة ان القبائل الحدودية المشتركة بين البلدين لها صراعات قديمة وثارات متجددة دوما، كما ان كل منها تجد دعما من النظام الحاكم في كل بلد ضد نظام البلد الأخرى في تحالفات تكتيكية متقلبة بصورة شبه دورية ، بالإضافة لدعم دول أخري لذلك الصراع الإقليمي القبلي، وعلى سبيل المثال تدعم دولة الامارات حليفها حفتر في ليبيا وقوات الدعم السريع والقبائل العربية في دارفور بالسودان )الرزيقات (وامتداداتها في دولة تشاد والنيجر وغيرها، في حين تدعم دول أخرى القوات المسلحة السودانية و القبائل الافريقية (الزغاوة والمساليت الخ) في دارفور و تشاد ..ويؤكد الخبير غيفارد إن التلاعب بالهويات الجماعية وترسيخ الصراع وتوظيفه سياسيا أمر يتم “لإضفاء الشرعية على استراتيجيات السلطة وممارسات العنف”، وان ذلك الامر بدأ منذ عهد الاستعمار ويستمر حتى اليوم، ويشير الى أن سقوط الفاشر بيد قوات الدعم السريع زاد من
2 / 3
اصطفاف الدعم القبلي في السودان وتشاد في جانب القوات المسلحة السودانية او في جانب قوات الدعم السريع، مما يزيد من احتمال امتداد الصراع الى داخل تشاد وإطالة أمد الحرب.
وان دارفور اصبحت في قلب عقدة جيوسياسية إقليمية افريقية ولن يتم فيها سلام دون الاخذ في الاعتبار تأثرها وتأثيرها بالأوضاع في تشاد والتنافسات الإقليمية العابرة للحدود.
أما المقال الثالث وهو بعنوان )الدين كاستراتيجية للتأثير في افريقيا( بتاريخ 17/12/2025 فيذهب فيه الباحث غيفارد الى ان العامل الديني صار يتخذ كأداة استراتيجية للتنافس الدولي ووضع اليد والسيطرة على افريقيا وسرقة خيراتها، وكيف ان الدين صار ” وسيلة مؤثرة- لبسط- النفوذ السياسي والاجتماعي والاقتصادي” في افريقيا، مما أدى الى بروز تنافس ديني واضح ولا سيما بين الدين المسيحي والإسلام في افريقيا.
قمن الملاحظ ان النشاط الكنسي بقيادة الفاتيكان ومجلس الكنائس العالمي المتقوى بعودة التيار الإنجيلي للبيت الأبيض يزيد من بسط النفوذ السياسي والإعلامي الكنسي وخاصة في غرب وشرق ووسط افريقيا من ناحية ومن ناحية أخرى لا تتغيب روسيا عن تبني ” استراتيجية دينية براغماتية وانتهازية” مع “الشبكات المسيحية المحافظة والكنيسة الأرثوذكسية الروسية لتعزيز نفوذها” في افريقيا
وكذلك تحاول تركيا ودول الخليج وايران لعب دور إصلاحي ديني ، فتستخدم الإسلام كأداة نفوذ رئيسية عبر تمويل المدارس الدينية، المنح الدراسية، المساعدات الإنسانية، وسائل الإعلام الدينية، والمنظمات غير الحكومية.
لا نحتاج لاستنطاق المقالات الثلاث والبحث فيما وراءها فهي تكشف في صراحة ودون أدني مؤاربة بأن الصراعات الجيوسياسية في افريقيا يستخدم فيها الدين والسياسة والقبلية وتوظيفها ك” أداة نفوذ ناعمة وفعّالة، قادرة على اختراق المجتمعات وبناء شبكات تأثير طويلة الأمد، سواء عبر الكنائس أو المؤسسات الدينية الإسلامية أو المنظمات الإنسانية” وإن الهدف الأساسي هو نهب الموارد الافريقية.
بالطبع لا يحاول الباحث رغم معرفته الجيدة بدقائق الأمور التفريق بين الدور الكنسي ودور المؤسسات الدينية الإسلامية في افريقيا، رغم ان الدور الكنسي كان دائما وسيظل من أدوات التغلغل الاستعماري وتقديم “غطاءً أخلاقيًا وفكريًا للاستعمار” باعتبار إن “الاستعمار رسالة حضارية او ما عرف ،(Mission civilisatrice).، عبر لعب دور الوسيط السياسي ودعم أنظمة سياسية او مرشحين بعينهم بما يخدم مصالح القوى الاستعمارية الغربية، وتحديدا سرقة الموارد الافريقية في المقام الأول.
في حين ان المؤسسات الدينية الإسلامية يغلب عليها الدور “التبشيري” )سلفية بدعم خليجي، صوفية بدعم مغربي وسنغالي تقليدي، شيعية بدعم إيراني ( أي تأثيرها اجتماعي على السكان وليس لها تأثير سياسي مباشر على النظام الحاكم، او مصالح اقتصادية، وان كان ذلك لا يمنع من وجود مصالح جيوسياسية كمثال إيجاد نفوذ على سواحل البحر الأحمر.
والاغرب والأكثر دهاءً، ان ذلك المستعمر الغربي نفسه يوظف لصالحه بصورة ميكافيلية الاختلافات النوعية بين الجماعات والمذاهب الإسلامية والدول التي ترعاها لزيادة التوترات القبلية والجهوية الموجودة في الدول الافريقية.
3 / 3
بل يتعامى الباحث عن الاعتراف بأن الحدود السياسية بين الدول الافريقية رسمها المستعمر وتعمد فيها تفريق القبيلة الواحدة بين عدة دول بهدف إيجاد قنابل موقوتة طويلة المدى يتم تفعيلها متى ما أراد المستعمر شغل الشعوب وإضعاف النظام الحاكم واسقاطه واحلال حكومة امر واقع جديدة أكثر ولاء للمستعمر.
وبكتفي الباحث بالقول بأنه لفهم الازمة يجب فهم المقاربة بين الدين والهوية والسياسة ولكنه لا يقوم بتقديم نصائح وحلول للشعوب الافريقية وإعلامها صراحة بأنها “مستغفلة” من خلال تأجيج صراعاتها الثقافية والاجتماعية الدينية والإثنية والجهوية الى ما لانهاية، مع تقوية الأنظمة الاستبدادية الحاكمة لحساب المستعمر، وان بداية الحل تكون باستيعاب أنه يتم خداعهم والتلاعب بمشاعرهم بأسلوب ناعم وفتنتهم وتأجيج الصراعات فيما بينهم وهم غير منتبهين، مما يؤدى لبقائهم في حالة ضعف مستمر ويزيد من أطماع اخرين أيضا بجانب المستعمر القديم في الموارد الافريقية وهو ما تقوم به الان دول روسيا والصين الان.
عودةً إلى ما سبق شرحه وبيانه، أرى أنه يتعيّن على الأفارقة عمومًا، وعلى أبناء السودان وتشاد على وجه الخصوص، أن يدركوا أنهم يُساقون كقطعان عبر سياسات متعمّدة تقوم على التفريق لأسباب ثقافية واجتماعية، بهدف تعميق الانقسام والتشرذم والتفكك، وإدامة الصراع حتى الوصول إلى مرحلة توازن الضعف، أو ما يمكن تسميته بالقبول الضمني بالاستعمار الجديد.
ولا مخرج من هذا الواقع إلا بتحقيق توافق شعبي ووحدة داخلية راسخة داخل كل بلد على حدة، يعقبها تعاون وتكامل حقيقيان بين البلدين، بما يفتح الطريق أمام التنمية ويحقق الخير والمصلحة المشتركة لشعبيهما.




