كل الثقافة

نشوان: نص مسرحي

شارك

نشوان: نص مسرحي

أ. حميد عقبي

الإهداء:

إلى الحالمين بموت رقيق القلب

يأتي بعربة مزينة بالزُّهور ورايات بيضاء

موت يتقن مهنته ويؤدِّيها كملاك

 

كلمة شكر خاصة 

إلى  الفنانين الأعزاء الفنان المسرحي نزار الكشو والفنان صفوت الغشم والفنان القدير د. سعدي يونس بحري لمناقشتهم النص بعد جلسات طويلة مغلقة ومهمة جعلت النص ينضج ويتطور وإلى  الصديق صبري يوسف لتعاونه في المراجعة التصويب اللغوي.

مقدِّمة مختصرة

لم يكن في ذهني نشر هذا النّص للقراءة وكان من المفروض أن يُعرَضَ النَّصُ كعملٍ مسرحي في شهر آب (أغسطس) 2022 في الدَّوحة، تمثيل الفنَّان اليمني صفوت الغشم، ولكن للأسف حدثت مشكلة إنتاجية وتم سحب الدعم من الجهة التي وعدتنا وكان أمراً محزناً، وماتزال هناك جهود وآمال لننتج هذا النَّص وربّما يطبع هذا الكتاب ونوزّعه خلال العروض.

هذا النَّص كان ثمرة جهد مايزال مستمرَّاً منذ شهورٍ طويلة، وكانت البداية ما يقرب 16 صفحة ثمَّ كانت نقاشات مطوّلة مغلقة مع الصَّديق صفوت الغشم، ثمّ تلاها عدّة جلسات، شارَكَنا الفنَّان المسرحي التُّونسي نزار الكشُّو والّذي أستفدنا منه بطرحه الكثير من الأسئلة، ممَّا جعلني أعيد العديد من التَّفاصيل، كذلك الفنّان الكاتب والمخرج المسرحي العراقي د. سعدي يونس بحري والَّذي حضر إحدى الجلسات ولا أنسى الصَّديق الأديب السوري صبري يوسف، بمعنى أن هذا النص وليد ورشة إبداعيّة وكانت ملاحظات وأسئلة كل الأصدقاء مفيدة لي ككاتب بحيث أتوقَّف وأتأمَّل وأعيد الصِّياغة وإضافة تفاصيل.

النَّص كذلك بيد أحد الأصدقاء وقد يتمُّ تنفيذه ولا أكون أنا المخرج  وهنا ستدخل رؤية المخرج وقد تحدث تعديلات عدّة وحتَّى في حالِ إخراجي للنص بالتَّأكيد ستكون بعض التَّعديلات ورؤية النّص بعين المخرج. الكثير من النّصوصِ المسرحيّة يتمُّ تنفيذها أولاً ثمَّ يُصاغُ النَّصُّ النّهائي للنشر، ولا أعتقد أيضاً أنَّ نشرَ النُّصوصِ قبل تنفيذها يمكن أن يفسدَها أو يحرمنا من إنتاجها.

طباعة ونشر النُّصوص المسرحيّة عمليّة شائكة وتواجهها الكثير من الإشكاليات والمخاوف من أن تْسرقَ الأفكارُ والمخاوف من ألَّا يُفهم النَّصُّ وأشياء عدّة وربّما تحتاج إلى شجاعة من الكاتب والنَّاشر والقارئ أيضاً،  أتمنّى أن تصدر الطَّبعة الثّانية عند تنفيذ هذا النّص وبالتَّأكيد ستكون هنالك فروقات عديدة مهمّة جدّاً.

أتقدَّم بالشّكر الجزيل لكلِّ الأصدقاءِ  وكل الّذين حضروا وشاركوا في نقاشاتنا   ونتمنَّى نجاح هذه التَّجربة وأن تتلوها خطوات وعدّة مشاريع مستقبليّة، ويعدُّ هذا النَّص ضمن سبعة نصوص كتبتها في 2022 تحت مسمَّى تشابكات الشّعر والمسرح، وهي تجربة ومغامرة خطرة جدَّاً، ربّما تكونُ رغبة من حلمي المستمرّ سينمائيّة القصيدة الشّعريّة، والّتي أثمرتْ ثلاثةُ أفلامٍ سينمائيّة قصيرة، وأحسُّ أيضاً إمكانية معالجة هذه النّصوص سينمائيّاً لو توفّرتِ الإمكانيّات.

المشهد الأول 

يبدو المنظر كأنّه أتيليه للرسم أو بيتاً لفنّان وكاتب، وهو عرضة للقصف، لكن هذا لا يتَّضح للوهلة الأولى، ومع توالي الأحداث ندرك ما يحدث، تتوزَّع عدّة طاولات مختلفة الأحجام بشكلٍ عشوائي، لا نرى في البداية مميّزات للمكان ولا الزّمان.

لا نستكشف كل تفاصيل المكان في الوهلة الأولى  وتتّضح تفاصيل أكثر كلّما أوغلنا مع الشَّخصيّة  والشَّخصيّة رجل في السِّتّينات من عمره وهو الشَّخصيّة الوحيدة.

يعجُّ المكانُ بأشياءٍ كثيرة، تتوزَّع بشكلٍ فوضوي، أوراق وكتب مبعثرة على الأرضيّة، أشياء شخصيّة تخصُّه والكثير منها له مدلولات عدّة، حيثُ تتعاملُ معها الشَّخصيّة لتعطيها قيماً إنسانيّة وجماليّة متنوّعة. 

تكون الشَّخصيَة على كرسي  أمامه طاولة يبدو أنّه يستخدمها كمكتب وطاولة عليها عدّة زجاجات من البيرة والويسكي وفنجان قهوة وقناني ماء معدني، بعضها فارغة ويوجد جهاز راديو وعدّة أشياء للكتابة والرّسم. 

تسقط بقعة ضوء تتضح  بعض ملامح الشّخصيّة اذ يبدو متدثرة ببطانيّة شتويّة تشبه تلك الّتي توزَّع على المتشرِّدين أو اللَّاجئين. 

يوجد على الطَّاولة أيضاً علب سجائر فارغة ومنفضة مليئة بأعقاب السَّجائر.

يبدو أنَّ الشَّخصيّة ومنذ اللَّحظة الأولى في حالةِ ذهولٍ وكأنّها غير مستوعبة لما يحدث لها.

يمسك بيده خارطة كبيرة، يرفعها، تغطِّي وجهه تماماً ..

يحاول أن يضعها على الطّاولة لكنّه لا يجد المكان، تسقط قنينة بيرة فارغة وبعض الأشياء.

تغمره إضاءة بيضاء مخلوطة بالزُّرقة، هنا تظهر ملامح وجهه وأثر كدمات وجروح وبقع الدّم. 

يتجمَّد للحظات. 

ينظر إلى ما حوله وهنا يبدأ التَّأمل للمكان. 

يسود المكان الصَّمت المطبق

 وماتزال العتمة تمنعنا من روية أغلب التَّفاصيل الموجودة

الشَّخصيّة في حالة ذهول تام.

نسمع  صوت منبّه للاستيقاظ لكنَّنا لا نراه ويكون بمثابة للشخصيّة 

يبدو كأنّه تذكَّر شيئاً ما مع سماعه صوت المنبّه، يحاول أن ينهض، يجد صعوبة كبيرة، بعد عدّة محاولات ينهض وتكون خطواته ثقيلة. 

هنا يسال نفسه عدّة أسئلة حول مكانه وزمانه وماهيّته.

يطرح هذه الأسئلة وهو مايزال في حالةِ ذهول.

يردِّدُ ويكرِّر الأسئلة، يبدأ متلعثماً ثمّ يتَّضح صوته أكثر.

من أنا؟ أين أنا؟ ماذا يحدث هنا؟

شيئاً ما حدث ويحدث هنا؟ أظنُّه شيئاً جسيماً ومروَّعاً.

أشياء تحدث جعلت هذا المكان يبدو غريبا وفي حالة فوضى، لا شيء في مكانه، لا أظنُّ أنَّ الأشياء تتغيَّر أو تنقلَّبُ أو تنكسر لوحدها، هنالك دوماً فعل فاعل .. هل تتَّفقون معي؟ 

خلال ترديد هذه الأسئلة، تتدحرج صخرة كبيرة، تأتي من يمين المسرح وتكاد تصدم به.

يطرح الكثير من الأسئلة على نفسه وعلى الجمهور خلال حديثه، وطرح مزيداً من الأسئلة الَّتي تبدو متشعِّبة، يتلوَّن الأداء ويتحوَّل إلى كوميدي.  

يبدو كأنَّه تذكَّر شيئاً ما، لكنّه ينصرف انتابهه إلى الحجرة الكبيرة الّتي تدحرجت، يقف أمامها، يتأمَّلها للحظات، يبدأ التَّعامل معها، يلمسها وتتنوَّع ردود أفعاله، يكون كالخائف المفزوع، ثمَّ يتشجَّع ويلمسها، يحاول زحزحتها، ينجحُ في زحزحتها ويختار لها مكاناً مميزاً، ليس بعيداً من دائرة مرسومة على خشبة المسرح نستكشفها فيما بعد. 

نبدأ نسمعه يتحدَّث بصوتٍ خافتٍ، ثم يعلو إيقاع الصَّوت.

تذكَّرت .. لا سوف أحاول التَّذكُّر.. يجب أن أتذكَّر.. أظنُّ أنِّي مربّي حمام، وأهوى غناءه ورقصه، أجنحته المزركشة وصدره المنفوخ عندَ التَّغريد، عشُّ الحمامِ بالسَّطحِ، لا أدري هل كنت فاقداً للوعي؟ أتدرون كم مرَّ من الزَّمن وتلك الحمائم الجميلات دون طعام ولا ماء، أتمنّى أن تكون بسلام، لا أدري أين كيس الطَّعام؟ ولكن هي على السَّطح! كيف أستطيع الوصول إليها؟ هل ترون منفذاً أي مخرج من هنا، باباً أو نافذةً؟ هل يوجد من طريقة عاجلة وسريعة لإنقاذهم من الجوع والعطش وربّما بعضهم في حالة خطيرة. .. نعم أشعر بألمهم ويجب أن أفعلَ شيئاً للخروج من هنا. 

يتحرَّك ويكون قلقاً، خلال حركته الَّتي توحي أنّه يبحثُ عن طعامٍ للحمامٍ، يقومُ بترتيبِ بعضِ الأشياءِ المتساقطةِ على أرضيّة المسرح ويظلُّ محتفظاً بالبطانيّة على جسده، يعثر على بعض الخبز اليابس، يفرح، يأخذه، يتحرّك إلى مقدِّمة المسرحِ، قرب الحجرة الكبيرة ويستخدمها كطاولة، يفتِّتُ عليها الخبز، يجدُ بعض الأوراق، يلتقط بعضها، يستخدم واحدة لجمع فتات الخبز، يتفحَّص بعض الأوراق. يبدو أنّه تذكَّر شيئاً جديداً

آه آه .. تذكَّرتُ، ربَّما أنا ممثل مسرحي، نعم .. أعتقد أنِّي كنتُ أتدرَّب وأحفظ دوري كبطل، أي شخصيّة وما حكاية هذه المسرحيّة؟ 

أظنُّ أنَّ البطلَ كان فناناً رساماً وكاتباً أيضاً.. وطنه تعرّض للدمار، أرضه تغتالها الحرب وأهله أصبحوا جوعى ومرضى، أعتقد أنّه يُشبهني أو أنا أُشبِهه .. سوفَ أحاول أن أتذكَّرَ. أحتاجُ إلى بعض الوقت، لكن ماذا أصاب الآخرين، جيراني وأصدقائي؟ هل ترون أحداً؟ هل ماتزال البيوت واقفة بزينتها ونوافذها وضجيج الأطفال وغناء الأمهات؟!

يبدأ يتحرّك

 ويصرخُ منادياً بعض جيرانه

 ولكن يتعمَّق لديه الإحساس بالعزلةِ والإنغلاقِ ويظلُّ قابضاً على الأوراقِ وطعامِ الحمامِ، يصلُ إلى الطاولةِ الَّتي ظهر بجوارها أوَّل مرةٍ، يأخذُ قنينةَ ماءٍ، يشربُ قليلاً، يأخذُ عدّة أنفاسٍ، يعودُ لتأمُّلِ المكان، يجدُ على الأرضيّة نبتةً صغيرة، يسرعُ يلتقطها بعناية، يتلمَّسها، يتَّجه إلى حيثُ الحجرة الكبيرة، ويضع النَّبته بجوارها، يسقيها والفرحُ يظهرُ على وجهه، كأنّ هذه النّبتة أعادت روحه

 خلال هذا الفعل يبدأ يغنّي أغنية تراثيّة للمزارعين.  

ينتهي من سقي النّبتة، يعودُ لتأمُّل المكان واستكشافه وفي كلِّ مرَّةٍ نجدُ أنَّهُ يشعرُ بفظاعةِ ما يحدثُ له وقسوة المكان المغلق، يعود ليلتقط بعض الأوراق، يتأمُّلها، يبتسمُ، تبدو على وجهه الحيرة، ممزوجة بالخوف.

يعثر على بعض الأغصان الصَّغيرة اليابسة، تسقط الأوراق من يده، يلتقطُ بعض الأغصان، بعضها يبدو محروقاً قليلاً، يحتضنها، يأخذُ شهيقاً ثمَّ زفيراً، ينظر إلى الأعلى، يتذكّر شيئاً ما. 

يتلاشى الأصفر، يكادُ يندثرُ

 لا أحد ينعي الخريف ولا يودِّع رحيله

 في انتظار الأبيض

 الثَّلج نعم الثّلج لعلّه ينهمرُ اللَّيلة

 وربّما غداً سيكونُ مفرحاً 

في تلك الأعالي والقمم سيحرقُ السَّاحرات الشَّرِّيرات

 وستكون مناسبات الأعراس. 

يتوقف للحظةِ عن الكلامِ. 

بعدَ إكماله الكلام مباشرةً تتدحرج حجرة أخرى من يسار المسرح، يُصاب بالرَّجفة والخوف، تتنوَّع ردّة فعله كأنّه ينتظر تدحرج أو سقوط مزيد من الحجارة. 

ينظر للطاولة والمكان كأنّه يستكشفه للمرّة الأولى.

أودُّ أن أتذكَّرَ، ربَّما كنتُ مزارعاً بسيطاً، أو صيّاد سمك؟ لكن أين الأرض؟ أين البحر؟ أين النّاس؟ أينكم؟ ماذا أفعل هنا؟

يردّدها كأنّه يريد أن يتذكّر ما يحدث له

 مع كلِّ فعلٍ وكلام وحركة، تحاول جعلنا نتصوّر ماذا حدث وفي كلِّ لحظة، تنقلنا الشَّخصية بحذر لفهم حكايته، لكنّها تعودُ كأنّها نسيت ما قالته وفعلته وتعودُ لحالة من الذُّهول والهذيان، حالة من البناء والهدم  كأنّها تهرب من مسارِ حكائيَّاً متسلسلاً واضحاً، كما أنَّ الشَّخصيّة تنسلخُ من نفسها وتبتعد عن اكليشة ثابثة وتعود في بعض الأحيان لتكون بسيطة جدَّاً وإنسانيّة عاديّة جدّاً.  

تتَّجه الشَّخصيّة نحو الحجرة الثّانية، وتكون بلون مختلف قليلاً عن الأولى وحجمها أقل، يدحرجها بصعوبة إلى موضع الحجرة الأولى وتبذلُ جهداً كبيراً، حيث تقومُ برفعها ووضعها فوق الحجرة الأولى كأنّها تؤسِّس لعمل عمود من الحجر، مع نجاح وضع الحجرة الثّانية تكون الشَّخصيّة مرهقة جدَّاً، تجلس على الأرضيّة، تأخذُ أنفاساً عميقة.

هنا نسمع نبضات قلب سريعة، تمتزجُ بعدَّةِ أصواتٍ كأنَّنا في غرفةٍ للعناية المركّزة وصوت أجهزة تنفُّس وتبدو هذه الأصوات الَّتي نسمعها بشكل مرتفع، كأنّها تدور الآن في ذهن الشَّخصيّة، ترتسم ملامح الذّهول والصَّدمة مرَّة أخرى على ردودِ فعلها، مع ارتفاعٍ متزايدٍ للأصواتِ

 ثمَّ صمتٌ تام

يحاول الوقوف، يجد صعوبة كبيرة للنهوض، بعد محاولات عديدة ينجح من الوقوف لكنّه يظلُّ عاجزاً عن التَّحرك، يضمُّ البطانيّة إلى جسده، ممّا يجعلنا نشعر أنّه في مكانٍ بارد، يده ترتعش، جسده يرتعش.

نسمع مؤثّراً موسيقيّاً كأنّه يترجم القلق والصِّراع الدَّاخلي للشخصيّة الَّتي تتسمَّرُ في مكانها دونَ حراكٍ وتستمرُّ الموسيقا لدقيقتين أو أكثر

 ثمَّ صمتٌ تام  

مع تغيُّر الضَّوء بصورة تدريجيّة، يجعلنا نستطيع رؤية أكثر وأوضح للأشياء القريبة من الشّخصيّة حيثُ نرى في عمقِ طاولة أخرى عليها معطف الشَّخصيّة كذلك على كرسي آخر ليس بعيد من جهة اليمين نرى بنطال الشَّخصية وفي مقدِّمة المسرح نرى فردة حذاء.

يحدث ما يشبه بالقصف الضَّوئي على كلِّ جوانب الخشبة، وكأنَّ الضَّوء هنا يشبه أيضاً ومضات أو فلاش تركِّز على بعضِ الأشياءِ وتمنحُها معاني جماليّة وتشكيليّة.  

يبدو أنَّ الشَّخصيّة أيضاً قدرت على رؤية هذه الأشياء وتتَّجه وجهة نظره إلى الحذاء.

هنا أيضا نرى في وسط الخشبة وأقرب من المقدِّمة رسماً غريباً لدائرة ملوّنة بالأبيض والأسود وهي رسمة ذات إيحاء تجريدي كأنّها رسمة تستخدم في طقوس روحانيّة، تصبح أكثر وضوحاً معَ زحفِ الشَّخصيّة نحوها، وتسحبُ شرشفاً يغطِّي بعض معالم الرّسمة، لكنّها الآن تصبح واضحةً، تثير تأمُّل الشَّخصيّة وتمنحُ للمكانِ قيمة إضافيّة فيها نوع من الغرابة.   

هنا تحاول الشَّخصية التَّقدُّم بعد عدِّة محاولات تستطيعُ كسر حالة الجمود الّتي أصابتها. 

خطوات ثقيلة وألما قاسياً يعانيه من جديد.

تشيرُ بيديها تجاه الحذاء. 

تخطو خطوات شجاعة. 

يفرح ، يضحك، يعاود الكلام كأنَّنا نشعرُ بروح التَّحدي والمقاومة.

تتَّجه الشَّخصيّةُ مرَّةً أخرى نحو الطَّاولة، تأخذ قبضة من الأوراق، تسير بضع خطوات، تنثر الأوراق وكأنّها توزِّعها على النّاس والقرّاء.

 بفرحٍ ، ضحكَ .. 

تعاودُ الكلام كأنّنا نشعرُ بروح التَّحدِّي والمقاومة وعودة الذّاكرة.

آهٍ .. أتذكَّرُ، ربَّما كنتُ كاتباً .. نعم أظنُّ ذلك .. أجدُ متعةً ومشقَّةً أن تخلق شخصيّة سعيدة في عالم بائس ومخيف، أو شخصيّة بائسة تزيد من سوداويّة وقتامة هذا العالم. ماذا يجب أن نكتبَ قصصاً تُشبه أكاذيب هوليود؟ ربما تعجبكم أفلام الزُّومبي والرّعب ومشاهد الدّم؟

لكنّنا نعيشُ زمنَ الحروبِ.. تعالوا بأنفسكم وشاهدوا ماذا يحدث هنا؟ نعم .. نعم هنا أحداثا كثيرة ومرعبة.

في ذهني الآن مقطعاً صغيراً من هذيان الشَّخصيّة الَّتي .. أن تكون .. إنسانيّة.. 

شخصيّة شاعر يراقص موج المحيط، 

تلامس أقدامه الشّاطى البارد 

يعود إلى الخلف 

سينوغرافيا ورقصات بديعة 

تقذف الشَّمس تلك الحمرة الممزوجة بالأصفر عند الغروب 

ثمة عشاق في انتظار اللّحظة 

تتشابك أصابعهم

العشاق 

وحدهم من يستحقُّ هدايا الرّبيع.

تكادُ الكلماتُ الَّتي تلفَّظ بها، تمنحه قوّة جسديّة ومعنويذة إضافيّة. تمكِّنه من التَّحرُّر أكثر من الجمود، يبدو أكثر قوّة لمواصلة عدّة خطوات نحو فردة الحذاء، وفعلاً يستمرُّ إلى أن يصلَ إليه، ينحني بصعوبة، ثمَّ يجلس، ينظر إليه ثمَّ يمسكه برفقٍ ويضمُّه إلى صدره. 

يعودُ للهذيانِ

الرَّقص هو الحياة، لا حياة بلا رقص، لا رقص بلا أقدامٍ. 

كم اشتقتُ أن يكونَ لي حذاء وأقدام قادرة أن ترقصَ وتركضَ وتتسلَّق تلك المدرّجات الغارقة في عطرِ البنِّ  والرُّمانِ والعنبِ.

يتوقَّفُ للحظاتٍ، يبتسمُ كأنَّهُ تذكَّر شيئاً جديداً.  

الموسيقى والأغاني والأهازيج والزّغاريد

يتوقَّف عن الكلامِ

يسيرُ عدّة خطوات ثمَّ يتوقَّف ليأخذ جهاز الرّاديو، يمسكه، يحتضنه.    

نسمعُ مقطع أغنية شعبيّة، مدهشة تغنِّيها الشَّخصيّة. 

تظلُّ الشَّخصيّة مستمتعة لهذا الحلم.

معَ نهايةِ الغناءِ تختلفُ الأضواءُ، تركِّزُ على وجهه ثمَّ تتابع مسيرته حيثُ تتَّجه إلى الدّائرة الغريبة، وتبدأ بالحديثِ:-

رغم التَّلوث والضّجيج، ماتزال نجمات في السّماء يرقصن 

رغمَ العطش تتفتَّح بعض زهرات نبتات الصَّبار 

يقذف البحر وجعه 

بوسع اللَّون الأزرق أن يرسمَ قلبَ عاشقٍ

في زمنِ الحربِ نفتقدُ الأكفانَ البيضاءَ

يتصاعد البخورُ بلونٍ أصفر

تنمو عناقيدُ الألم

يبدو وجه صنعاء شاحباً 

هنا تأتي حجرة من عمق المسرح وتكون بحجم الحجرة الثّانية، تتدحرج على خشبة المسرح، تنتبه لها الشَّخصيّة وتزحزحها إلى مكان الحجرتَين، تضعها عليها بحيث تكملُ بناءَ عمودٍ من الحجارةِ. 

 يتذكَّر مواقف ومشاهد من عدَّة أسواق يمنيّة. 

يتعايشُ معَ الذّكريات، ملوِّناً صوته بعدَّةِ لهجاتٍ يمنيةٍ، ويصوِّرُ لنا هذه الأسواق بضجيجها وبهجتها وروح أهلها ومرتاديها وباعتها. 

باب السبح يخلو من بايعات الحوح 

أسمع صوت الباعة المتجوِّلين 

صنادل ، سجاير ، بيرة ،  كحول 

فياجرا طبيعيّة 

عسل ليلة الخميس 

كذلك في ميناء الصَّيد تتعالى الأصوات 

يا جمبري ، يا غالي

في صبرة، البخور والورد والكاذي

هنا بصوته يغنِّي كوكتيلا. مبتكراً أغنية ملوَّنة بعدَّةِ لهجاتٍ يمنيّة تترجمُ شوقه وحنينه للحياةِ والفرح والأرض  والنَّاسِ

تصبحُ الشَّخصيّةُ أكثر ديناميكيةً، ترقصُ كوكتيلا من الرّقص اليمني مع نهاية الرّقص .. كأنَّ شيئاً غريباً وقوَّة خفيّة تجذبها إلى وسط الدَّائرة، حيث تحاولُ الشَّخصيّة جذب نفسها إلى الخارج، ما يشبه الصِّراع تخوضه الشّخصيّة لتجنب الوقوع في الدَّائرة، نشعر بنجاحها ومقاومتها، لكن فجأةً كأنَّ قوى عدّة لا يراها  تتدافعُ الشَّخصيّة، كأنّها تتلقَّى ضربات ولكمات موجعة على الرّأس والظّهر والصَّدر، ينتهي الصّراع بوقوع الشَّخصيّة في الدَّائرة.

ظلام تام

المشهد الثَّاني

تستمرُّ الظّلمة لبعضِ الوقتِ ثمَّ تبدأ تنقشع بشكلٍ تدريجي، يتصاعدُ دخان من مبخرة تظهر على إحدى الطَّاولاتِ بعمقِ المسرحِ، تنتبه لها الشَّخصيّة وتكون ماتزال ملقاة على الخشبة، خارج إطار الدَّائرة، يكون للبخور تاثيراً إيجابيَّاً، هنا تنهض من مكانها تتّجه إلى المبخرة، تأخذها، تتقدَّم بها إلى وسط الخشبة كأنَّ  البخور منحتها قوّةً إضافيّةً ساحرة.   

نسمع همس الشَّخصيّة :-

نشوان.. نشوان .. نشوان 

أينَ أنتَ؟  

نشوان .. أعدني ذلك الفلَّاح، يحرثُ دونَ كللٍ ولا مللٍ وينشدُ الأهازيجَ 

ساعدني، انقذ عصافيري  وحماماتي المسكينات 

نشوان صدْ عنَّا هذا الضَّجيج 

ساعدني كي أرفعَ علمنا الموحَّد فوقَ السَّواري بقممِ الجبالِ والسُّهولِ

نسمعُ صوتَ ركضٍ ولهثاتٍ، شخصٌ يركضُ 

ثمَّ نسمعُ صوتَ الرِّيحِ ثمَّ سقوطَ المطرِ 

العديد من الموثّرات تخلق حالة من القلق، وكأنّنا ننتظر حدثاً مهمَّاً.   

 تنقشعُ الظّلمةُ أكثر في عمقِ المسرحِ وعدّةِ جوانب، يظهر معطف الشَّخصية على جذعِ شجرةٍ  وكنَّا شاهدنا هذا المعطف على كرسي من قبل.

يعاودُ الشُّعورَ بالبردِ ويرتعدِ جسدُهُ مع قلِّةِ البخورِ المتصاعدِ، ينظرُ إلى المعطفِ، يتَّجهُ إليه بخطواتٍ مسرعةٍ رغمَ الألم إلى أن يصلَ إليه يأخذه ويترك البطانيّة الّتي كان يتدثَّرُ بها وكذلك المبخرة، يلبس المعطف، يشعرُ بالدِّفء، يبتهج قليلاً، يتأمَّل جذع الشّجرة ثمَّ يأخذُهُ بحنانٍ ويحافظُ على المبخرةِ، كأنّه يتعاملُ مع جسدٍ يحاولُ منحه القداسة بتبخيرهِ، يسير بالجذع خطوات.

تتعامل الشخصية مع الجذعِ كشخصيّةٍ مساندةٍ وصديقةٍ، كأنَّها شخصيّة نشوان الَّتي تمَّ ترديدها قبل لحظات، بحيث تسعى الشَّخصيّة عبر تعاملها معَ ألذع توليدٍ، نوعاً من الإيهامِ والحلم بشخصية نشوان.

يكون مرتبكاً وخائفا لا يدري إلى أيّة جهةٍ يسير، يخطو خطوات إلى الأمام يميناً ثمَّ يساراً، يتوقَّف يعاودُ  المشي إلى أن يستقرَّ يسار مقدِّمة الخشبة، وهو يحمل الجذع، تارةً يكونُ الجذعُ على اليمينِ وتارةً على اليسارِ، تارةً يختفي البطلُ خلفَ الجذعِ وتارةً يجعله خلفه كمَن يخافُ عليه ويظلُّ التَّعامل مع الجذعِ بطرقٍ متعدِّدة تمنحُهُ الأهمّيّة والقوّة خلال  حديث البطل، وتتحوّل هذه الأداة لشخصيّة فاعلة، تأخذ عدّة أدوار.

يهمس فينا :-

الأشجار عاريةٌ ليس بسببِ الشّتاء ولا قدوم الثَّلج 

كان يمكنها أن تظلَّ واقفةً متحدِّيةً البرد والصَّقيع 

هنالك أشجار ماتزال واقفة ومثمرة من عصور قديمة وكانت ستظلُّ تعطينا البهجة  

الأشجار في بلادي مثل البشر 

الكلُّ يموتُ من القصفِ والحريقِ والدُّخان 

الكلُّ أصبحَ عارياً، مريضاً، مجهداً وحزيناً 

رأيتُ أمِّي تبكي 

سألتُها 

هنا يضع الجذع  يحاول جعله واقفاً، يضعه على الأرضيّة، يذهب يحضر طاولة يضعه عليه برفق 

يعاودُ الحديثَ إلى أمِّهِ وتستمرُّ العلاقة مع الجذعِ كأنَّها شخصيّة الأمِّ:-

سألتُك يا أمِّي  

يكفي حزناً وبكاءً 

قالت فقدتُ أخي، وفقدنا أخاكَ وجارنا البقال ومغسِّل الموتى .

عدَّدتِ العشراتُ كلَّ يومٍ هنا يوجدُ موتٌ، وقد يدفنون بلا غسلٍ ولا كفنٍ، بلا وضوءٍ لأطرافهم ودون تمشيط شعرهم ودونَ سكبِ العطرِ والمسك على أكفانهم  ودون بخور، ببساطة هم فقدوا معظم اطرافهم، جماجم مهشَّمة ودامية وأكلت النَّار وجوههم. 

كانوا طيّبين وهم مساكين لا يعرفون السِّياسة ولا يسمعون نشرات الأخبار ولا يمتلكون بطاقات حزبيّة.  

كانوا يمتلكون قلوباً طاهرة وأحلاماً بسيطة جدَّاً 

لم يكونوا شرهين في الأكلِ ولا حتّى الأحلام

يتوقَّفُ عن الكلامِ، يصمتُ.  

هنا تسقطُ عدَّة كتبٍ كأنّها سقطَتْ من السَّقفِ، تهتزُّ الشَّخصيّةُ لهذا الحدثِ، تهرعُ نحوَ الكتبِ، تلتقطُها، تضمُّها إلى صدرِها، تتصفَّحها، تتوقَّف الشَّخصيّة كأنّها ستلقي نصَّاً لكن تعابير الوجه تكون مختلفة كأنّنا مع شاعرٍ أعمى

  تهمس فينا:-

وقف الشَّاعر اليمني عبدالله البردوني في مهرجانِ المربدِ، يصوِّرُ حالنا كأنّه الآن معنا.. نعم هو معنا

 تتقمَّصُ شخصيّة البردوني بضحكته السَّاخرة، يظلُّ يضمُّ الكتبَ لصدرِهِ

 ثمَّ يتقدمُ بحذرٍ شديدٍ، ملقياً جزءاً من قصيدةِ أبو تمّام  مبتدِئاً بمقطع 

ماذا أُحدِّث عن صنعاء يا أبتي

 بعد نهاية الإلقاء، يكونُ الخروج من شخصيّة البردوني والعودة للشخصيّة

 تمرُّ لحظات صمت وسكون

 تتّجه الشَّخصيَّةُ لشربِ بعض الماءِ، تشعلُ سيجارة تستمتعُ بلحظاتِ التَّدخينِ، تضعُ الكتبَ.

تعودُ لتأمُّل المكانِ، ينظرُ البطلُ إلى نفسِهِ ، يتراجع الى الوراءِ ثمَّ يتَّجه إلى العمقِ كأنَّه يبحثُ عن شيءٍ، يتوقَّف أمامَ كرسيٍّ عليه بنطاله، يأخذه يلبسه، يجدُ سطلاً، طست ماء يضعه على طاولة ويمسح وجهه، يصلح من شأنه، يجد منشفة ينشِّف وجهه يزيل الدّم ويمشِّط شعره .

يتقدَّم أكثر، يصبح أكثر أناقةً، يجدُ دفتراً، يمسكه، يتصفَّحه، ثمَّ يجدُ جهاز راديو صغير، يمسكُهُ يتفقَّدُهُ ويحاولُ تشغيلهُ.  

يسمعُ صوتَ زقزقة عصافير وخرير الماء 

ينظرُ إلى الأعلى، يستمرُّ بالبحثِ عن مصدرِ الصَّوتِ  

يتوقَّفُ مدركاً أنَّ ذلكَ ربّما حلم 

يسمعُ صوتَ ضجيج حافلات 

يبتسمُ، كأنَّهُ يشمُّ هواءً عليلاً،  

يدندنُ بأغنيةٍ شعبيّة  

يعودُ للحديث :ـ

كأني سمعتُ صوتَ الهدهدِ، هل مايزالُ يتلصَّصُ، بلقيس افتحي كلَّ النَّوافذ، أرقصي بكلِّ الحدائقِ والجنّاتِ، أرقصي فجنودك أقوياء، بلقيس قالت لا للحربِ، لا أريدُ أن أفسدَ أحلامكم سيظل الماء يتدفَّقُ من ألفِ سدٍّ وسدٍّ، وستظلُّ الشَّمسُ تشرقُ كلَّ الصَّباح ضاحكةً ورقيقةً  والأرضُ تنبتُ الخيرات، النَّحل لا يخافُ الدَّبابير المتوحِّشة والعصافيرُ تغنِّي مع لحنِ السَّلام.

يبدو كمَن تذكَّرَ شيئاً، يتحرَّكُ وهو يبحثُ بنظرِهِ إلى الأعلى موجِّهاً عدَّة أسئلةٍ للجمهورِ:

ماذا عن عصافيري والحمام؟ هل وجدوا متَّسعاً في السَّماءِ؟ هل رآهم أحدكم؟ هل ماتزال لهم قوّة وأجنحة يمكنُها أن تقلّهم إلى حديقةٍ خضراء ولو حديقة صغيرة؟ هذا طعامهم لكن كيف يمكنُني أن أصلَ إلى السَّطح؟ 

يتحرَّك كمَنْ يبحثُ عن مخرجٍ، بعدَ عدَّةِ محاولاتٍ يتوقَّف، يتسمَّرُ في مكانِهِ.

هنا تتدحرجُ صخرةً أخرى من يمينِ المسرحِ، يظلُّ مُشاهداً لبعضِ الوقتِ، يضعُ الرَّاديو قرب جذع الشَّجرة ثمَّ يتّجه نحوَ الصَّخرةِ، يأخذها ويضعها فوق الأحجارِ الَّتي بدأت تتشكَّل كعمودٍ، يأخذُ أنفاساً

هنا نسمعُ مؤَثَّراتٍ صوتيّةً مختلفةَ الرِّيح، المطرِ 

يكونُ صوتُ المطرِ كالمحفزِ والمنشِّطِ جسديَّاً ولذلك ذاكرة الشَّخصيّة وتتفاعل معَ المؤثّر الصَّوتي للمطرِ

 حيثُ يتحرَّك يأخذُ دلواً ويتحرَّكُ كأنَّها تتلقَّفُ للمطرِ بحيثُ يحاولُ جعلنا نشعرُ ونتفاعلُ معِ شعورِهِ وليسَ مجرَّد مؤثَّرا صوتيا لا قيمة له 

يردد وهو ممسكٌ بالدلوِ، يتحرَّك بحرِّيّة ويمزجُ حركته بالرّقصِ خلالَ هذيانِهِ:ـ

 مطر، مطر، مطر، مطر

بينما أنا وأنت نسرعُ إلى موقفِ الحافلة 

كانتِ السُّحبُ تلهو في الاعلى 

ضحكَتِ الشَّمسُ هذا الصَّباح 

ظهرَ صدرها مغرياً 

تلاشت كل قطرات النّدى  

نسمعُ صوتَ المآذنِ وضجيجَ الأسواقِ

يدٌ بيدٍ لنكمَّلَ طريقنا إلى أقربِ سوقٍ

فجاةً .. تركضُ الرِّيحُ نحونا

تدفعُ أحلامنا الصَّغيرة 

تعصرُها ثمَّ تقذفُ بها بعيداً

قبلَ الغروبِ 

تتدحرجُ عاصفةٌ جديدةٌ من رحمِ السَّماءِ

ينسكبُ الضَّوءُ معَ ألوانٍ، ..

أقولُ النَّهار يلتهمها، ومعطفُ اللَّيلِ الرَّماديِّ

تحتلُ الظُّلمة نصفَ العالمِ 

أخاف رعدَ ليلةٍ غاضبةٍ

تنبتُ أوَّل صورةٍ من قصيدةٍ  بلا قافيةٍ 

تتمرَّدُ على المعنى 

رَغمَ ذلكَ تفضحني 

أرتعدُ 

هنا تتغيَّرُ ملامحُ وجهِهِ، يبدو كمَن نسيَ النَّصَّ أو فقدَ ذاكرتَهُ لبرهةٍ من الزَّمنِ.   

يعودُ إلى مكان الجذعِ، يحرِّك الطَّاولة هنا وهناك باذلاً جهداً، بحيثُ لا يقعُ الجذعُ، يختارُ طاولةً مستطيلةً تتحوَّلُ في يدِهِ شبيهةً بسريرِ اسعافٍ، يضعُ فوقَها الجذعَ. 

يتوقَّف، يلامسُ الجذعَ ويحنو عليه، يضعُ المبخرةَ جانباً، هنا تأتي صخرةٌ أخرى من يسارِ المسرحِ، تتدحرجُ، يتَّجه إليها، يأخذُها، يضعُها فوقَ الصُّخور المتراصَّةِ، يتأمَّلها، يأخذُ نفساً عميقاً وكأنّها إستراحة.

يعودُ يمسكُ بجهازِ الرَّاديو، يحاول تشغيله، مرَّةً تلو مرّة، إلى أن يسمعَ أشبه بوشوشةٍ متقطِّعةٍ. ثمَّ يسمعُ مقطعاً من أغنيةِ نشوان للفنَّان محمّد مرشد ناجي.

تكون الأغنية كأنها رسالة ذات محتوى روحي، يتفاعلُ معها رقصاً وترديداً لاسم نشوان، يراقصُ جذعَ الشَّجرةِ ليعزِّزَ العلاقةَ اكثر وخلق لوحات مبهرة، ويقومَ بترتيبِ بعض الفوضى الموجودة بالمسرحِ، معَ نهايةِ الأغنيةِ يعودُ قربَ الجذعِ والعمودِ والدَّائرةِ الغريبةِ المرسومةِ على أرضيّةِ المسرحِ، تعطي الإضاءةُ قوَّةً خاصَّةً لهذا المكانِ المهمِّ من الخشبةِ 

يعود ليهذي :ـ  

يُخيَّلُ لي أنَّ السَّماءَ سقفٌ من الصَّفيحِ القديمَ 

ماذا لو تناثرَتْ بلكمةٍ مِنَ الرِّيحِ  

ماذا يوجدُ فوقها؟

هل يعلمُ الموتُ أنَّ الحربَ أكلَتْ أرواحنا؟

مَنْ سيرمِّمُ كل هذا الوجعِ ؟

قبلةٌ منكَ تبعثُ في القلبِ المسرّاتِ 

ثمَّ عناقاتٌ في بحورٍ من البخورِ اليمانيّةِ  

الحربُ لم تنتهِ 

يتقنُ الموتُ لعبتَهُ القاسية 

يبدِّلُ أقنعتَهُ ويتركُ معطفَهُ الشّتويِّ على المشجبِ 

إنَّها الفوضى هنا 

تحتلُّ قناني النَّبيذِ جزءاً مِنَ المكانِ  

يصعبُ أن أجد نهايةً لقصيدةٍ  

يحجبُ الضَّبابُ الكثيرَ من ذكرياتِ العشقِ

هنالكَ   

تنمو اليرقاتُ ويتكاثرُ الدُّودُ في بطونِ الموتى.

يتحرَّكُ في حركاتٍ عشوائيّةٍ بالطَّاولةِ، عليها الجذعُ، وقربَ الدَّائرةِ الغريبةِ يسقطُ الجذعُ، يتوقَّفُ مذهولاً.

تخرجُ منهُ آهاتٌ ثمَّ صرخةٌ، ينجذبُ إلى الدَّائرةِ، يحاولٌ الصُّمودَ، يصارعُ محاولاً عدم الإنجرارِ لهذهِ الدَّائرةِ، بعدَ صراعٍ مريرٍ، يقعُ في الدّائرةِ، يتجمَّدُ وسطَها.

يخفُتُ الضَّوءُ بالتَّدريجِ  

ثمَّ ظلامٌ تام

المشهد الأخير 

خلال الظَّلام التَّام نسمعُ  صوت طفل يبكي، ثمَّ ٱصوات عدّة لعدَّةِ أطفالٍ، ثمَّ صوت طرقات مطرقة، يمتزجُ الصَّوتان ثمَّ نباحُ كلابٍ، تمتزجُ كلّ الأصواتِ معَ بعضِها بشكلٍ يمكنُنا تميُّزها ثمَّ نسمعُها بشكلٍ فوضوي ويغلبُ أخيراً نباحُ الكلابِ ثمَّ صوتُ تغريدِ الحمامِ.

يظهرُ الضَّوءُ في بقاعٍ مختلفةٍ من الخشبةِ ولا تظهرُ الشَّخصيَّةُ، يكونُ الضَّوءُ في شكلِ بُقَعٍ بعدَّةٍ ألوانٍ مختلفةٍ، ثمَّ تسودُ المسرحَ إضاءةٌ تجعلُ الرُّؤيةَ أكثرَ وضوحاً.

تظهرُ الشَّخصيَّةُ داخل الدَّائرة، لكن قيداً من الحبال يقيّد قدميها، تنهضُ بصعوبةٍ، تخوضُ صراعاً ثمَّ تستطيعُ الإفلاتَ من الدَّائرةِ إلى جهةِ العمودِ والَّذي يبدو أكثر وضوحاً، تشعرُ بالرَّاحةِ، تأخذُ عدّةَ أنفاسٍ. 

نسمعٌ آهاتِ ألمٍ ثمَّ ضحكاً

 ثمَّ خفوتاً للضوءٍ مرَّة أخرى.

[ تظلُّ الخشبةُ شبهَ معتمة لبعضِ الوقتِ، نسمعُ سقوطَ  أشياءٍ في عمقِ المسرحِ معَ عودةِ الضَّوءِ والَّذي لا يكون كافياً لرؤيةٍ واضحةٍ، تتحرَّك الشَّخصيّةُ بحذرٍ، تجدُ مصباحاً يدويَّاً، تنجحُ في اشعالِهِ بعدَ عدَّةِ محاولاتٍ وتستخدمُهُ في انتاجِ ضوءٍ، تكونُ الحركةُ مضطربةً كأنَّنا معَ دخلاءٍ يتربَّصونَ بالشَّخصيّةِ الَّتي تعودُ في حالةِ ذهولٍ، تتجهُ وجهها نظرها على المكانِ حيثُ تبعثرَتْ بعضُ الكتبِ، من جهةِ اليمينِ المظلمِ يتدحرجُ برميلٌ بلاستيكيٌّ إلى وسطِ المسرحٍ، حيثُ الفوضى تعصفُ بالمكان.

خلال حركتها تعثرُ الشَّخصيّةُ على مصباحٍ يدويٍّ ثانٍ، تلتقطه، تحاولُ اشعاله، بعدَ محاولاتٍ عديدةٍ تفلحُ في اشعالِهِ، وهنا نجدُ استخدامات ضوءِ المصباحَين كسلاحٍ للدفاعِ عَنِ النَّفسِ، الحركةُ حذرةٌ، متوتِّرةٌ وقلقةٌ. 

تصرخُ الشَّخصيَّةُ، صوتُها يبدو قلقاً ممزوجاً بالخوفِ ثمَّ تتغلَّبُ على خوفِها

مَنْ هناكَ، ماذا تريدون أكثر من هذا؟ سنواتٌ من الظّلمةِ والحريقِ والالمِ، ماتزالونَ تتربَّصونَ وتُعيدونَ بنا الضّجيج والفوضى، لبستم كلَّ الاقنعة، مثَّلتم كلَّ الأدوارِ، فعلتم بتوحُّشٍ ما لم يفعلْهُ أي عدوٍّ أو غازٍ.ٍ

تحرِّكُ الشَّخصيَّةَ ضوءَ المصباحينِ في ظلِّ التَّلاعبِ بالضَّوءِ الَّذي يعصفُ بالمكانِ. 

نسمعُ صوتَ عواصف وعدَّةِ مؤثراتٍ طبيعيةٍ. 

ثمَّ صمتٌ كاملٌ

 يستقرُّ الضَّوءُ، نوعاً ما نرى الشَّخصيَّةَ تضعُ أحدَ المصابيحِ وتحتفظُ بالثَّاني رَغمَ وضوحِ الرُّؤيةِ، تتَّجهُ نحوَ البرميلِ، تصلُ إليهِ، تركلُهُ وتتحرَّكُ معهُ، تتركُهُ، كمَن تبحثُ عن شيءٍ، تجدُ عدَّةَ شموعٍ، تأخذُها، تسيرُ نحوَ الجذعِ الموجودِ على الأرضيّةِ، تقيمُهُ، تشعلُ عدَّةَ شموعٍ وتضعُها فوقَهُ، تهطلُ هالةُ ضوءٍ لترسمَ لوحةً بديعةً. 

تغنِّي الشَّخصيّةُ مقطعاً من أغنيةٍ يمنيّةٍ تتغنَّى في الأرضِ. 

تتفاعلُ خلالَ الغناءِ وفي حركاتٍ جسديَّةٍ أكثر ديناميكيَّةً تقومُ بترتيبِ المكانِ.

معَ نهايةِ الأغنيةِ يكونُ المكانُ أقلَّ فوضى. 

تعودُ الشَّخصيَّةُ لتأمُّلِ المكانِ وكأنَّها تريدُ أنْ تستكشفَهُ أكثر، تركضُ في جوانبِهٍ تصلُ إلى مقدِّمة المسرحِ، 

تعودُ للحديثِ :ـ  

 كاسرةً الجدارَ الرَّابعَ، موجِّهةً كلاماً للجمهور وتكون متفاعلةً معهم. 

تسألوني من أنتَ؟ ما حكايتُكَ؟ ما هذا المكان؟ ماذا تريدُ أن تقولَ؟

الآن لا أتذكَّرُ أشياءً كثيرة، ربَّما فقدْتُ الذَّاكرة، أحاول أن أتذكَّرَ، سأبذلُ جهدي كي أتذكَّر، ربَّما شاهدتم وجهي في صورِ المفقودينَ! ربَّما ضاعت بطاقتي المدنيّة. 

خلال هذه اللَّحظات يفتِّش جيوبه

لا يعثرُ على شيءٍ

يصمتُ للحظاتٍ 

تسودُ العتمةُ عمقَ وجوانبَ الخشبةِ 

تعودُ الشَّخصيّةُ للكلامِ 

أتذكَّر كنتُ تلميذاً، نعم أتذكَّرُ الآن نصَّاً وحكايةً

تريدونَ أن تسمعونَها 

يا عم يا عثمان يا بايع الرّمّان 

زمانك الوردي، أحلى من التمر 

تتغنّى بها عدّةَ مرّاتٍ بتلويناتٍ طفوليّةٍ

تتوقَّفُ عن التَّغنِّي بالنَّصِّ 

تصمتُ للحظاتٍ ثمَّ الكلامُ بجدِّيَّةٍ 

نعم ..  لا يهمُّ، المهمُّ أنِّي كنتُ طفلاً، أقفُ في طابورِ الصَّباحِ وأحيي العلمَ. 

المهمُّ أن يأكلَ أطفالُنا رمَّانًا ورديَّا وتفَّاحاً وعنباً، أن تشربَ أمَّهاتُنا وجدَّاتُنا قهوةَ القشرِ معَ حوايجِ القهوةِ والعيشش البلديِّ. 

أن نذهبَ إلى الحقولِ والشَّواطِئِ بسلامٍ 

أن لا يكونَ أي شيء ملوَّثاً بالفوسفورِ ولا نخافُ من انفجارِ عبوةٍ ونحنُ نركضُ، أن يكونَ وطنُنا خالياً مِنَ الخوفِ والجوعِ وأن ننامَ ونحلمَ بحرِّيَة 

أن نعشقَ ونغنِّيَ ونرقصَ ونصلِّيَ

دعونا نحلمُ بأنَّنا بشرٌ

أنتم أجيبوني، لماذا تحدثُ الفوضى هنا؟  

ارحلوا

أتذكَّرُ الآن بعضَ الأشياءِ 

يتهلَّل وجهُهُ فرحاً، يرقصُ. 

كانَ لي أصدقاءٌ، كانَت لي عشيقةٌ، أمٌّ وإخوةٌ وأخواتٌ ووطنٌ. 

قريتي الرِّيفيّة، ناسها الطَّيبين، حقولها وأشجارُها، مراعيها وساحلها والجبلُ يطلُّ من بعيدٍ ويكون جميلاً بلباسِهِ وسحرِهِ بعدَ المطرِ 

الأصدقاءُ أينَ ذهبوا؟

تفتِّشُ مرَّةً أخرى جوانب المسرح باحثةً عن الأصدقاءِ

خلالَ البحثِ تعثرُ على عدَّةِ لوحاتٍ ودفاتر

تكونُ فرحةً 

تتصاعدُ موسيقى تترجمُ الحالة المشهديّة 

تعثرُ الشَّخصيّة على عدَّةِ حوامل للوحاتِ التّشكيليّة وتستمرُّ في ترتيبِ عرضٍ تشكيليٍّ  ممتعٍ. 

تعودُ للحديثِ :ـ 

تذكَّرْتُ كنَّا نكتبُ ونرسمُ، نعطي ونحلمُ، نعم كنّا نحلمُ بالألوانِ والرَّبيعِ، بالشَّمسِ تخرجُ عاريةً، تلوِّحُ للريحِ،  يرقصُ الموجُ، يغنِّي جبل نقم ويركضُ لمصافحةِ جبل عيبان، تخلعُ أشجارُ دمِ الآخرين قطرات النَّدى  تتفاخرُ بألوانِها وفساتينها. القصيرة  والنّخل باسقات ينتظرْنَ مريم وساعة المخاضِ والشَّواطىءُ تنتظرُ. يونس وقدْ فرشَت سقيفة من ورقِ شجرِ اليقطينِ. 

أتذكَّر كانت ناقة الله الَّتي وهبّها لصالح، تأكلُ الذُّرة وتشربُ من كلِّ الوديانِ. 

كان حمار عزيز هنا يحملُ حزمةً من حطبٍ لأهلِ الكهفِ ليفيقوا من سباتِهم العميقِ وكانَ وجهُ يوسف مرسوماً على واجهةِ المدنِ وسفينةِ نوحٍ ماتزالُ هناكَ على قمَّةِ جبلٍ شاهقٍ.

تذكَّرْتُ الآن أنِّي  كنتُ أبحثُ عن أحلامي الخجولةِ وتكتبُ لعشيقةٍ. طالَ غيابُها .. الأصدقاءُ أين ذهبتم؟ 

الأرض والحكاياتُ ودعاءُ الجدَّاتِ وسقفُ السَّماءِ؟

لا أرى أحداً هنا، أشعرُ بالعطشِ 

تردِّدُها عدّةَ مرَّاتٍ

 تركضُ بشكلٍ غير محدَّدٍ، تجدُ زجاجةَ ويسكي، تأخذُها، ترتشفُ الجرعةَ الأولى، نرى ردَّةَ فعلِ لذعةِ الخمرِ، تستمرُّ بالشّربِ، تظهرُ تأثيرُ الخمرةِ، تتحرَّكُ بشكلٍ غير متوازن، تتنوَّعُ ردَّةُ الفعلِ معَ هذيانِ وبعضِ النِّكَتِ، تحكيها للجمهورِ. 

 تكادُ تفقدُ الشَّخصيَّةُ توازنَها بقربِ الدَّائرةِ، لكنَّها لا تقعُ، كون الفعل متنوِّعا والشَّخصيّة أكثر خفّة رغم القيد، ترمي بالزّجاجةِ، تتدحرجُ حجرة من الكواليسِ، تتَّجه نحوها، تأخذُها وتضعُها على العمودِ ليتمَّ، والّذي يكادُ أن يكتمل.

يخفتُ الضَّوءَ للحظاتٍ

 يعودُ ليستخدمَ المصباحَ اليدويَّ على وجهِهِ وهو مايزالُ في حالةِ نشوةٍ.

خفوت للضوء للحظات ينقلنا لحالة أخرى

تظهرُ الشَّخصيّة تتحرَّك قليلاً تقوم بتحريك برميل بلاستيكي يوجد وسط المسرح، ثمَّ تعودُ إلى حالتِها الأولى حيث الشُّعور بالبرد، تحرّكَ البرميل مرّة أخرى كأنّه لعبة، أحياناً يكون تحريك البرميل سهلاً وأحياناً يكون صعباً، يزدادُ الشُّعور بالبردِ رغم حركةِ الشَّخصيّة وتعاملها معَ البرميلِ وكأنّها تبحثُ لهُ عن موضع ومكان مناسب، يتحوَّل البرميل لدلالات متعدّدة ومع وصوله لوسط الخشبة، تعجز الشّخصيّة عن تحريكه. يزداد الشُّعور بالبردِ تلتقطُ البطانيّة تحاول أن تلتحف البطانيّة لكنَّ قدميها المقيّدة بحبل تجعل حركتها صعبة. 

تحاول الشَّخصيّة التَّخلُّص من الحبل، لكنّها تعجز، تسقطُ، تحاول الوقوف، تستطيعُ الوقوفَ والمشي قليلاً وتتّجه إلى طاولةٍ عليها دفاتر وكتب عديدة، تمسكُ بها تقلّبها، ثمّة فرح يبدو على وجهها. 

 تعود للهذيان مخاطبة الجمهور ومتخيّلة الحبيبة :ـ 

لا تهتمون بالحكاية، الحكاية وحدها لا تخلق المعنى، لكلِّ منّا حكاية وأسرار ولكلِّ منا ألم وفراق ولكلِّ منّا أغنية يعشقها ورقصة يجيدها وحبال تقيّده. 

تفحَّصوا أقدامكم وأياديكم، ربَّما تشعرون بالقيود الآن أو غداً.

أنتِ أيضاً فضلتِ البعد والهجر، أتذكَّر الآنَ أنّي كنتُ عاشقاً 

أتذكَّر أنِّي كنتُ شاعراً

 

تضحكُ الشَّخصيّة

نسمعُ تغريدَ الحمامِ وعدّةَ مؤثَّراتٍ طبيعيّةٍ للريحِ والمطرِ 

تتعايشُ الشَّخصيّةُ معَ المؤثَّراتِ، تتَّجهُ للبحثِ عن السّطلِ، تجده، تأخذه، تجمع بعض العيدان تجدها بعمق المسرح، تضعها بالسّطل، تتقدّم لمقدِّمةِ الخشبة، تشعلُ العيدان، تشعر بالدِّفءِ

 تعودُ للهذيانِ:ـ 

لا يُكتبُ في خانة المهن أن تكونَ عاشقاً، شاعراً أو كاتباً أو حالماً 

كنتَ طفلاً، هذا كل ما يهمُّني 

لا أريدُ إلَّا القليل من الحلمِ 

أنتم أيضاً بحاجة إلى بعضِ الأحلامِ 

بعضِ الدِّفء 

أن تكون عصافيري وحماماتي بخير 

ربّما هي بحاجة لبعضِ الدِّفءِ

تتحرَّك الشَّخصيّة تقلِّب في الدَّفاتر باهتمامٍ، ويظهرُ الفرح عليها، تأخذ أحد الدَّفاتر وتبدأ بالقراءةِ بصوتٍ متنوِّعٍ ومعَ قراءَتِها للنصِّ تكونُ أكثر قرباً للجمهورِ بحركةٍ متحرِّرةْ، تكسرُ الجذع الرّابع وتتحرّك خارج الخشبة موزّعة منشورات وقصاصات النّصوص.

 تعودُ للهذيانِ:ـ

كنّا نكتب وسنظلُّ نكتب ونحلم

رغم ثقل القيود إلّا أنَّ الشَّخصيّة تبدو أكثر صموداً وثقة في نفسها وتبدأ بقراءة قصيدة وخلال القراءة تنتقل وتتفاعل مع الكلمات الشَّخصيّة 

في أوّل صباح من عام جديد

تختفي الشَّمس الكسولة 

وحدهم الأطفال يستيقظون باكراً 

يحلمون بيوم مفرح  

يغنون للبحر البعيد

ينهض الطّفل المجنون في داخلي 

يرسم وجهك مع دخان أوّل سيجارة

تنتجُ الشَّخصية من الأدواتِ الموجودة مؤثّرات صوتيّة عديدة مع عودتها على الخشبة، بحيثُ يكون النّص حيَّاً وجزءاً من الفعل المسرحي، كثيراً ما تعود الشَّخصيّة للذهول 

يعودُ للحديث :ـ

أسمع صوتك مع أول رشفة من قهوتي 

مقياس السّكر بحدود واحد 

لكنّي لن أضيف السُّكر إليها 

لمرارةِ القهوةِ مذاقٌ فريدٌ 

كذلك الشَّاي والكعك 

لا أحتمل فقط مرارة الفراقات الطَّويلة

تمنَّيتُ أن تنتهي الحرب 

أن يحملُ الموتُ كل أدواته العنيفة 

لا بأس أن نموت ونحن نبتسم 

موجعُ هوَ الموتُ عندنا لا يكونُ صديقاً 

متعبٌ هو الألمُ 

لستُ ضدَّ الموتِ 

لم أكرهه يوماً 

لا أخافهُ أبداً 

ما أخافه هو الوجعُ

ما أخشاه ألّا يحملَ الموتُ أدواته الرَّحيمة 

قلتُ له كن صديقي 

سأكتبُ فيكَ شعراً 

الكثيرُ من المديحِ 

فقط أن تحملَ قناعاً ملوّناً 

أجنحةً بيضاء 

أن تكونَ ملاكاً رحيماً 

اجعل وجهي أنيقاً ومشرقاً 

كعريسٍ يُزفُّ إلى محبوبتِهِ 

كعاشقٍ وشاعرٍ

معَ نهايةِ النَّص يخفتُ الضَّوء، نسمعُ ضجيجاً وموثراتٍ صوتيّةً عديدةً للريحِ ثمَّ المطرِ. 

يتحوَّل صوتُ المطرِ لعاملٍ ايجابي، يعطي الشَّخصيّة قوةً أكثر، ولا يصبح القيد عائقاً، تتدحرج صخرة من يسار المسرح، تكون الشّخصيّة منتبهةً وتتعاملُ معها بأخذها ووضعها لتشكيلِ العمودِ، ثمَّ تتحرَّك حيث ترتِّب بعض الفوضى ويكون بالمسرح عدّة لوحات وقوائم للعرض، تباشر بعمل معرض تشكيلي من هذه اللّوحات.

تتّجه الشَّخصيّة نحو البرميلِ تركله بعنفٍ رغمَ القيودِ. 

يتدحرج إلى جهة اليسار ثمَّ يختفي.

تجد مكنسة، تأخذها، تكنِّس التُّراب، تجمعه، تركض هنا وهناك، تجد كأس نبيذ، فنجان قهوة، وكأس ماء، تأخذها وتجمع التُّراب فيها، تستخرج من جيبها بعض الحبوب وهنا ندرك أنَّ الشّخصيّة تحاول زراعة هذه الحبوب، تستقرُّ قرب العمود لتضع الحبوب، تنهض مسرعة للبحث عن الماء، تجد قنينة صغيرة، تعود للقرب من العمود، نراها متفاعلة وسعيدة بزراعة بعض الحبوب ورشِّ بعض الماء، تتأمّل فعلها ونرى نوعاً من الفرح الطّفولي يتمظهر بتعبيرات الوجه وبعض الدّندنات.   

تعود الشَّخصيّة إلى مكان الدَّفاتر تقلِّب فيها ثمّ تتَّجه نحو الجذع  الموجود على طاولةٍ مستطيلةٍ، هنا تتدحرجُ صخرةٌ، تأتي من عمقِ المسرح، تسرع الشَّخصيّة للتعامل معها وأخذها ليكتمل شكل العمود، لكي يكون العمود أكثر صلابة وقوّة، تتحرّك الشّخصيّة بشكل ديناميكي، تجد سطلاً كنّا شاهدناه لجمع حبّات المطر، تتحرَّك لعمقِ المسرحِ، يبدو أنّها وجدت تراباً وماءً، تحرَّك لمقدِّمة الخشبِة وهي سعيدة، تقومُ بعجنِ التُّرابِ والماءِ لتصنع طيناً، نرى حركة عجن الطِّين، تتحرَّكُ نحوَ العمودِ،  تباشرُ بتثبيتِ الحجرِ بالطِّينِ، نكونُ أمام لوحةٍ بديعةٍ تخلقها فعل الشّخصيّة، يكتمل العمود، تتحرّك الشَّخصيّة، تعثر على ألوان بهيجة، تقوم بتلوين العمود.

تحرّك الطَّاولة إلى أمام مقدّمة الخشبة. تشعر بالرّاحة والفرح. تعود للبحث عن أشياءٍ أخرى، تجد أوراقاً ملوَّنةً وأشرطةً ودبّاسة ورق.

تحملُ الأشياء إلى حيثُ الجذع وتنشغل في العناية بالجذع وتلوينه ولصق أوراق وأشرطة ثمَّ تحمله بعناية وكأنَّنا معَ شجرةٍ وارفةِ الأغصانِ. 

تعود إلى الدّفاترِ، تحملُ دفتراً، تبدأ في القراءة وتصاحب القراءة حركة حرّة تفاعليّة بترتيب الفوضى وجعل الأشياء أكثر ترتيباً.

خلال ترتيب الأشياء نرى أنَّ الشَّخصيّة تصطحب جذع الشّجرة كأنّها تتشارك معها في الفعل والإلقاء، يكون للجذع حضوراً مهمّا

يعودُ للحديث :ـ

في اليوم الثّاني من العام الجديد

لم يظهر فخذ الشّمس كاملاً 

فقد أخفت كل مفاتنها  

الحانات وأماكن بيع المشروبات الرُّوحية ماتزال مغلقةً

اضطررت لشراءِ زجاجة نبيذٍ جديدٍ مذاقه رديءٌ جدّاً 

ولذعته قويّةٌ وتأثيره سريعٌ

يتربَّص بي الضَّباب 

يتسلَّق نافذتي 

أمضي ساعاتٍ لمسحِ فيديوهات التَّهنئة الأوتوماتيكيّة 

وكذلك الصُّور الثّقيلة  

أردُّ فقط على الرّسائل الَّتي أشعر بصدقها

وتزداد شراهتي للتدخينِ 

أبعثُ بالدّخان لخلق سمَوات جديدة  

بعض الصَّديقات الافتراضياتِ طلبن المال والهدايا

فاعتذرت منهنَّ وألغيتُ صداقتهنَّ

لقد مضت سنوات من الفراق والبعد 

لستُ متأكدًا إنْ كنتُ قد لبست قبَّعة بابا نويل 

أفتقد ليالينا الفردوسيّة 

وذلك العبث المتهوّر 

كنّا خارج الزّمان والمكان 

كنّا في عمق غياهب اللّذة

أفتقدُ طقوسَكِ الوثنيّةِ والرُّوحيّةِ قبلَ ممارسةِ الحبِّ 

فتأثيراتها ساحرة، أعظم من الفياجرا

ليس من العدل أن تُمحى كل الذّكريات من قلبك 

ليس من العدل أن أظلَّ عاشقًا متيّمًا

بل العدل أن نتقاسم الألم  كما تقاسمنا اللّذة 

والعدل أن تتوزّع أحلام اللِّقاء بيننا 

أكون في خاطرك 

أو لا تكونين في فكري

قسوة الحرب هناك تتعبني 

أكتب عن الحرب وعنك 

وأتالَّم  لموتِ أصدقاء 

وأنساك 

كم أكره الحرب وألعنها 

إنّني أشكر القدر الّذي يجعلني أنساك

وأعتبُ على الموتِ 

إذ بعنفه غير المبرّر 

نسي أن يكون ملاكًا 

خذنا برفقٍ 

أظنُّك تحفظ صلوات قبض الرُّوحِ 

وتحفظُ التَّراتيل

كُنْ رقيقًا وصديقًا 

فالسَّماءُ لم تعُدْ مصدر البهجة 

إنّها تقذف الحمم والقنابل القذرة 

وتسمح لأدوات البشاعة في التَّحليق بحرِّيّة

ولم تصعق ولو بالمصادفة مدمرةً قاسيةً

ولم تشفق على الأطفال الّذين يؤمنون بها 

ولا على الجدَّات اللَّواتي يكثرن من التَّهاليل  ومن الاستغفار 

ويعرفن وجه الله 

لكن يبدو أنّه لا يتذَّكرهنَّ 

أو بسبب الضَّحيج لم تصل كلّ هذه الصَّلوات 

أو لأسباب نعجز عن فهمها 

سيكون هذا العام مختلفًا 

ربّما نستطيع فهم ما يحدث 

وربّما نلتقي 

وقد لا نلتقي 

ويصبح حلم اللِّقاء لإلى العام القادم

إنّ السَّماءَ بحاجةٍ إلى إنقاذٍ وليس الأرض فقط 

على ملكِ الموتِ أن يوقّعَ وثيقةَ رحمةٍ لمن تسحقهم الحرب 

وعليه أن يلتزم بمهنته كملاك

أنا بحاجة لطبيب نفسي 

ولرحلة علاجيّة طويلة 

ووخز بالإبرِ الصِّينيّة

لا أجيد التّزلُّج على الثَّلج ولا على الأمواجِ الغاضبة 

لكنِّي أهوى الرّسم بهم

وبالفحمِ والقطران أيضاً 

إنّ جمالَ اللَّوحة ليس في بياضها وزرقتها فقط

فللسوادِ جمالُهُ 

وللحمرةِ دهشتُها 

إنّي أبحثُ عن الأشياءِ الجيّدة بداخلي 

كلاعب كاراتية يجب أن أكونَ متزنًا في عامٍ قد لا يحمل الكثير من المسرّات.

مع نهايةِ النّصِّ لحظة جمود، تحاول الشَّخصيّة تمزيق قيودها، بعد محاولاتٍ فاشلةٍ تظلُّ القيودُ لكنّها تبدو مرتخيةً وبوسع الشَّخصيِة التَّحرُّك أكثر. 

تسمعُ صوتَ رعدٍ مع مؤثِّراتِ ضوءٍ تُشبهُ البرقَ 

بفرحٍ تضحك الشَّخصيّة وتبدو أكثر سعادةً رغم القيود 

تؤدِّي رقصةً وهي تتعاملُ مع عدَّةِ أدواتٍ كالجذعِ والسَّطلِ والعديدِ من المفردات الموجودة.

يعودُ للكلام :ـ

ستمطر، نعم هذا ما ننتظره ، أن تعودَ السَّماءُ كما كانت تستقبلُ الأرواحَ بفرحٍ وترسلُ المطرَ 

أجدف أجدف القاربَ 

ليساعدني أحدكم على خفضِ الأشرعةِ 

البحرُ عميقٌ جدَّاً 

بيتنا يوجدُ هناك هناك على الشَّاطئِ 

أنا من صيرة، من شبام حضرموت

بيتنا قرب شاطئٍ بجزيرةِ سوقطرة

قرب ميناء المخاء

تنتظرُني زوجتي بابتسامة 

شفتيها تهلِّل الحمدلله على سلامتك، ابتسم أنا أيضاً، أسرعُ لبيع السَّمك وأعود لحضنكِ حبيبتي

حبيبتي يحقُّ لنا أن نرقصَ ونتبادل القبلات ونشير سلاماً يا جبل نقم ووعببان

تستمرُّ الشَّخصيّة في الرّقص متخيّلةً الرَّقصَ معَ الحبيبةِ، هنا تهطلُ من الأعلى عشرات البالونات الملوّنة. تزداد سعادة الشَّخصيّة في لحظةِ حلمٍ خرافيّة. 

تشرقُ إضاءةٌ أكثر وضوحاً كأنّها تلبِّي كل ما تمنّتها الشَّخصيّة، تعود الشَّخصيَّة لعمقِ المسرح سريعاً ثمَّ تتقدَّم لمقدِّمةِ المسرحِ بيدها حمامة جميلة، وبيدها الأخرى عدّة مصابيح يدويّة، تسارع بالهبوطِ كاسرةً الجدارَ الرابعَ توزِّعُ هذه المصابيح على الجمهور، طالبةً منهم إشعالها وتوجيه الضَّوء عليها، هنا تهطلُ بقعةٌ ضوء زرقاء في مقدّمة المسرحِ. كأنَّنا مع مكانٍ وفضاءٍ جديدٍ. تعودُ الشَّخصيَّةُ إلى الخشبةِ متَّجهةً للعمقِ وتعودُ بسلَّمِ معراجٍ صغيرٍ وتعودُ لمقدِّمةِ الخشبةِ، تكونُ فرحةً كثيراً ولمْ يعُدْ للقيدِ أيُّ أثرٍ في إعاقتها، تتعايشُ للحظاتٍ، تمسحُ وتداعبُ أجنحةَ الحمامةِ الّتي منحتها قوَّة وإشراقةِ الوجهِ والرُّوح، كأنَّ كلمات الفرحِ أكثر صعوبة من عباراتِ الخوفِ والحزنِ، كأنَّ هذه الشَّخصيّة تعانقُ السَّماءَ أو تقفُ على هرمة موجةٍ زرقاء.

صوتُ تغريدِ الحمامِ 

لا أدري كم زمن مكثت في الأسفل، هأنا الآن فوق السَّطح، أعانق السَّماء وأركب أحصنة الموج.

يمكنهم الآن قتلي وجهاً لوجهٍ وليس غدراً.

نشوان .. نشوان أنتَ فينا. خذ يدي وأيادي الرَّيح وأجنحةِ الحمامِ والعصافيرِ، لنبني الوطن. مرَّت سبعُ سنواتٍ عجافاً، لكن قمم الجبال ماتزالُ تورقُ الخضرةَ وتفوحُ بروائحِ البنِّ والرُّمَّان، ماتزال السُّهول والوديان تنبت الياسمين والأغاني، أكاد أسمع أهازيج البحّارة وزغردة النّسوة بمولدٍ جديدٍ، يبتسمُ للسماءِ، يشيرُ بيده للملائكة ضاحكاً والنَّخل تظلِّلُّ مريم، تطعمُها.. نريدُ السلام.. نحبُّ الحياةَ .. بجناح واحدٍ لن تطير حمامتي.. بيدٍ وأحدة لن تصفِّقَ .. بقدمٍ واحدة ستعجزُ عن الرَّقصِ.

تقبِّلُ الشَّخصيّة الحمامة، تحتضنها، تطلقها لترفرفَ.  

النّهاية

أنجز حميد عقبي مجموعة من الأعمال السينمائية والمسرحية ومرفق رابط لمشاهدة  ثلاثية سينمائية القصيدة الشعرية..للمخرج السينمائي اليمني حميد عقبي ثلاثة أفلام بفيديو واحد

https://youtu.be/ozZCSlIlfXc

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى