كل الثقافة

النكبة في الرواية العربية: ثلاث روايات نموذجا

شارك

النكبة في الرواية العربية

   ثلاث روايات نموذجا

“نساء في الجحيم”

“الست زبيدة”

“هناك في شيكاغو”

أ.فاتن محمد علي

 

مقدمة

لا تُذكر القضية الفلسطينية إلا ويتداعى إلى الذهن عدد من الأعمال الروائية المتميزة، التي استطاعت منذ وقتِ مبكر أن تعبر عن القضية بجلاء، وعن أزمة الإنسان الفلسطيني ومأساته بطرقٍ مختلفة ومتعددة.

لا شك أن هناك قائمة كبيرة من الروايات العربية التي تناولت وتتناول القضية الفلسطينية، سواء لكتابٍ فلسطينيين أو عرب أثّرت تلك القضية في وجدانهم وأقضت لفترات طويلة مضاجعهم فرأوا أن يُعبروا عنها، هنا نلقي الضوء على ثلاث روايات تناولت القضية، ما بين اجترار الزمن الماضي قبل النكبة والحنين للعودة اليه، وما بين اولى فصول النكبة وتوحش الصهاينة.

ما قبل النكبة

‏في رواية “نساء فى الجحيم” للكاتبة الجزائرية عائشة بن نور. تجتر البطلة/ايلول، التي نشأت في عكا ذكرياتها هناك مع اسرتها، واقاربها، وجيرانهم، وتصف جمال البلدة، وبساطة العيش مع شجر الزيتون وطائر المحنا فتقول:

‏”كل مساء اخرج الى اعلى الربوة المطلة على ضيعتنا الجميلة ومعي عصفوري طائر المحنا، وتحت شجرة الزيتون الوارفة ظلالها، نلعب ونلهو، استلقي معه على العشب الاخضر، واقطف الزهر والأقحوان، واركض معه في البراري والمروج واجري وراء الماعز. ‏لقد كان عالمنا في مدينة عكا نشطا، وارضها تعج بالفوضى والمرح والطرب احيانا، وبالهدوء احيانا اخرى، سماؤنا وبحرنا وسهلنا وبساتيننا كبساتين الجليل لا مثيل لها.. كنت صغيرة آنذاك ولم تكن لي اي علاقة بالألم…”‏.

‏تذكر الكاتبة الفلسطينية نوال حلاوة في روايتها السيرية “الست زبيدة”. المدينة التي نشأت بها قبل النكبة.‏ تقول البطلة/زبيدة:

‏”ولدت في يافا عروس فلسطين”. وتصفها قائلة:

‏”ساهم جو يافا المعتدل صيفا وشتاء في خصوبة ارضها، وزراعة الفواكه المثمرة، مثل المشمش والتين البحاري القريب من الشواطئ، كانت يافا ارضا خصبة الألوان واطياف الزهور مثل القرنفل والورد والنرجس والفل والياسمين. كان نسيمها يهيم في فضاء يافا، وعبيرها يتموج في سمائها كموج البحر الذي لا يتوقف على الشاطئ، ممزوجا بعطر له رائحة أخاذة؛ عطر زهور البرتقال والليمون، عندما تتفتح زهورهما البيضاء”.

‏وتصف البهجة والطقوس التي كان الاهل يمارسونها، والعيش المستقر الآمن:

‏ “كان اهلونا يأخذوننا في نزهات الى المناطق الكثبانية البكر، في ضواحي مدينتنا الحبيبة، كنا ننطلق بحرية تامة فوق الكثبان الرملية المؤدية الى البحر، كانت حبلى بالكروم التي تتوهج باللون الاصفر تحت اشعة الشمس، الأهل مشغولون بإعداد الشواء”.

‏عرضت الكاتبة الكثير من البهجة والاستقرار في حياتهم ومدينتهم الجميلة قبل النكبة.

‏وفى رواية الكاتبة الفلسطينية هناء عبيد “هناك في شيكاغو” ‏لم تذكر الكاتبة كيف كانت القدس ‏مسقط رأس والدها، لإن بطلة روايتها/نسرين، ولدت بعد النكبة، فقط تشير في جمل متفرقة على لسان الأم، وحين تصف ابيها بالقدس، وتتحسر على ضرورة الحصول على اذن من المحتل لزيارة الاهل بالقدس، وتتمنى ان تقضى عيدا معهم ولا تستطيع.

‏تقول البطلة/نسرين:

‏”عندما كنا نزور جدي وجدتى وبقية اقاربنا في القدس، نقضى اشهر العطلة الصيفية هناك بين الاهل، ونتسامر مع الاطفال من جيلنا، ثم ما نلبث ان نعود الى الاردن عند انتهاء التصريح الذى يسمح لنا بزيارة مدينة مولدنا واجدادنا ..للأسف مرت السنون، وما زال الغضب يطبق على قلوبنا، اذ ما زلنا الى الآن نحتاج الى إذن المغتصبين لدخول ارضنا التي انغرست جذور اجدادنا فيها”.

النكبة

‏تنقل لنا الكاتبة الجزائرية عائشة بنور، النكبة وجرائم الصهاينة من خلال احداث ومشاهد تسردها بطلة رواية “نساء فى الجحيم” فتفرد فصلا كاملا بعنوان النكبة، فتقول البطلة/ايلول تحاور صديقتها التى تُدعى يافا “عام النكبة 1948،عام الحزن او المأساة الانسانية للشعب الفلسطيني، تشريد عدد كبير من الشعب خارج دياره، النكبة هي السنة التي طُردنا فيها مكرهين من بيوتنا وأراضينا، وخسرنا وطنا، لكن ليس الى الابد.

‏وتضيف: “النكبة يا يافا حوًلتنا الى لاجئين ومجانين في مخيمات الضياع، وعشرات المجازر، والفظائع الإجرامية؛ مذابح خان يونس، ودير ياسين، وصبرا وشاتيلا، بيت لحم، وغيرها..”.

‏وفي موضع آخر من الرواية حيث تنطلق من العام الى الخاص تأخذنا ايلول إلى عالم مليء بالحزن والألم والمعاناة جراء التشرد والتهجير وما رافقه من فقدان للعائلة والأحبة والحنين الدائم للعودة الى الوطن السليب. نتعرف فيها على مأساة عائلتها التي قٌصِف بيتها في عملية تفجير أودت بحياة والديها وأخيها الصغير صابر وتناثر أشلاؤهم وتفحمها ولم يتبق لها سوى ذراع أمها المقطوع وسوارها الذهبي فأستوطن الحزن والألم قلبها وعاشت ما أسمته باللحظة الخرساء، تقول: “كنت أصرخُ وأبكي نائحة.. لا أحد یردُّ على صوتي المبحوح، أفتش عن أمي وأبي وأخي صابر، لم یكترث أحد لصراخي ولنحیبي المفجع، كلھم كانوا مكلومین، مصدومین وانا أحملُ بین یدَ يَّ المرتجفتین ذراع أمي المتفحمة وسوار في المعصم یلمع” وتكمل قائلة: “بيتنا بقایا ركام أسود وأھلي جثث حرقى ومفحمة، احترق أخي صابر ابن الأربعة أشھر، رضاعته احترقت ومصاصته التي وضعتھا في فمه قبل خروجي من المنزل لشراء الخبز ذابت والتصقت على شفتیه الجمیلتین”.

تصف الكاتبة نوال حلاوة في روايتها السيرية “الست زبيدة” بداية النكبة جراء القرار المشئوم/وعد بلفور، وبعدما عرضت لنا جمال المدينة، وبهجة الحياة التي عاشتها والاهل والجيران   قبل النكبة، تقول الراوية:

“كل ما كنا فيه من بهجة الحياة الآمنة المستقرة، انكسر فجأة، وذاك عندما اجبرت الظروف القاسية اهلي وشعبي على النزوح من مسقط رأسي يافا عروس فلسطين ونورها، وذلك بعد ان حل الغرباء فيها محل اصحاب الدار، وبقرار عشوائى نُفذ دون تدبر.. تبعته مجازر سوداء في حق الابرياء، فكان التشرد واللجوء والعيش البائس في المخيمات”.

“هذا القرار الظالم تسبب في تشريد شعب بكامله”

وفى موضع آخر فى نفس السياق تضيف:

“الصهاينة ارادوها ارضا دون شعب، وحققوا ما ارادوا بهجمات العصابات الصهيونية الشرسة التي اقتلعت الفلاحين البسطاء من قراهم بالقوة بعد ان رشتهم بمدافع الهاون، وقتل كل من يحاول الدفاع عن قراه، كقرية الطنطورية. كان اهل القرى ينتحبون وهم يشاهدون اشلاء موتاهم.. لم يأخذ من بقي على قيد الحياة شيئا سوى مفاتيح بيوتهم”.

وتنطلق الكاتبة من الوصف العام للتهجير القسري للوصف الخاص بعائلتها وهم يرحلون من يافا فى عربة حُشر فيها عدد من الناس يزيد عن حمولتها حشرا، ثم في باص تنهال عليه القذائف والرصاص من كل ناحية تقول: “كانت امي تغمض عيوننا بأيدينا، من منظر رأس مقطوع  ينزف منه على الارض، كنا نرتجف من الرعب”.

“غادرنا مدينتنا المحبوبة يافا الى الابد بعد نكبة 1948، كانت الهجرة قاسية علينا جميعا والطريق مرعبة ومدافع المورتر والرصاص الذي يقذفون به الفارين”.

الأمل

‏رغم كل ما يمارسه الصهاينة من فظائع كل يوم منذ النكبة وحتى يومنا هذا من دك البيوت على ساكنيها، وقتل واعتقال مئات الشباب المناضل، وما قامت به العصابات الصهيونية من اغتيالات، كان آخرها استهداف الاعلامية الفلسطينية شرين ابو عاقلة، الا ان الامل والاصرار على النصر وتحرير الارض من الصهاينة يزداد كل يوم، ويقين العودة لدى كل لاجئ خارج وطنه.

في رواية “الست زبيدة” تشير الكاتبة نوال حلاوة الى واقعة حقيقية هي، عودة جثمان “د.ابراهيم ابو لغد” وهو أكاديمي فلسطيني أمريكي. كان أستاذًا للعلوم السياسية ورئيسًا لدائرة العلوم السياسية في جامعة نورث ويسترن الأمريكية. اوصى ان يتم دفنه فوق رفات اجداده في يافا مسقط رأسه ومدينة اجداداه، وحقق اصدقاؤه وصيته، بأن اجلسوه على المقعد الخلفي للسيارة واسندوا رأسه كأنه في غفوة، واعمى جنود الحواجز، ومروا به، محققين له حق العودة، رغم انف المغتصب الذي حرم على الفلسطينيين العودة احياء او امواتا، وتعلق الساردة بروح مفعمة بأمل العودة والتحرر: “وكأن تحقيق وصية الميت هي نصر كبير له ولفلسطين، وتأكدت بعدم وجود مستحيل على وجه الارض، طالما هناك حق وراءه مطالب”. وشعب فلسطين المناضل لا يطالب بل يقوم ويتصدى بكل ما اوتى من قوة.

اتطلع كاتبة هذه السطور الى يوم تحرير فلسطين وجلاء آخر صهيونى منها مصحوبا بالعار.. بكفاح وتضحية شعبها الجسور سيتحقق الحلم ان شاء الله.

 

صحفية من مصر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى