مقالات كل العرب

التسوية القادمة بالسودان ووضعية الدعم السريع

د.محمد تورشين

شارك

التسوية القادمة بالسودان ووضعية الدعم السريع

 

 

د.محمد تورشين

عقب استقالة رئيس الوزراء عبدالله حمدوك وانهيار اتفاقه مع القائد العام للجيش السوداني عبدالفتاح البرهان دخلت البلاد في حالة من الاضطرابات والمظاهرات المستمرة والانفلات الأمني من قبل عصابات محلية تسمى تسعة طويلة، فضلاً عن تجدد الاقتتال القبلي في دارفور وكردفان بتورط عناصر من مليشيات الدعم السريع فيه. مسألة لم تكن مستبعدة، نسبة لأن تكوين وتركيبة هذه القوات يطغي عليها الجانب الاثني والقبلي، لذا من السهل استقطابها وانخراطها في الحروب الأهلية.

كما صاحب ذلك استمرار الانقسام والانشطار بين مكونات شرق السودان حول مصير مسار الشرق باتفاقية جوبا، عطفاً على انهيار الأوضاع الاقتصادية وتراجع سعر الجنيه أمام العملات الأجنبية. كل هذه التحديات أجبرت عددا من الجهات لتقديم مبادرات من شأنها التوصل إلى تسوية سياسية تسهم بشكل او بأخر باستكمال الفترة الانتقالية وإجراء بعض الإصلاحات.

ان تشخيص المشكلة هو جزء اساسي من الحل، حيث تعاني كل القطاعات الأمنية والاقتصادية ومؤسسات الخدمة المدنية من الانهيار والهشاشة والتدهور لذا فهي بحاجة إلى تدخلات مستعجلة حتى تعود إلى أوضاعها الطبيعية المنوط بها، وهي تقديم الأمن والتنمية والخدمات للمواطنين بلا تحيز. القارئ الفاحص للمبادرات يلاحظ انها تركز على الجانب السياسي فقط، و تهدف بلا شك إلى تقريب وجهات النظر بين الفرقاء والعودة إلى الأوضاع ما قبل 25 أكتوبر 2021، واستمرار الشراكة بين قوى الحرية والتغيير والعسكر.

ان المبادرات المطروحة التي تركز على جدلية العسكر تنطلق من  وضعية غير سليمة تأسست على مصالح متناقضة وتنافس مبطن حول السلطة والاستيلاء على الثروات والموارد الاقتصادية، وبعيدة كل البعد عن القضايا الجوهرية للتغيير بالسودان، حيث يرفع الشباب الثائر شعارات تخاطب جذور الازمة السودانية وهي الحرية والسلام والعدالة. إن هذه المطالب رغم انها مشروعة تماما وموضوعية الا انها ما زالت غائبة عن التطبيق وبعيدة المنال، وفي كثير من المراحل تتآمر عليها النخب السياسية حتى لا تصبح واقعاً يفقدها الكثير من المنافع والمكاسب المتوارثة. ان التفاعل المحدود مع مبادرات القوى السياسية كالجبهة الثورية وحزب الأمة والاتحادي الديمقراطي تأتي من دوافع وعوامل متعددة. من هذه العوامل عدم وجود آليات وادوات فاعلة لهذه الأطراف تضغط بها على الفرقاء، فضلاً عن أن الجهات التي طرحت تلك المبادرات هي جزء من الازمة السياسية وجزء من الصراع الدائر. في هذا الاطار ننظر إلى المبادرة الاممية الأفريقية ومبادرة أساتذة جامعة الخرطوم ومبادرة أساتذة الجامعات السودانية كبدائل لها مصداقية أكثر. لذلك ربما تصبح المبادرة الأممية الأفريقية واقعاً حياً، وهناك ارهاصات بالتوقيع عليها تلوح في الأفق. هذا يجعلنا نتوقع ان تشهد الايام المقبلة إطلاق سراح المعتقلين السياسيين من قيادات قوى الحرية والتغيير وبعض أعضاء لجان المقاومة.  قضية التسوية السياسية مسألة ملحة ومهمة للغاية، لكن اي تسوية لا تتضمن مراجعة منهجية الفترة الانتقالية وقضايا إعادة هيكلة مؤسسات الدولة السودانية كالخدمة المدنية والمنظومة القضائية والدبلوماسية والاعلام، لن تكون أفضل من سابقاتها وستكرر نفس الأخطاء. كذلك لا بد من استكمال مشوار السلام بالتوقيع مع الحركات التي لم تنخرط في اتفاقية جوبا للسلام واستكمال تنفيذ اتفاقية سلام جوبا لاسيما بنود الترتيبات الأمنية، وقبل كل شيء التعامل الجاد مع قضايا النازحين واللاجئين. لقد جربت التسوية مع المكون العسكري وفشل الطرفان خلال عامين عن تنفيذ اي تعهدات لهم تجاه شعب السودان، كما إن التسوية بين البرهان وحمدوك انهارت بعد شهرين من توقيع اتفاقهم. اذن فإن التسوية القادمة لابد أن تكون واضحة المعالم في التفاصيل الدقيقة ذات الأهمية لبناء السودان، وان تعالج قضايا الأمن ومعاش الناس وعلاقات السودان الدولية باعتبارها مربط الفرس في نجاح اي فترة انتقالية. فضلا عن ذلك هناك أيضا قضايا تشكل تحديا حقيقيا أمام فاعلية الفترة الانتقالية كوضعية قوات الدعم السريع بقيادة نائب رئيس مجلس السيادة محمد حمدان دقلو، هذه القوات تشكل معضلة ووضعها الحالي نشاز لذا، ينبغي إعادة النظر فيه بضرورة دمجها في القوات المسلحة وتسريح بعض العناصر التي لا تتوافر فيها شروط الخدمة العسكرية. إن الوضعية الماثلة للدعم السريع تشكل عائقا أمام استكمال مسار الانتقال المدني الديمقراطي، وذلك لأن قائدها يمارس اعمال اقتصادية على حساب ممتلكات الدولة، ولديه اطماع وطموح سياسي لا يخفى على احد بأن يصبح رئيسا للسودان في الانتخابات المقبلة، كما أنه يقود سياسة خارجية خاصة به لا تنسجم مع مصالح السودان العليا. ان استثمار حميدتي في حالة الانقسام بين القوى السياسية، واستمراره بالسيطرة على الموارد المعدنية بالأخص الذهب حيث تسيطر قواته وشركاته على اجزاء واسعة من مناطق التعدين الاهلي في شرق السودان ونهر النيل وجنوب كردفان وجنوب وشمال دارفور وذلك عن طريق واجهاته الاقتصادية كشركة الجنيد وغيرها. لذلك يجب علينا ادراك حقيقة إن التماهي مع الدعم السريع والسماح له بدور سياسي سيشكل تهديدا وجوديا لوحدة السودان وتطوره، ناهيك عن استقرار الفترة الانتقالية.

 

صحفي من السودان

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى