مقالات كل العرب

خواطر حول(نظرية) المؤامرة

شارك

خواطر حول (نظرية) المؤامرة 

 

      د. أحمد قايد الصايدي

مقدمة:

يستهجن بعض المثقفين العرب أي حديث عن وجود مؤامرة على الأمة العربية، ويطلقون على مثل هذا الحديث مصطلح (نظرية المؤامرة). ثم بعد أن يبتدعوا بأنفسهم هذا المصطلح، أو يتلقفونه من آخرين ويكتفون بترديدة، يحرصون، بمناسبة وبدون مناسبة، على إظهار سخريتهم منه وممن ينسبونهم إليه. أي من أولئك، الذين يرون أن المؤامرة واضحة، يمكن رؤيتها بالعين المجردة، ولا يحتاج عاقل إلى دليل لإثبات وجودها. وهنا أود أن أسجل بعض الخواطر السريعة، التي لا يمكن أن تغني عن دراسات متأنية لهذا المصطلح: مصدره _ أهدافه _ تأثيره على الوعي وعلى السلوك.   

وتمهيداً لعرض هذه الخواطر، دعوني أورد أولاً فقرتين من شهادة معاصرة، سجلهما جورج تينيت، الذي تولى رئاسة وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية، في الفترة من 1997م وحتى 2004م، تشيران إلى قرينة من قرائن المؤامرة، التي حيكت على العراق، وتؤكدان على أن قرار غزوه كان قد اتُّخذ قبل حادث 11 سبتمبر 2001م. وهو الحادث الذي وُظِّف توظيفاً كاملاً، لتوفير مادة فاعلة في التحريض على الغزو واستغفال الشعب الأمريكي وإقناعه بمشروعية تدمير العراق، تحت ذريعة (الدفاع عن النفس)، باعتباره، أي العراق، كما زعمت الإدارة الأمريكية، يشكل تهديداً مباشراً لأمن الولايات المتحدة الأمريكية وللسلم العالمي، بما تحويه ترسانته العسكرية من أسلحة الدمار الشامل، وفي مقدمتها الأسلحة النووية، وباعتباره يمثل حاضناً للجماعات الإرهابية. وكلا الذريعتين كانتا مختلقتين، أريد لهما أن تكونا عنصرين أساسيين في نسيج المؤامرة على العراق. وقد ثبت بطلانهما فيما بعد، ولكن بعد أن كانت الإدارة الأمريكية قد نجحت في تدمير العراق، وطناً وشعباً. 

يقول تينيت: ” مشيت تحت المظلة التي تؤدي إلى الجناح الغربي (من البيت الأبيض) وشاهدت ريتشارد بيرل خارجاً من المبنى فيما أهمُّ بدخوله. وبيرل هو أحد عرَّابي حركة المحافظين الجدد، وكان ذات يوم رئيس مجلس السياسة الدفاعية، وهو مجموعة مستقلة تقدّم المشورة لوزير الدفاع. لم تكن العلاقة بيننا أكثر من معرفة عابرة. وعندما أُغلقت الأبواب خلفه، نظر كل منّا إلى الآخر وهزّ رأسه. وعندما وصلت إلى الباب، التفت بيرل إليّ وقال: يجب أن يدفع العراق ثمن ما حدث أمس. إنّهم يتحملون المسؤولية. ذهلت لكنّني لم أقل شيئاً. فقبل ثماني عشرة ساعة، تفحّصت كشوف المسافرين على متن الطائرات المختطفة الأربع وأظهر ذلك بما لا يدع مجالاً للشك أن القاعدة تقف وراء الهجمات. وفي الأشهر والسنين التالية، تفحّصنا بعناية احتمال وجود دور تعاوني لدول راعية. ولم تعثر الاستخبارات لا في ذلك الوقت ولا الآن على أي دليل على تواطؤ عراقي “. ويواصل تنت قوله: ” التفتُّ إلى بيرل عند حاجز جهاز الأمن السري وتساءلت: ترى عمّ يتحدث؟ وبعد لحظات، خطر ببالي سؤال ثانٍ: مع من كان ريتشارد بيرل مجتمعاً في البيت الأبيض في صباح هذا اليوم الباكر بالذات؟ ولم أتوصّل قط إلى جواب عن السؤال الثاني”

هذه قرينة من قرائن كثيرة، تشير إلى مؤامرة الحادي عشر من سبتمبر، عام 2001م، التي حُبكت حبكاً محكماً ووُفرت الذرائع اللازمة لتنفيذ قرار كان قد اتُخذ مسبقاً، قضى بغزو العراق وتدميره وإعادة السيطرة على نفطه وتجزئته إلى دويلات طائفية وعرقية، تدشن بها الولايات المتحدة الأمريكية التقسيم الجديد للوطن العربي، تحت ما يُسمى في الأدبيات السياسية الأمريكية (الشرق الأوسط الجديد).   

وقد تنادى المهتمون في العالم، يبحثون في خفايا هذه المؤامرة، ويحاولون كشف أسرارها. منطلقين في جهودهم من رفض صريح للرواية الرسمية، التي روجت لها الإدارة الأمريكية ووسائل إعلامها، مؤكدين وجود مؤامرة، ذات علاقة بمخطط غزو العراق وتدميره، تحت ذرائع ثبت كذبها كلها. 

وسواءً ذهبنا مع هؤلاء المهتمين في رفضهم للرواية الرسمية الأمريكية، أو سلمنا بها، أفلا يصح في كلا الحالتين أن نسمي ما حدث في نيويورك، أياً كانت الجهة التي خططت له، والأدوات التي نفذته، أفلا يصح أن نسميه (مؤامرة). ثم ألا يصح أن نسمي عملية توظيف الحدث، فور وقوعه، وتسخيره بدهاء، لإنجاح عملية أكبر، وهي تدمير العراق، ألا يصح أن نسمي هذا أيضاً (مؤامرة)؟ وإذا لم يكن كل من هذين الحدثين مؤامرة، فما هو توصيف المؤامرة إذاً؟

نظرية المؤامرة:

حتى الآن لم أفهم ما يقصده بعض المثقفين العرب بمصطلح (نظرية المؤامرة)، وتزداد صعوبة الفهم لديَّ عندما أحاول أن أطبق التعريف العلمي لهذا المصطلح على ما يردده هؤلاء. فالنظرية بحسب تعريفها الفلسفي، هي “تركيب عقلي، مؤلف من تصورات منسقة، تهدف إلى ربط النتائج بالمبادئ”. وبتبسيطنا لهذا التعريف، يمكن أن نقول: لا بد أن تسبق النظريةَ جهودٌ علمية منهجية منظمة، تنطلق من مقدمات صحيحة (مبادئ) وتفضي إلى نتائج علمية. وتُبنى النظرية بعد ذلك على مجمل هذه الجهود. فتنسق النتائج العلمية، التي تم التوصل إليها، وتؤلف فيما بينها وتؤكد مبادئها وتدمج كل ذلك في صيغة (نظرية) متناسقة، خالية من أي تناقض. فهل هذا ما يقصده بعض المثقفين العرب، عندما يتحدثون عن (نظرية المؤامرة)؟.

ولنكمل تعريف (نظرية المؤامرة)، بالوقوف عند معنى كلمة (مؤامرة)، لعلنا نفهم ما يقصدونه ونعرف ما يتحدثون عنه: أصل الكلمة هو (أَمَرَ) بمعنى طلب شخصٌ من شخصٍ آخر أومن أشخاصٍ فعل شيء. وهنا يكون الطالب (آمراً) والمطلوب منه القيام بالفعل (مأموراً). ودون أن نستطرد في إيراد كل اشتقاقات هذا الأصل ومعانيها المختلفة، نكتفي بالوقوف على معنى أحد الاشتقاقات، وهو (آمَرَه)، أي شاوره في أمر. وتآمروا: تشاوروا في أمر ما. وتآمروا على شخص، تشاوروا في الخفاء لإلحاق الأذى به. ومن هنا فإن (المؤامرة) تعني التشاور في الخفاء لعمل شيء ما يلحق الضرر بشخص أو بجماعة أو بدول.

إذاً فالاعتقاد بوجود المؤامرة في حياة البشر، هو اعتقاد صحيح. فتشاور البعض لإلحاق أذى بآخرين، ظاهرة عرفها الناس في حياتهم عبر التاريخ البشري كله. وإلا ما كان معنى اللفظ قد ثُبِّت في كل معاجم اللغات الحية في العالم. فلماذا نخشى القول بأن مصالح الأفراد والدول تدفع إلى أن يتآمر بعضهم على بعضهم الآخر، للحفاظ على مصالحه، أو للاستئثار بمصالح الآخرين. هذا شيء مألوف وجزء من حياة البشر، في الماضي والحاضر. وسيكون هذا هو الحال في المستقبل أيضاً.

وبصرف النظر عن معنى مصطلح (نظرية)، الذي أُلصق بكلمة (مؤامرة) بصورة مصطنعة، فإن صفحات التاريخ قد امتلأت بالحديث عن المؤامرات. لاسيما عندما يتعلق الأمر بالسلطة، وبما يرتبط بها من إغراءات الهيمنة والثروة والجاه والشهرة. فلم تُنتزع السلطة عبر التاريخ من أسرة أو من فئة أو من عشيرة، إلا عبر مؤامرة متقنة، ينتج عنها في الغالب سفكٌ للدماء وإزهاق للأرواح وتدمير ونهب للممتلكات العامة والخاصة. بل إن انتقال السلطة، من شخص إلى شخص، داخل الأسرة نفسها، قد تم في أحايين كثيرة عبر مؤامرة، شارك فيها بعض أفراد من الأسرة مع أفراد أو جماعات داعمة، من خارج الأسرة. 

وعلى ذلك فإننا نقول، لمن يرهبوننا بمصطلح (نظرية المؤامرة)، ليمنعوننا من الحديث عن المؤامرة الماثلة أمامنا، بكل تفرعاتها وكل آثامها، عليكم أن تثبتوا لنا وجود نظرية، اسمها (نظرية المؤامرة). أما نحن فلا نحتاج إلى إثبات وجود المؤامرة، لأنها موجودة في الواقع فعلاً، وشواهدها كثيرة، نراها رأي العين، ولا ينكر وجودها إلا من فقد البصر والبصيرة، ممن عشقوا ترديد ما تقذف به الأجهزة الأجنبية المتخصصة، من عبارات ومصطلحات، تقصد من ورائها تشويه الوعي وتسهيل الاختراق، ليتلقفها بعضنا ويرددها، دون فهم لمعانيها، ودون إدراك لمدى خطورتها وتأثيراتها المدمرة. 

المؤامرة، بين المنكرين لوجودها والمعتمدين عليها وحدها في تفسير الأحداث:

تتوالى المؤامرات على أمتنا العربية في تاريخها المعاصر. بدءاً بالاحتلال الغربي لبعض الأقطار العربية، ومروراً بتسخير ما عُرف ب (الثورة العربية الكبرى)، لتحقيق أهداف الحلفاء الغربيين في الحرب العالمية الأولى، وعلى رأسهم بريطانيا، ثم باتفاقية سايكس _ بيكو، وبتهويد فلسطين، وانتهاءً ب (الفوضى الخلاقة)، التي نعيش فصولها، وب (الشرق الأوسط الجديد)، الذي نُساق إليه. وعندما تعمى الأبصار والبصيرة عن رؤية هذا كله، فإننا لا بد أن نتساءل: هل هو عمى فعلاً، ناتج عن جهل أو عن ثقافة مشوهة، أم أنه موقف واعٍ يهدف إلى تبييض صفحة الاستعمار الغربي وتمويه نواياه وتمرير مخططاته؟. 

ولأن المؤامرة كانت دائماً موجودة وستظل موجودة باستمرار، فإن الجدل لا يجب أن يبقى في حدود وجودها أو عدم وجودها، بل لا بد أن ينتقل إلى مستوى آخر، يتمثل بالإجابة عن سؤال محوري، وهو: هل يصح تفسير الأحداث بالمؤامرة وحدها، أم أن هناك عوامل أخرى، اقتصادية واجتماعية وسياسية، تمثل البيئة المولدة للأحداث جميعها؟ بالتأكيد هناك عوامل أخرى، لا نستطيع أن نفسر أي حدث أو نفهم ملابساته، دون الوقوف عليها؟ بل إن المؤامرة نفسها لا يمكن فهمها دون أن نقف على جملة العوامل التي أنتجتها.  

المسألة إذاً مسألة منهجية. كيف نفسر الأحداث؟ هل نكتفي باختزال العوامل الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والنفسية الفاعلة في صنع الأحداث، هل نكتفي باختزالها في عامل واحد، وهو (المؤامرة)، كما يفعل البعض، ونعفي أنفسنا بعد ذلك من أي جهد فكري جاد يوصلنا إلى التفسير الصحيح، أم ننكر وجود المؤامرة، كما يفعل البعض الآخر، ونرفض أي حديث عنها وعن تأثيرها في أوضاعنا الراهنة؟ وهل سيسمح لنا كلا الفريقين، من يرفضون الحديث عن المؤامرة رفضاً قاطعاً، ومن لا يرون أداة لتفسير كل الأحداث سوى المؤامرة، هل سيسمح لنا هؤلاء وأولئك بأن نقف في موضع وسط بينهما، دون أن نثير حفيظتيهما، أو نُتهم بالحياد وعدم المبدئية والوقوف في المنطقة الرمادية؟. 

سنحاول في ما يلي أن نبين خطأ الفريقين وقصور منهجيهما، من خلال مثالين من تاريخنا الوسيط (الإسلامي)، وبضعة أمثلة من تاريخنا المعاصر، الممتد إلى الواقع الراهن في الوطن العربي.

مثالان من تاريخنا الوسيط (الإسلامي):

المثال الأول، مؤامرة عبد الله بن سبأ:                                                        

  بعد توسع الفتوحات الإسلامية إلى العراق وفارس وبلاد الشام ومصر وُلد واقع اقتصادي واجتماعي وسياسي جديد. كانت هذه البلدان تختلف بخصوبتها وأوضاعها الاقتصادية ومستواها الحضاري عن صحارى وواحات الحجاز ونجد. وقد آذن ذلك الفتح بتحول كبير في حجم الدولة ووظائفها، من دولة (المدينة) المحدودة المساحة والوظائف، إلى دولة مترامية الأطراف، متعددة الوظائف. كما آذن بتحول كبير في حياة المسلمين (ونقصد هنا العرب المسلمين على وجه التحديد)، من الفقر إلى الغنى ومن التقشف وضيق العيش إلى الرفاهية والبذخ. وكان لا بد لهذا الواقع الجديد من أن يُحدث تغييراً في إدارة الدولة. إذ لم يعد نهج أبي بكر وعمر، وكذلك عثمان “إلى أن غير وبدل”، على حد تعبير الخوارج، لم يعد نهج هؤلاء يتناسب مع طابع الحياة الجديدة. وقد تنبه عمر ابن الخطاب إلى هذا الأمر، فلجأ إلى إجراءات استثنائية، تحسباً لما هو قادم. ومنها احتجاز الأثرياء من وجهاء الصحابة عنده في المدينة، عاصمة الدولة حينذاك، ومنعهم من الانتقال إلى البلدان المفتوحة. وفَسَّر موقفه هذا بالخشية من أن يفتتن الناس بهم، لما يملكونه من ثروة وما يتمتعون به من وجاهة، وما يصاحب ذلك من نفوذ، قد يحوِّلهم إلى مراكز قوى، تتنازع السلطة فيما بينها وتهدد وحدة المسلمين.

ولما اغتيل عمر بن الخطاب، كلف، قبل أن يلفظ أنفاسه الأخيرة، هيئة من كبار الصحابة، من بينهم علي بن أبي طالب، لتختار خليفة للمسلمين. فاختارت عثمان بن عفان, الذي نهج نهجاً جديداً في إدارة الدولة، مغايراً لنهج أبي بكر وعمر، بدءاً بالسماح للأثرياء، الذين احتجزهم عمر في المدينة، بأن ينتقلوا بحرية إلى حيث شاؤا. لقد فرض الواقع الجديد نمط حياة جديدة ونهجاً إدارياً جديداً. ولم يكن عثمان، بشخصيته المتسامحة، قادراً على مقاومة الواقع الجديد. وكان ضعفه، أمام ضغوط ابناء عشيرته وأقاربه، وتساهله تجاه أخطاء الولاة ومخالفاتهم، بعد ما عرفوه من حزم عمر وشدته في محاسبتهم، كانت تلك عوامل إضافية، ولَّدت سخطاً وتذمراً في أوساط المسلمين، انتهى بالثورة على عثمان وقتله. ليشعل قتله فتيل الاقتتال وتنازع السلطة، الذي استمر على امتداد التاريخ الإسلامي، وحتى اليوم.

وحاول علي بن أبي طالب، الذي تولى الخلافة بعد مقتل عثمان، حاول أن ينهج نهجاً مغايراً لنهج عثمان وأقرب إلى النهج الذي سار عليه كل من أبي بكر وعمر. ولكن ذلك لم يكن بالأمر السهل، فالحياة كانت قد تغيرت تغيراً كبيراً. وقاوم نهجه ولاة أقوياء، على رأسهم والي الشام، معاوية بن أبي سفيان، الذي رفض قرار عزله من ولاية الشام، رغم صدور القرار عن السلطة العليا في الدولة، ممثلة بالخليفة، علي بن أبي طالب. واتخذ معاوية من مقتل عثمان ذريعة للتمرد على الخليفة. ودارت رحى الحرب الدامية، التي استفاضت كتب التاريخ الإسلامي في الحديث عن تفاصيلها. وهي حرب مثلت، في ما مثلته، صراعاً بين نهجين مختلفين في إدارة الدولة: نهج مبدئي، حاول أن يطوع الإدارة للمعايير المبدئية، دون مراعاة لمجمل المتغيرات الاقتصادية والسياسية، مثله الخليفة علي بن أبي طالب، ونهج عملي (براجماتي، بالتعبير المعاصر)، عبَّر بدهاء عن طبيعة الحياة الجديدة وتلاءم مع مجمل المتغيرات، في المجتمع الإسلامي الجديد، وعمل على تسخيرها لصالحه، مثله والي الشام، معاوية بن أبي سفيان.  

وفي وقت لاحق، حارت عقول المسلمين في تفسير ذلك الصراع، الذي حُسم لصالح النهج الجديد، نهج معاوية. ولم يجرؤ أحد على الاقتراب من جوهر الصراع ومن عوامله وأسبابه الحقيقية، أو لم يكن مؤهلاً علمياً للنظر فيه وفق منهج تاريخي سليم. وبدلاً عن ذلك لجأ بعض المؤرخين إلى السبيل السهل في تفسير الأحداث. وهداهم تفكيرهم، بل وربما استبشاعهم لمجرد التفكير في أن تكون العوامل السياسية والاقتصادية، هي التي حركت ذلك الصراع الدامي، هداهم تفكيرهم إلى ابتداع شخصية عبد الله بن سبأ، بقدراته الخارقة وبدوره غير المألوف في صناعة الأحداث. وعمدوا إلى شخصيته الغامضة ليفسروا بها الأحداث، ويلقوا على عاتقها جريرة كل الصراعات والفتن والحروب، التي تفجرت في المجتمع الإسلامي. وما لبث هذا التفسير أن انتشر في بطون الكتب وعلى ألسنة وأقلام الرواة. 

لقد اختلف المؤرخون حول شخصية عبد الله بن سبأ: مولده ونشأته وإسلامه وزمن ظهوره ونظرته إلى علي بن أبي طالب، ثم وفاته. فحول مولده، قيل في صنعاء وقيل بل في الحيرة. وحول إسلامه والزمن الذي ظهر فيه، قيل في عهد عثمان، وقيل بل في عهد علي. وحول نظرته إلى علي بن أبي طالب، قيل أنه اعتقد بأن علياً نبياً، وقيل بل اعتقد بأنه وصي النبي وخليفته. وحول موته، قيل أن علياً قربه إليه، ولكن عندما بلغه ما ينشره من أفكار، تتسم بالغلو والخروج عن الإسلام، أمر بحرقه في النار، وقيل بل اكتفى بنفيه إلى المدائن، بناءً على نصيحة عبد الله بن عباس. وجاء فيما بعد باحثون وعلماء ليشككوا حتى في حقيقة وجود هذه الشخصية.  

هذا مثال واضح لتفسير الأحداث التاريخية بالمؤامرة وحدها، والعجز عن تبين الأسباب الاقتصادية والاجتماعية والدوافع السياسية، التي حركت تلك الأحداث. شخص غامض، يهودي الديانة، اعتنق الإسلام بنية الكيد للمسلمين وتمزيقهم، واستطاع، بذكائه ومكره وحقده على الإسلام، أن يتلاعب بعقول القادة وأولي الحكمة والرأي، على امتداد البلاد الإسلامية، فيحرضهم على الفتنة ويدفعهم إلى قتل الخليفة عثمان. ليفتح بذلك باب الصراع والاقتتال بين المسلمين، الذي لم يُغلق بموت ابن سبأ وتوقف مكائده، بل استمر مفتوحاً على امتداد التاريخ الإسلامي وحتى اليوم. وفي سياق هذا الصراع نشأت الفرق السياسية الإسلامية، التي كانت السلطة وما تزال هي مدار خلافاتها وصراعاتها. 

وفي هذا المثال يتجلى ميل العقل البشري إلى إيجاد تفسير ما لأحداث التاريخ، لكي تصبح أحداثاً مفهومة الدوافع والأسباب. وعندما يعجز عن تفسيرها بأسبابها الموضوعية، يلجأ إلى تفسيرها بالمؤامرة، التي قد تأخذ أحياناً شكل الأسطورة

المثال الثاني، نكبة البرامكة: 

نجح العباسيون، عام 132ه، في قتل مروان بن محمد، آخر الخلفاء الأمويين، وتقويض الدولة الأموية. وكان الفرس من أهم القوى التي ناصرت العباسيين وساهمت في إيصالهم إلى سدة الحكم. وكان لهم دوافعهم الخاصة. فقد تميز الحكم الأموي بعصبيته العربية وتهميشه للطبقات العليا من الأقوام غير العربية، وعدم إتاحته الفرصة أمامها للمشاركة في السلطة. وعلى رأس هذه الأقوام القومية الفارسية، التي كانت تمثل قبل الإسلام إمبراطورية قوية وحضارة مؤثرة في التاريخ القديم والوسيط. 

لقد ولَّد استئثار الأمويين بالسلطة وعصبيتهم العربية، ولَّد في نفوس الطبقة العليا الفارسية إحساساً بالظلم وسخطاً مكبوتاً على الدولة الأموية. وهنا التقت هموم وطموحات هذه الطبقة الفارسية مع هموم وطموحات الجماعات والفئات العربية المضطهدة، وعلى رأسها الشيعة العلوية والعباسيون. وبغض النظر عن الظروف والملابسات، التي جعلت العباسيين يصلون إلى مقدمة صفوف المعارضين للسلطة الأموية ويحلون محل العلويين، فقد ناصر الفرس العباسيين، بعد أن أصبحوا يتزعمون النشاط المعادي للأمويين، وعملوا معهم يداً بيد لتقويض أركان الدولة الأموية. وكان في مقدمة هؤلاء أبو مسلم الخرساني، الذي لعب دوراً بارزاً في وصول العباسيين إلى السلطة. وانتهى مصيره إلى القتل على يد الخليفة أبي جعفر المنصور، الذي خشي من قوة وسطوة أبي مسلم على الدولة العباسية الوليدة.

وكان البرامكة يمثلون مكوناً من مكونات الطبقة الأرستقراطية الفارسية، تمتعوا بمنزلة خاصة لدى الخلفاء العباسيين الأوائل. وقيل أن زوجة يحي بن خالد البرمكي قد أرضعت هارون الرشيد بن محمد المهدي، ورباه زوجها يحي. وعندما تولى هارون الرشيد الخلافة أصبح جعفر بن يحي رفيقه ووزيره وموضع ثقته. وتولى الفضل بن يحيى، أخو الرشيد في الرضاعة، تربية محمد الأمين، ابن الرشيد. هذا الوضع المتميز لآل برمك جعل تأثيرهم واضحاً في تسيير شؤون الدولة، فاتسع نفوذهم وعظمت ثروتهم وكثر أعوانهم وأنصارهم. وخشي الرشيد من نفوذهم المتزايد وخاف من أن ينازعوه الأمر، فقرر التخلص منهم والقضاء عليهم قبل أن يستفحل خطرهم عليه. وتمكن منهم، فقتل من قتل وصادر أموالهم وممتلكاتهم واستأصل نفوذهم السياسي وقوتهم الاقتصادية. وقد عُرف هذا الحادث في التاريخ ب (نكبة البرامكة).

وكان لا بد لتلك النكبة من تفسير. ولكن بدلاً من البحث في خلفياتها السياسية والاقتصادية والقومية، لجأ المؤرخون المسلمون إلى ابتداع حكاية، تعجز عن تقديم تفسير علمي لتلك النكبة الكبيرة، التي شملت آل برمك جميعهم. وهي حكاية جعفر البرمكي والعباسة بنت محمد المهدي، أخت هارون الرشيد. 

تذهب تلك الحكاية إلى أن هارون الرشيد كان يحب جعفر بن يحي البرمكي واتخذ منه وزيراً وجليساً يأنس إليه. كما كان، أي الرشيد، يحب أن تحضر أخته العباسة بنت المهدي مجلس أنسهما، لما لها من مكانة خاصة في نفسه. ولكي يقضي وقت أنسه ومرحه مع صديقه ومعها دون حرج ديني، عمد إلى تزويج جعفر بها، على أن لا يختليا ببعضهما، ومنعهما من ممارسة حقهما الشرعي. وحرص على أن يبقى زواجهما مجرد زاوج شكلي فحسب، ليهنأ بوجودهما معاً في مجلسه. فلجأت العباسة إلى خدعة، تمكنت بها من الاختلاء بجعفر ومعاشرته وهما في حالة سكر، وحملت منه. ولما علم الرشيد كتم غيضه، وأخذ يدبر أمره للبطش بجعفر وأسرته كلها. وقد تمكن منهم على حين غرة وبطش بهم وحرَّم على الناس إيواءهم أو التستر على الفارين منهم. 

ولم يقدم لنا أحد تفسيراً لمعاقبة الرشيد أسرة آل برمك جميعهم، بجريرة ما فعله أحد أفرادها، وهو جعفر، إن كان قد فعل ذلك حقاً. ولا تفسيراً لعدم توقيع العقاب على العباسة، التي استدرجت جعفر ومارست معه حقهما الشرعي، الذي يقره الدين، بل ويأمر به. كما لم يقدم لنا أحد تفسيراً لتحايل خليفة المسلمين على تعاليم دينه، بتلك الطريقة الغريبة، عدا هذا التفسير الساذج المصطنع، الذي لا يقبله الحس السليم، وهو رغبة هارون الرشيد في أن تداوم أخته على حضور مجلس أنسه مع صديقه جعفر، وكأنها غانية من الغواني. ثم لماذا لم يشعر الخليفة بالحرج الديني، وهو يقيم مجلس الأنس، بما تحمله هذه التسمية، التي أوردها الرواة، من إيحاءات، قد يذهب الظن بناءً عليها، إلى احتمال وجود المسكرات في مجلس الأنس ذاك، وقد يسوغ هذا الظن ممارسة العباسة وزوجها جعفر حقهما الشرعي، وهما في حالة سكر. 

هكذا ينطلق الميل البشري على سجيته في تفسير أحداث التاريخ، لاسيما الغامض منها، تفسيرها بالمؤامرة وحدها، دون الالتفات إلى العوامل الأخرى، التي أدت إليها، والتي يمكن أن تكون هي التي ولدت الحاجة إلى المؤامرة.  

أمثلة من تاريخنا المعاصر:

يحتل وطننا العربي موقعاً جغرافياً مهماً في خارطة العالم القديم والوسيط والحديث. وبحكم موقعه هذا، أضحى، عبر التاريخ، ممراً إجبارياً لتنقل البشر، ولتبادل منافعهم التجارية. وقد تولت كتابات وأبحاث كثيرة توضيح وشرح أهمية هذا الموقع، وما أثاره من مطامع دولية ومؤامرات للسيطرة عليه، لم تنقطع حتى الآن، مما يعفينا من الخوض في هذا الجانب. 

وفي العصر الحديث أضيف إلى الموقع المهم عامل جديد، زاد من أهمية الوطن العربي، بالنسبة للاقتصاد العالمي. فاكتشاف النفط، الطاقة المحركة لعجلة الصناعة والتجارة والمال والخدمات والرفاه البشري، جعل الوطن العربي مطمعاً للأقوياء وموضوعاً لمخططات وتآمر القوى العالمية، المتنافسة على النفوذ واقتسام ثروات العالم.  

ويمكننا هنا الإشارة إلى بعض الأمثلة، التي يمكن اعتبارها محطات في مسيرة التآمر، الذي استهدف الأمة، بمقوماتها وأرضها وثرواتها، بل وبوجودها كأمة، من حقها أن تتوحد في إطار دولة عربية واحدة قوية على امتداد الوطن العربي كله، كما توحدت أمم أخرى في هذا العالم، بعضها لا تتوفر فيه عوامل الوحدة المتوفرة في الأمة العربية

المثال الأول، فلسطين:

 كان الاحتلال الاستيطاني الصهيوني لفلسطين وتشريد أهلها من أبرز مظاهر المؤامرة على الأمة العربية. وقد بدأ التخطيط وحبك خيوط المؤامرة، من قبل الحركة الصهيونية العالمية والحكومات الاستعمارية الطامعة بالموقع والطاقة، بدأ منذ القرن التاسع عشر الميلادي، أي منذ نشوء الحركة الصهيونية الحديثة، كما نعرفها اليوم. 

أما مراحل المؤامرة، فقد بدأت بالاتصالات السرية، بين زعماء الحركة الصهيونية وحكومة أهم وأقوى الدول الاستعمارية في ذلك الحين، وهي بريطانيا، مروراً بالمقترحات والوعود الرسمية والمشاريع التفصيلية، التي مهدت لاحتلال فلسطين، ثم رافقت نشوء الدولة الصهيونية ونشاطاتها وحروبها وجهودها في تفتيت الكيانات العربية المجاورة لفلسطين، أو إضعافها. 

ولما انحسر ظل بريطانيا من مستعمراتها في العالم وتقلص نفوذها، تكفلت الولايات المتحدة الأمريكية بمهمة رعاية الكيان الصهيوني ودعمه وحمايته، بالصورة الماثلة أمامنا. 

والسؤال، الذي يمكن أن نوجهه لمنكري وجود المؤامرة، هو: هل ينطبق توصيف المؤامرة ومعناها اللغوي والاصطلاحي على ما حصل ويحصل في فلسطين، قبل احتلالها وبعده وحتى الآن، أم أن هذا كله كان مجرد التقاء مجموعة من الصدف العجيبة، التي لا علاقة لها بمصالح الدول الكبرى وبالتخطيط المدروس والتآمر المسبق؟.

المثال الثاني، مراسلات الشريف حسين _ مكماهون:

حبكت بريطانيا، خلال الحرب العالمية الأولى وبعدها، أكثر من مؤامرة في الوقت نفسه، منفردة أو متعاونة مع حليفتها ومنافستها فرنسا. فتمكنت في إحداها من تخدير الشريف حسين، حاكم مكة، بالوعود التي تضمنتها رسائل هنري مكماهون، ممثل ملك بريطانيا في مصر، الموجهة إلى الشريف، خلال عامي 1915م و 1916م، والتي أبلغه فيها بأن بريطانيا ستعترف، بعد انتهاء الحرب، باستقلال الأراضي العربية في المشرق العربي ووحدتها تحت حكمه. مؤكداً له بأن ملك بريطانيا يرحب باسترجاع الخلافة الإسلامية إلى يد عربية، تنتمي إلى “الدوحة النبوية المباركة”. وكان الهدف من وراء تلك الوعود اقناع الشريف بقيادة ثورة مسلحة ضد الدولة العثمانية. وقد التزم الشريف بما طُلب منه، ولم يلتزم البريطانيون بما وعدوا به.

وبتلك الرسائل والوعود، وبالنشاط الاستخباراتي تم استدراج الشريف حسين، ليضع كل قدراته ومكانة أسرته وعلاقاتها ونفوذها في خدمة المشروع الاستعماري، دون أن يعرف كل خفاياه. 

وما أن أدى الشريف حسين مهمته وقام بدوره، حتى استغنى البريطانيون عن خدماته، وتركوه فريسة للرجل القوي في نجد، عبد العزيز آل سعود، الذي وجه جيشه نحو الحجاز، بتخطيط وإشراف رجل الاستخبارات البريطانية، هاري سنت جون فيلبي (الحاج عبد الله فيلبي)، فاحتل الطائف، وأخذ يضغط على سلطة الشريف في مكة. واستنجد الشريف بحلفائه البريطانيين. لكنهم أبلغوه بأنهم يقفون موقف الحياد في ذلك الصراع العربي _ العربي. وأوحوا له عن طريق بعض ذوي الرأي، بالتخلي عن الحكم لابنه علي والانتقال إلى جدة، حفاظاً على حياته. وهكذا فعل، وغادر مكة إلى جدة. ثم غادر جدة، بطلب من البريطانيين، إلى العقبة. وبعد أشهر قليلة من وصوله إلى العقبة، أقلته بارجة بريطانية إلى منفاه في قبرص (في مايو 1925م). ومكث في قبرص ست سنوات ( حتى مايو 1931م(، رهن الإقامة الجبرية، لا يستطيع أن يزور حتى ابنائه، الذين وضع البريطانيون اثنين منهم على عرشي العراق (فيصل الأول) وشرق الأردن (عبد الله)، ضمن المخطط البريطاني _ الفرنسي، لتقسيم المنطقة. وظل الشريف حسين يعاني في تلك الجزيرة، إذلالاً وعوزاً وسقاماً نفسياً وجسدياً، إلى أن اشتد به المرض، فسُمح له بالعودة إلى عمَّان، في أواخر مايو 1931م، ليتوفى فيها بعيد وصوله إليها (4 يونيو 1931م).  

فماذا يمكن أن نسمي ما حدث للشريف حسين، إن لم يكن فصلاً من فصول المؤامرة، وصورة من صورها العديدة المتنوعة، التي خدمت وتخدم مشاريع الاستعمار الغربي في وطننا العربي؟.

المثال الثالث، اتفاقية سايكس _ بيكو: 

تقاسمت بريطانيا وفرنسا، المشرق العربي، وفق ما عُرف باتفاقية (سايكس _ بيكو)، نسبة إلى الدبلوماسي البريطاني مارك سايكس والدبلوماسي الفرنسي فرانسوا جورج بيكو، اللذين وضعا تفاصيل هذه الاتفاقية، أثناء الحرب العالمية الأولى، خلال عامي 1915م و1916م، أي في الفترة نفسها، التي كان مكماهون يراسل الشريف حسين باسم الحكومة البريطانية ويجود عليه بالوعود السخية. بل وفي الفترة نفسها، التي كانت تجري فيها الاتصالات بين الحركة الصهيونية العالمية والحكومة البريطانية، التي توجت بوعد بلفور، وهو الوعد الذي تضمنته رسالة وزير الخارجية البريطانية، آرثر جيمس بلفور، في تاريخ 2 نوفمبر 1917م، إلى اللورد ليونيل روتشيلد، بإقامة وطن قومي لليهود في فلسطين.

لقد شرعت الدولتان، بريطانيا وفرنسا، في تنفيذ بنود اتفاقية سايكس _ بيكو فور انتهاء الحرب. وعندما مات الشريف حسين كانت اتفاقية سايكس _ بيكو قد نُفذت بكاملها. فبريطانيا حصلت على حق الانتداب في العراق وشرق الأردن وفلسطين، ومدت نفوذها إلى شبه الجزيرة العربية والخليج العربي. وحصلت فرنسا على الانتداب في سوريا ولبنان. وكان على بريطانيا أن تسحب رجلها (الملك فيصل الأول) من دمشق إلى بغداد، وتعوضه عن عرشه في سوريا بعرش العراق، لكي تُخلي سوريا للفرنسيين، وفقاً للاتفاقية المذكورة، بين الحليفين اللدودين.

فهل تندرج اتفاقية سايكس _ بيكو وخلفياتها وتزامنها مع مراسلات مكماهون والشريف حسين، ومع اتصالات الحركة الصهيونية بالحكومة البريطانية، التي تمخضت عن وعد بلفور، ومنح فلسطين العربية للصهاينة، هل تندرج ضمن توصيف المؤامرة، أم أن من يقول بذلك سوف يتهم بالانتماء إلى (نظرية المؤامرة)؟.

المثال الرابع، مملكة عبد العزيز آل سعود: 

بصورة متوازية مع تمزيق المشرق العربي، وفق اتفاقية سايكس _ بيكو، ومع الجهود الحثيثة لإقامة دولة الصهاينة في فلسطين، وُضعت الترتيبات اللازمة لإقامة مملكة في شبه الجزيرة العربية، يحكمها سلطان نجد، عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود، تضم نجد والحجاز وملحقاتهما. حيث تم اكتشاف الثروات النفطية، التي حثت البريطانيين على وضع المخططات والمضي في تنفيذها، رغماً عن كل تعهداتهم للعرب، وللشريف حسين على وجه الخصوص.

وكلفت بريطانيا عدداً من أكفأ ضباط مخابراتها بالعمل في المنطقة وقيادة عملية تنفيذ تلك المخططات. ومن أبرز الاسماء، التي تداولتها الكتابات المختلفة: توماس إدوارد لورانس، المعروف ب (لورانس العرب)، الذي عمل مستشاراً للشريف حسين ولابنه فيصل الأول وقائداً لحملتهما العسكرية المساندة للقوات البريطانية في الحرب العالمية الأولى. وهاري سانت جون فليبي، المعروف ب (الحاج عبد الله فليبي)، مستشار السلطان عبد العزيز آل سعود. وبرسي كوكس، الذي غطى نشاطه، مع زميلته جيرترود بيل، العراق وإيران ومناطق الخليج العربي، وما عرف فيما بعد ( ابتداءً من عام 1932م) بالمملكة العربية السعودية. هذه مجرد بعض الاسماء البارزة، وخلفها عشرات الاسماء، التي عُرف بعضها، والكثير منها لم يُعرف. 

كل هذه الأعمال، من تخطيط في الخفاء واستغفال للقادة العرب وتنفيذ محكم ومتدرج، حتى اكتملت صناعة الواقع السياسي والاقتصادي والثقافي العربي، على النحو الذي عشناه ونعيشه اليوم، لا يمكن أن نعزوها إلى تراكم مجموعة من الصدف، بل هي مؤامرات، حُددت أهدافها ورُسمت خططها وهُيئت أدواتها ونُفذت مراحلها، في غفلة من العرب، وبتعاون مع حكامهم. 

وما تزال المؤامرات متواصلة، وآخرها (الفوضى الخلاقة)، التي تشوينا الآن، ومشروع الشرق الأوسط الجديد، الذي سيتكفل، إذا لم نقاومه ونسقطه، سيتكفل بمزيد من تمزيق هذه الأمة، التي نعمت بالموقع الجغرافي المتميز وبمصادر الطاقة الغنية. لكن تبعية حكامها للقوى الاستعمارية وهزال نخبها الثقافية وضعف حركاتها السياسية، حوَّلت هذه النعمة إلى نقمة وبلاءٍ عظيم.  

مسؤوليتنا نحن:

إذا كان الآخرون، من قوى استعمارية وفعاليات اقتصادية عالمية كبرى، يتآمرون علينا، ويتسببون في تمزيقنا وضعفنا، خدمة لمصالحهم، فما هي مسؤوليتنا نحن؟ هنا نأتي إلى الجانب الآخر من المعادلة، وهي مسؤوليتنا عما وصلنا إليه من ضعف وانحطاط وتمزق وتبعية، ما كان للمؤامرات الاستعمارية وحدها أن توصلنا إليها، لولا توفر عوامل أخرى خاصة بنا. 

ويمكن أن نتبين حجم مسؤوليتنا من خلال دراستنا لهذه العوامل الخاصة، سواءً منها العوامل الذاتية، المتمثلة بثقافتنا وأنماط تفكيرنا ومزاجنا النفسي وبعض من عاداتنا وتقاليدنا، وغيرها من العوامل المكونة للشخصية العربية. أو العوامل الموضوعية المتفاعلة مع العوامل الذاتية والمؤثرة فيها، كالاقتصاد والبنى الاجتماعية والأنظمة السياسية والخصائص الجغرافية وغيرها. ولكي لا نضل الطريق، لا بد من أن ندرس هذه العوامل الخاصة بنا في إطار الأوضاع الدولية السائدة والمصالح الكبرى في العالم، لنقف بذلك على مدى تأثير هذا كله وتداخله مع نسيج المؤامرات، التي أشرنا إلى بعض منها. فبهذا سيستقيم الفكر ويصوَّب التفسير، ونتجاوز النهج القاصر والمضلل، المعتمد على عامل واحد في التفسير، كالمؤامرة مثلاً، التي يكتفي بعضنا بتعليق كل مصائبنا عليها وحدها، ويكتفي بعضنا الآخر بإنكار وجودها أصلاً، إنكاراً يرضى عنه المتآمرون ويباركونه، لأنه يخدمهم ويسهل عملهم ويساعدهم على الاستمرار في استغفالنا.  

فالمؤامرة فعلت فعلها، مستفيدة من جملة العوامل الخاصة بنا. وكل مؤامرة تحيكها الدول ذات المصالح الكبرى في العالم تسبقها دراسات تاريخية واجتماعية ونفسية واقتصادية وثقافية ودينية. وليس سوى البلداء وحدهم من يمكنهم أن يضعوا سياساتهم دون معرفة وخبرة وعلم، توفرها دراسات متخصصة. وفي هذه المعادلة، التي نتحدث عنها، يتضح أننا نحن البلداء، لافتقارنا إلى العلم والمعرفة والخبرة والصدق في العمل. تصدينا للمؤامرات بعفوية وجهل وفشلنا في كل مواجهاتنا. ثم عالج بعض مثقفينا هذه الإشكالية علاجاً قاطعاً غير نافع، بإنكار المؤامرة جملة وتفصيلاً، وظنوا أنهم بذلك أراحوا واستراحوا. 

من هنا ندرك بأن اللوم يجب أن يقع علينا نحن، أكثر مما يقع على المتآمرين. فهم يخدمون بمؤامراتهم مصالح بلدانهم. حتى وإن سببت مؤامراتهم لشعوب الأرض كوارث ومآسي، تتجاوز في بعض الأحيان مستوى الإذلال والتجويع والتشريد إلى الإبادة الجماعية، التي تتناقض مع ما يسوِّقونه من مبادئ ويرفعونه من شعارات إنسانية. ولكن هذا شأنهم وهذه قيمهم وهذه مصالحهم. فأين نحن من هذا كله، وأي مصالح نخدم؟.

خاتمة:

من المؤلم أن الحياة الإنسانية الكريمة، التي نحلم بها، أصبحت أشبه بالسهل الممتنع. لغياب أهم شرط من شروطها، وهو الوحدة العربية، التي سيدخلنا التفكير فيها إلى قلب المؤامرة الكبرى على هذه الأمة، ويجعلنا ننظر إلى مثقفينا المنكرين لوجود المؤامرة على أنهم في واقع الحال مظهر من مظاهر المؤامرة ذاتها، حتى وإن كان معظمهم لا يعي ذلك. فالمؤامرة تتضمن في ما تتضمنه تشويه الوعي وتزوير الحقائق وتجنيد المثقف العربي، دون أن يدرك، للانسياق في مسار الجهود الاستعمارية، الهادفة إلى تدمير وعي الأمة بهويتها الواحدة، والقضاء على حلمها الكبير، المتمثل في توحيد وطنها العربي في إطار دولة عربية واحدة، تعيد للإنسان العربي كرامته وتحمي مصالحه وتكفل رخاءه وتنمي قدراته وطاقاته الإبداعية.

وخلاصة القول: إن المؤامرة حقيقة لا مراء فيها، يؤكدها التاريخ ويجسدها الواقع الراهن في الوطن العربي. ولكن المؤامرة وحدها لا تفسر الأوضاع التي مررنا بها والأوضاع التي انتهينا إليها. فهناك عوامل أخرى، هيأت لنجاح مؤامرات الآخرين علينا، تتمثل بالعوامل الاقتصادية والسياسية والاجتماعية وأنماط تفكيرنا وسلوكنا. كما تتمثل بالأنظمة الحاكمة في الوطن العربي، بسماتها المعروفة وتبعيتها الفاضحة للقوى الاستعمارية، وبالحركة السياسية العربية، بتبعثرها وعجزها الواضح، وبالمثقف العربي بسطحيته وقصوره. ولا بد أن نضع هذا كله بعين الاعتبار. فلا ننكر المؤامرة ولا نغفل هذه العوامل مجتمعة، إذا أردنا أن نفهم ما حدث وما يحدث وما سيحدث مستقبلاً. فالفهم الصحيح يشكل مدخلاً للعودة إلى مشروعنا الكبير، وهو (الوحدة العربية)، الذي بدونه لن نستطيع أن نواجه المشروع الكبير للآخرين، مشروع التقسيم والتفتيت والتطويع والسيطرة ونهب الثروات. فالمشاريع الكبيرة المعادية لا يمكن مواجهتها إلا بمشاريع كبيرة مجابهة لها، قادرة على مقاومتها وإفشالها، كمشروع الوحدة العربية. أما المشاريع الصغيرة، بمختلف مسمياتها، فليست سوى روافد هزيلة، تدور في فلك الغرب الاستعماري وتصب في نهاية المطاف في نهره الجارف. أدركنا هذا أو لم ندرك.  

ودعونا ننهي حديثنا هنا بسؤال ملح، مرتبط  بموضوع هذه الورقة، ويصلح مدخلاً لورقة قادمة، بعنوان (الوحدة العربية)، وهو: لماذا فشلت كل المحاولات لتحقيق الوحدة العربية، أو حتى إقامة أشكال بدائية من التعاون والتنسيق والتكامل الاقتصادي والسياسي؟ ما هو دور المصالح العالمية الكبرى في هذا الفشل، وما هو دور الحاكم العربي والمثقف العربي والحركة السياسية العربية؟ إنه سؤال واضح ومحدد، ولكن الإجابة عنه تتطلب قدراً من التفكير وكثيراً من الجهد البحثي، الذي أتمنى أن يضطلع به باحثونا ومثقفونا.

اكاديمي و مفكر عربي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى