مقالات كل العرب

تيسير السبول: رصاصة الرحمة لعروبة متصدعة

أ.غادة حلايقة

شارك

تيسير السبول

رصاصة الرحمة لعروبة متصدعة

 

أ.غادة حلايقة

 

 

وحشة الليل على العينين تجثم…

ونِداء الغاب في البؤبؤ مُبهمُ..

غجريَّة..

كعمود النَّار قد يتلوَّى

وشفاهٍ مترعاتٍ عنجهيَّة..

 

كانت هذه بعضاً من كلماته الغزليّة في عشق الغجريّة، كلماتٌ لشاعرٍ ذبلت روحه من فرط العشق، ولكن ليس كأي عشق، إنّه العشق السامي للعروبة والكرامة، والتي رآها تتهاوى أمامه يوماً بعد يوم.. وعاماً بعد عام، فوضع حدّاً لها برصاصة صبيحة يومٍ تشرينيٍ شاحب، فكانت النّهايتين..

نهاية تيسير والعروبة في آنٍ واحد!

إنّه الشاعر العروبي حتّى النخاع (تيسير السبول).

ولد السبول في الخامس عشر من شهر كانون الثاني عام 1939في مدينة الطفيلة الواقعة جنوب الأردن، لأبٍ فقير يعمل في الزراعة.

أتمّ تيسير دراسة الابتدائيَّة في الطفيلة، انتقل بعدها إلى مدينة الزرقاء لإتمام دراسته الإعداديَّة والثانوية، ولأنّه كان متفوقاً في دراسته، فقد استطاع الحصول على منحةٍ دراسيَّة في الجامعة الأمريكيَّة في بيروت، لكنّ الجو العام اللامبالي للقضايا العروبيّة في الجامعة لم يرق لتيسير، فقرر الانسحاب، وقال لأحد أصدقائه:

“إنَّها لا شيء يا صديقي، إنّها كذبٌ وزيف وتمثيل.. صدقني إنّها لم تكن إلا كذبة: أشباهُ رجال.. وبنات فارغات”.

بعد شعوره بغربةٍ قاتلة، قام السبول بوضع حدٍ لها من خلال إيقاف المنحة، وانتقاله من بيروت إلى دمشق، حيث تابع دراسة الحقوق في جامعتها، تصادف وجوده في دمشق في نفس عام الوحدة بين مصر وسوريا عام 1958، ومن تزاحم الأحداث في ذلك الوقت على الساحة العربية، برزت موهبة تيسير الشعريَّة، والتي عبّر من خلالها عن خلاص الذات من خلال نهضة الأمّة.

كان تيسير غارقاً بشفافيته المفرطة في قضايا الأمّة، ويحمل عبء خلاصها من هزائمها المتكررة بانتصاراتٍ قادمة، ولكن جاءت النكسة وهزيمة عام 1967 لتعصف به، وأنشد قائلاً:

إنا منحناك الهزيمة

عز ما يهب الرجال

فليحترق تاريخ شعبي

إنا عبرنا الجسر

‏خلفنا ركام الورد والموّال

ذكرى من نفايات القرون

والطيِّبون المؤمنون‏

سيناء

عبروا ليغتسلوا بحمام الدماء

سيناء

يا للموعد الجهري

حيث حساب شعبي الذبح

هذي بعد أول قافلة

فلتحفظي شرف الريادة‏ في ضمير الرمل سرا

حتى إذا شقت سجوف الليل فجرا

تدرين أن دماءنا ‏زيت يضيء على منارة!

 

كان تيسير شديد الذكاء، مرهف الإحساس، عصبيٌ ثائر ينفعل لأي سبب، دائم التوتُر والقلق، عميقاً في فكره، كل تلك الصفات التي اتصف بها في ظلّ الظروف التي عاشها في بقعةٍ جغرافيّة عاصفة بالمتغيرات، مشحونةً بالأحداث جعلته يشعر بغربةٍ عن محيطه، فحاول الفرار منه إلى ذاته، باحثاً عن فسحة سلام بعد طغيان اللون الأسود أمام ناظريه، فلجأ إلى الصوفيّة بترددٍ شديد للبحث عن أسباب راحته، ووجد فيه بعضاً من الراحة التي كان ينشدها، ولكنّها لم تخلعه من جذوره القوميّة، بل عاش في تلك الفترة حالةً من الإزدواجيّة جعلته يكتب مخطوطة في الفكر القومي قائمة على قدريَّة انتصار العروبة، حيث أنّ هذا الانتصار هو الحل الوحيد لاستكانة روحه المنهكة والمثقلة بالهموم، ففي الوقت الذي كان فيه يرتل القرآن، كان ينشد الانتصار من بواريد تشرين عام 1973 التي ألهبت مشاعره لدرجة الجنون، ولكن كانت الصدمة التي أطاحت بتيسير بعد إعلان وقف إطلاق النار الذي لم يحتمله عقله، ودفعته نحو الجنون، وكتب مرثيّة الانتصار التي قال فيها:

شحب الصباح

والموت لاح

قدرا اخا

حط الرحال

وتجهم التاريخ للشعب

الضحوك

ودون جوله

ذبح الرجال

أدري بأني لو بكيت مصير شعبي

لو أعارتني ثكالى النوق حنجرة

سدى

أزجي لسيناء العجوز نحيب شعبي

أزجي لسيناء العجوز نحيب شعبي لا صدى.

‏عشرون ألف مقلة

نقر العقاب

‏لا تهذ بالنصر الملفق

إنني أنبيك

النور غاب

والليل أطبق

‏فليكن ليل – وكان.

 

رصاصة الخلاص

بعد كل تلك الهزائم والانكسارات، وتحديداً في صبيحة الخامس عشر من شهر تشرين الثاني من عام 1973، دوى صوت رصاصة ممزقةً الصمت، ليسود الصمت الأبدي لتيسير السبول بعدها، فبعد فشل العروبة في انتزاع النصر، وفي ظل الإخفاقات والهزائم المتتالية في ذلك الوقت، أيقن أديبنا الثائر بأنّ الخلاص والرّاحة التي كان ينشدها تتمثّل في التمرّد على الحياة، وكان هذا التمرّد – من وجهة نظره – بوضع حدٍ لها، لعله يجد في الموت ضالته وراحته التي لم يحظى بها يوماً في حياته، ونوعاً من الاحتجاج على كل هذا السقوط للعروبة في مستنقع الهزائم المتكررة، والتي فاقت بتكرارها طاقة احتماله، إنّه القهر الذي أفضى إلى وضع حدٍ لحياته من خلال إقدامه عى إطلاق النار على نفسه، تاركاً الأمّة غارقة في تخبطها حتى اليوم، وقد كتب قبل رحيله قصيدة تحت عنوان (بلا عنوان)، يعبّر فيها عن حاله، قائلاً في مطلعها:

أنا يا صديقي

أسير مع الوهم، أدري

أيمم نحو تخوم النهايةْ

نبياً غريب الملامح أمضي

إلى غير غاية!

 

تيسير السبول، هذا الشاعر والأديب المرهف الإحساس، والذي حمل في قلبه هموم أمته وأحزانها، ولكنَّه القهر الذي يكسر الرجال، لم يكسر قلب تيسير فحسب، بل هشّم أحلامه التي تتلخص في كلمة واحدة أو كلمتين، هما النصر والسلام، ولكن هيهات، فلو عاش تيسير حتّى يومنا، لتكرر انتحاره مرّات ومرّات، فالهزائم لم تتوقف يا تيسير، لقد أدمنت أمّة العرب العبوديّة والسقوط، أمّا أنت فكنت السيِّد الوحيد الذي أعلن انتصاره بالخلاص، لروحك السَّلام.

 

عضو إتحاد كتاب الأردن

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى