مقالات الموقع الالكتروني

“صفعة أوكوس المحرجة” قراءة في تحجيم فرنسا

شارك

“صفعة أوكوس المحرجة”

قراءة في تحجيم فرنسا

 

أ.نسيم فبها

 

“طعنة في الظهر”، رد خارجية فرنسا الأول على إعلان أستراليا يوم الخميس 16 أيلول/سبتمبر، في فسخ عقد ضخم أبرمته معها في 2016 لشراء غواصات (تقليدية)، مفضلة عقد شراكة استراتيجية مع الولايات المتحدة وبريطانيا له ما له.

وجاء ذلك مرافقًا لإعلان الولايات المتحدة وبريطانيا أنهما ستمدان أستراليا بتكنولوجيا تصنيع غواصات تعمل بالطاقة النووية في إطار شراكة أمنية استراتيجية وتحالف ثلاثي يُعرف بـ “اتفاق أوكوس”.

فيما أعلن وزير الدفاع الأسترالي بيتر داتون أن الاتفاق الأمني الذي أبرمته بلاده مع المملكة المتحدة والولايات المتحدة سيتيح لواشنطن تعزيز وجودها العسكري بأستراليا. ومع إعلان اتفاق «أوكوس» ورغم عبارات التعاطف الأوروبي مع فرنسا ظهر الانقسام السياسي الأوروبي الذي يُغذيه خلاف الولايات المتحدة مع فرنسا في جدل (وحدة المواقف والإرادة) وفي الصحف وتصريحات المسؤولين، حيث تناولت فان دير لين رئيسة المفوضية الأوروبية في خطابها عن وضع الاتحاد توجه الاتحاد بخصوص 3 مواضيع استراتيجية مهمة؛ جميعها تخدم أجندة بايدن حيال الصين، وهي مبادرة منافسة لمبادرة الحزام والطريق، وسياسة أوروبية حيال منطقة الاندوباسيفيك، وسياسة الأمن والدفاع الاوروبي. إلا أن الممثل السامي للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية جوزيب بوريل قد ذهب بالرؤية الأوروبية الخاصة بمنطقة المحيطين الهندي والهادئ إلى “إنها مقاربة تعاون لا مواجهة”، وهي السياسة التي تدعو إليها فرنسا حيال روسيا والصين مخالفة بذلك التوجه الأميركي الذي يقوم على التحالفات التي أشار إليها بايدن بقوله إنه يريد “الاستثمار في أكبر مصدر لقوتنا ألا وهو تحالفاتنا…وتطويرها لمواجهة تهديدات اليوم والغد بشكل أفضل”. وذلك لعزل الصين وروسيا وتقزيم فرنسا وإخضاعها ودمجها في السياسة المرسومة للاتحاد الأوروبي، من أجل الحفاظ على النظام الدولي القائم والذي يضمن تفرد الولايات المتحدة في الموقف الدولي على المدى البعيد، وهو الأمر الذي صرَّح به وزير الخارجية الأميركي السابق بومبيو بقوله: “الصين وحزبها الشيوعي يمثلان التحدي الأساسي اليوم للعالم الحر” مؤكدًا أن أعمال الصين “تهدد شعوبنا وازدهارنا…علينا أن نعي الحقيقة، هل نريد قرنًا آمنًا أم كما يحلم الرئيس شي جين بينغ قرنًا صينيًّا”.

وبالتالي لم يعد خافيًا أن هذه الخطوة التي اتخذتها أميركا وبريطانيا وأستراليا تندرج في إطار الخطط والترتيبات اللازمة لطمأنة بريطانيا الخارجة من الاتحاد الأوروبي من جهة، وطمأنة أستراليا والدول المجاورة للصين، وعزل الأخيرة واحتوائها ومحاصرة نموها الاقتصادي وطموحاتها الإقليمية، ومنعها من القيام بأي خطوات تهدد النظام السياسي والأمني والاقتصادي الذي أرسته الولايات المتحدة في المحيطين الهندي والهادئ وبحر الصين، ولجمها عن التنمر على دول المنطقة وعن أية محاولة قد تفضي إلى تغيير الوضع القائم وزعزعة النظام الدولي وتهديد المصالح الأميركية والقيم الغربية، وهو ما أشارت إليه المتحدثة باسم البيت الأبيض بخصوص الشراكة والتحالف الثلاثي بقولها: “الاتفاق ليس ضد دولة بحد ذاتها وإنما هذه الشراكة هي تأكيد للمصالح الإستراتيجية للولايات المتحدة ومساندة للأعراف والنظم والقانون الدولي وتشجيع السلام في منطقة الاندوباسيفيك”، لا سيما وأن الصين قد شرعت في الأعوام الـ20 الفائتة بتطوير منظومتها الدفاعية البحرية؛ لأن مشكلتها الإستراتيجية الكبرى تكمن في حاجتها للوصول الآمن إلى المحيطين الهادئ والهندي.

وبالرغم من أن الصين مستهدفة من منظمة الحوار الأمني الرباعي “كواد”، ومن تعزيز القدرات الدفاعية لتايوان عبر صفقات الأسلحة وتحصين هونج كونج بالاتفاقية البريطانية سنة 1997، ومن تسليط الضوء على قضية الإيغور، وشيطنة الصين في قضية فايروس كوفيد-19، ومستهدفة من استراتيجية “الردع المتكامل” التي نادى القادة العسكريون الأميركيون بتفعيلها على وجه السرعة قبل شهرين وترمي إلى ثني الصين عن سرقة التكنولوجيا وخرق الملكية الفكرية والهجمات السيبرانية و(النفوذ الصيني الخبيث) بحسب وصفهم، ومستهدفة أيضًا من التحالف الثلاثي بين الولايات المتحدة وبريطانيا وأستراليا وصفقة الغواصات التي أكد مرماها وزير الاقتصاد الفرنسي بقوله: “الولايات المتحدة لديها هاجس واحد هو احتواء صعود قوة الصين”، وأكده أيضًا رئيس الوزراء البريطاني جونسون في تعقيبه على رد فعل ماكرون بقوله (give me a break) بمعنى (دعونا من هذا هناك ما هو أهم)! رغم ذلك كله إلا أن قضية الغواصات الفرنسية، وقيام أستراليا بالغاء الصفقة التي تُقدر بعشرات المليارات من الدولارات، وما نتج عنها من استدعاء فرنسا لسفرائها في أستراليا والولايات المتحدة للمباحثات، بالإضافة إلى فسخ سويسرا صفقة شراء طائرات داسو رافال الفرنسية التي تقدر بأكثر من 5 مليارات دولار، مقابل عقد صفقة مماثلة مع أميركا من طائرات أف 35، ومساعي الحكومة الرومانية لإعادة النظر في عقد بقيمة 1.2 مليار يورو لتصنيع زوارق كورفيتات محلية من فئة جويند الفرنسية الصنع، كل ذلك نتائج وتداعيات للترتيبات الأميركية للقرن الحالي، وللعلاقة المضطربة بين فرنسا وأميركا والتي ستضيفها الأخيرة إلى ذخيرتها المستخدمة في جبهة تفكيك الدولة العميقة في فرنسا، وتستغلها ضد ماكرون الذي يواجه انتخابات رئاسية في ربيع 2022.

إذ إن التحالف الثلاثي وإلغاء صفقات التسلح مع أستراليا وسويسرا مثَّل صفعة قوية لفرنسا، وجعلها تهرول نحو الهند خوفًا من انسحاب الأخيرة من صفقة طائرات رافائيل داسولت، كما هزّأ قدراتها الدبلوماسية، ووزنها القاري والدولي، مما قد ينعكس على مساعيها في تشكيل قوة أوروبية مستقلة عن حلف الناتو ويُقوضها، حيث سَخِر جونسون من ماكرون على إثر ما حل بفرنسا وخاطبه من أمام مقر الكابيتول الأميركي مستهزئًا به “تمالك نفسك”. ويظهر حجم الألم الذي لحق بفرنسا في ردود فعل القادة الفرنسيين، حيث قال وزير الخارجية الفرنسي جان إيف لودريان لإذاعة “فرانس إنفو”، “إنها حقًا طعنة في الظهر” مشيرًا إلى أنه “غاضب جدًا” ويشعر “بمرارة كبيرة”. مضيفًا “أقمنا علاقة مبنية على الثقة مع أستراليا. وهذه الثقة تعرضت للخيانة”. وقال إنّ “الأوروبيين قرّروا منذ 3 أيّام اعتماد استراتيجيّة خاصّة بهم في المحيطين الهندي والهادئ. وإن بلاده تعيد تقييم موقفها تجاه حلفائها في إطار الردّ على الإعلان عن شراكة استراتيجية بين الولايات المتحدة وأستراليا وبريطانيا”. مضيفًا في حديث للقناة الثانية الفرنسية أن ما جرى في قضية الغواصات “أزمة خطيرة ستؤثر على مستقبل حلف الناتو…واتهم أستراليا والولايات المتحدة بالكذب، كما اتهم بريطانيا بالانتهازية الدائمة”، متغافلا الفشل السياسي الفرنسي في احتواء مظاهرات السترات الصفراء، وما تعكسه من خلخلة فرنسية داخلية، بالإضافة إلى الصفقة الأخيرة في تشكيلة الحكومة اللبنانية (غير الجديد)، والتي مرت بممر العبور الفرنسي.

ويعد السبب الرئيس للاستهداف الأميركي لفرنسا، هو سعي الأخيرة الحثيث لإقرار اتفاقيات تعميق الاندماج السياسي والاستقلال الأمني لأوروبا على قاعدة نحن مع أميركا لكننا مستقلون، كما يرجع استهدافها أيضًا بسبب سخطها الكبير على النظام المالي الانجلوسكسوني بعد انهيار الأسواق المالية سنة 2008. ويرجع كذلك إلى أن فرنسا دولة نووية تختلف عن بريطانيا، حيث حافظت على استقلال الرادع النووي الفرنسي وصناعاتها العسكرية، ولم تندمج تمامًا في إطار حلف الناتو رغم عضويتها فيه، حيث انسحبت من الجانب العملياتي في الحلف منذ زمن ديغول، ولم تندمج في مشاريع التعاون العسكري والصناعات المشتركة كما تفعل بريطانيا، وهو ما يُغضب أميركا ويجعلها تطالب دائمًا برفع مستوى الانفاق العسكري للحلف أمام محاولات التملص الفرنسية. ويرجع أيضًا إلى تدخل ماكرون لحل معضلة اتفاقية الصواريخ المتوسطة والقصيرة ومحاولاته لإقناع أعضاء الاتحاد الأوروبي بتأسيس قوة عسكرية أوروبية، أو محاولته لإعادة العلاقات مع روسيا وتبديد حالة عدم اليقين التي تبثها أميركا لتثبيت حلف الناتو والتحكم بالأمن الأوروبي.

وبالتالي فإن أميركا تعمل بشكل مباشر أو من خلال عملائها على بث اليأس بفرنسا وتقزيمها وكنسها إلى الداخل الوطني الفرنسي. وهذا ما يفسر محاولة ماكرون التغطية على فشله، والتعويض عنه من خلال الهجوم على الإسلام لتعبئة الأوروبيين خلفه، ومن خلال التحوط الوطني عبر إشعال خوف المواطن الفرنسي من (خطر الإسلام) على هويته.

لقد أفقد هذا الزلزال وتداعياته فرنسا توازنها ودفع قادتها للبحث عن مخرج من الأزمة التي أضرت بوجودها الدبلوماسي والسياسي وصورتها العالمية، فإما أن تستمر في نهجها الهجين “معكم ولكننا مستقلين”، والتوجه لتقوية علاقاتها بروسيا والصين، وهو ما يتعارض مع نهج فريق واسع من أعضاء الاتحاد الاوروبي ويزيد من ضعف الاتحاد، أو الاندماج الكامل تحت مظلة الاتحاد الأوروبي وتبخر ما تبقى لها من استقلال بسبب منهج اتخاذ القرار الأوروبي، الذي يتطلب الاجماع السياسي في الأمور السياسية والأمنية، وهو ما تريده الولايات المتحدة.

 

كاتب وروائي فلسطيني

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى