مقالات الموقع الالكتروني

شا طا را “طرح لجمع مؤنث غير سالم”

شارك

شا طا را “طرح لجمع مؤنث غير سالم”

أ.فتيحة النوحو

شا طا را ثلاث قطعات غيار أنثوية  مطروحة في خردة بشرية تنتظر عطلا في أجزاء ما في هذا العالم المتمدد إلا من إنسانيته، شاني طاليا وربيعا  ثلاثة نساء منكوبات في أدميتهن  لعنتهن الوجودية، ثلاث نقاط  متضمخة  بوأد قادم من أزل: “أنثى لأنسى”.

فحيوات بطلات  شاطارا  – كلمة اسبانية  مستعملة  بشمال المغرب وتعني المكان  الذي توجد به  أجزاء  الغيار  والمتلاشيات –  لفرقة تفسوين المسرحية لم تكن فصول ربيع كما يعني اسم الفرقة الامازيغي بل كانت  كناية عن رعود وأمطار وعواصف عصفت بقدر ربيعة التي جسدت دورها الممثلة شيماء العلاوي باللهجة العامية المغربية وهي الشاهدة -وهي لا زالت رابضة برحم أمها ننتظر دورها -على موت شقيقتها التوأم خنقا وهي على وشك أن تطل على الحياة، لتبقى ربيعة في بطن الأم تصارع البقاء في ليلة ماطرة في مكان قصي منسي أغرقته السيول، فما كان على الأب إلا أن يحمل زوجته الحامل ويركب جموح الوادي الذي تمنع بمنعة سليقية كفرس حرون، أملا في الوصول إلى المستوصف البعيد جدا  كأنه في قارة أخرى، لم تصمد الأم أمام  تكالب الطبيعة مع القدر الزمني فأبت إلى أن تهب حياتها قربانا لتحيا ربيعة حاملة داخلها مقبرة متنقلة دفنت فيها أختها النصف وأمها لتبدأ رحلة العذاب والتنقل من دور الرعاية إلى دور الدعارة إلى الارتماء في أحضان الموج خلسة واختراق حدود البحر سرا لمعانقة غربة أبدية.

فيما طاليا المشرقية التي لعبت دورها الممثلة قدس جندول التي تجتر خلفها تاريخ شرق لا تشرق فيه شمس النساء، من ختان وزواج مبكر لطفلات رموا بدميتهن أرضا ليصبحن هن الدمى لوحوش “بيدوفيلية” مغتصبة لبراءة تقدم كطبق نيئ بمباركة الأهل والمجتمع.

تسترجع طاليا بلغة عربية فصحى طفولتها وحبها لابن حيها نادر مستحضرة بكثير من الحنين والحرقة كل اللحظات البريئة التي كانت تجمعهما في لهو ومرح، لتسحلها يد أمها وتضعها في سرير كهل مغتصب كاتما صوتها الخجول القاصر والقصير في سرير طويل حال دون وصوله حتى إلى باب الغرفة وما بالك أن يتجاوز صداه خارجا.

لم تتحمل طاليا هذا الغصب لتهرب مع حبيبها خارج رقعة اليابسة لتبلل روحها بملوحة بحر لعله يضمد جراحا ت غائرة غير عليمة انه حتى اليم قرار غادر إذ سيبتلع نادر في جوفه لتنجو هي لتلتحق بضفة بلا ضفاف.

أما شاني المتلونة البشرة والتي جسدتها الممثلة آمال بن حدو باللغة الفرنسية المرطونة بلكنة افريقية تتجرع نبذا مزدوجا من  البيض والسود فهي لا تنتمي لأي من الفريقين فهي نتيجة علاقة استباحة من عسكري مستعمر ابيض لوالدتها التي كانت تشتغل لديه خادمة فتخلى عنها وتركها لمصيرها المأساوي، عندما غادر الاستعمار الثكنات تاركا وراءه ألغاما آدمية واعدة بالانفجار في كل حي وحين، فشاني هي البنت المنبوذة الملفوظة التي تنعت بأبشع  النعوت و تتلقى كل المهانة والتحقير لذنب لم تقترفه، فهامت بعد وفاة والدتها لتبحث عن أب بيولوجي ربما يكون بصد حكي عن غزوات مخصية في تربة ولادة في ربوع  البسيطة   المسكونة بحدود لا حدود لها.

ثلاث أقدار، ثلاث لغات، لثلاث نساء جمعن الاغتراب والهروب السري من ظلم علني فامتطين رحلة بوح جواني، فعندما تكون اللغة أحيانا عصية أمام الآلام، تنتصب سنفونية  الأنين مشهرة جسارتها أمام ما لا يقال، فليس هناك أجمل من القمر ليلبس صوت الآهات  ويتغنى بألحان الأرواح المعذبة، فكان الصوت الشجي اللماح والقوي الفنانة تيفيور (أجمل من القمر بالامازيغية) مترجما لكل ما عجزت المفردات عن كشفه، وذلك بقيثارتها  المتماهية مع أوتار الفنان إلياس المتوكل الذي صاحبها في العزف.

ملحمة مسرحية  خطها الكاتب المسرحي سعيد أبرنوص معية فريق العمل، دثرت بدثار النثر وزلال الشعر حيث تخضب العرض بأشعار الشاعر الراحل محمود درويش واحمد جندول والسينوغراف طارق الربح الذي أبدع أيضا في تشكيل الدعامات الفنية للعرض  وفق الشكل الهندسي الاسطواني، وطوعها حسب المشاهد الركحية فتتخذ عموديا أو أفقيا شكل مخادع نوم عبور او مخادع هاتفية للاتصال بأوطان لم تكترث بهن  فيبقى الاتصال معلقا.

بين أيد أمينة لأمين ناسور مخرج ومهندس هذه الفرجة الفنية المكتملة العناصر حيث  أحاطها وبحرفية كبيرة بكثير من المفردات الإبداعية، كتوظيف شاشة متعددة الأضلاع  عاكسة للوحات تصويرية تارة إيحائية تارة أخرى، فضلا عن عبارات مكتوبة تلخص مشاهد من العرض وكلها تمت بتقنية لفيديو من توقيع رضا التسولي وحضور الاداء الجسدي والكوريغرافي.

   فالمسرحية التي بدأت ببرولوج قصير قدمته الاعلامية فاطمة الافريقي و أهديت إلى روح سيدة الركح الفنانة الراحلة ثريا جبران نسجت خيوطها الاحترافية من الفريق الفني والتقني لفرقة تفسوين من مدينة الحسيمة، المتكون من كل من مصممة ملابس العرض الفنانة نورا اسماعيل، التي ابدعت في وضع الزي في تناغم مع جوانيات شخوص العمل، و عبد الرزاق آيت باها في الإنارة، رضا التسولي في تصميم الفيديو، فاطمة حموشة في تنفيذ الملابس، عبد الحليم سمار في المحافظة العامة، محمد أمين البنوضي وكريم اعمو في تقنيات الصوت، وفؤاد البنوضي في  إدارة الإنتاج والإعلام، فيما تعهد الفنان الفوتوغرافي محمد الحقوني بالتوثيق للعرض  وعروض مسرحية مغربية كللت بمعرض  فني احتضنه، وذلك تزامنا مع عرض شا طا را  بهو المسرح الوطني محمد الخامس بالرباط  تحت عنوان “لنعش المسرح بعين اخرى”. وذلك في إطار الاحتفال بذكرى مرور 60 سنة على تأسيس المسرح الوطني محمد الخامس، لقطات اقتنصها الفنان المصور من بين ثنايا الركح وكواليسه وشخوصه، اذ يكشف انه لا يشاهد المسرح بل يعيشه خلف عدسته ليسهم من زاويته في توثيق لذاكرة   المسرح المغربي البصرية.

 

صحفية من المغرب

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى