كل الثقافة

الإكتفاء الذاتي

شارك

الإكتفاء الذاتي

 

أ. شيتُور فيروز

 

الحياةُ و بمراحلها المُختلفة تجعلنا نتبنَّى مفاهيمَ لفهمها و فهمِ ماهيتها و سرِّ تكوينها ، إنَّها طبيعةُ الإنسانِ التي تسعى دومًا للتكيُّف مع الذَّات و المُحيط من حولها، بما يتماشى و المبادئَ التي تفرضُها الأنا على نفسها و ما تفرضهُ عليها الحتميَّات النًّفسيَّة الإِجتماعيَّة و الدٍّينيَّة ،

يسعى الإنسانُ أن يكون مُمتلئا بذاته مُكتفيًا بها عن غيرها ، و الوصول لهاته المرحلة هي غاية الغايات النَّفسيَّة ، التي تُعتبر مرحلة السَّلام النَّفسيّ الدَّاخليّ ، و النًّعيم المُقيم في الدُّنيا ؛ إنَّ الصِّحة النَّفسيَّة السويَّة هي الرَّكيزة الأساسيَّة لمجتمع سليم صحّي و سويّ ، فيحقِّق بذلك الإكتفاءَ الذاتي في الإقتصاد ، فيكونُ بذلك مكتفي ماديا و يحقِّق الإكتفاء الغذائيّ ، و كذا السّياسة فيجعلَ بذلك التّدخلّ الخارجيّ في القرارات الذي من شأنه زعزعةَ الإستقرار منبوذ نهائيا ، و يكتفي بخبراته و إمكانيَّاته ، و نفسيًّا فيكتفي بذاته عن غيره ، و يكون ممتلئًا بنفسه .

أن تكتفي ذاتيًّا ، أي أن تشعر بالإمتلاء الداخليّ ، بما يميِّزك عن غيرك ، في تفرُّدك ، لا تسمح لأيٍّ كان بالولوج لمساحتك الدَّاخليَّة مع نفسك ، فهي سرُّك الخالص و جوهرك ، ليسَ لأيٍّ كان العبثُ بها ، و التَّدخُّل في تركيبتها ، عزِّز ثقتك بنفسك بكُلِّ الطُّرق المُمكنة نفسًا و رُوحا ، دلِّلها و إسمع ما أهمَّها بحرصٍ و إهتمامٍ شديدين ، بالغ في حبِّك لنفسك ، و إحتوائها ، و إسعى دائما لتطويرها و تحسينها في شتَّى مجالات الحياة .

إنَّه الإكتفاء الذي لا يفتأ يذكِّرك بكينونتك و سرِّ خلقك ، بقيمتك العليا ، بأنَّك أنتَ أنت ، لا أحدَ غيرك ، متميِّز بفرديًّتك .

إنَّ الحياة تسعى دائمًا لإختبارنا بمدى تمسُّكنا بالمبادئِ التي ندعو لها كلَّ حين ، فتضعنا في المواقف التي تستدعي فينا أفضل ما فينا أو العكس ، فنكتشفُ أنفسَنا بذلك مع الوقت ، و نعرفُ أشياءَ عنها لم نعهدها ، فرحلةُ الحياة مهمَّتها الوحيدة هي التًّنقيب فينا عنَّا ، لتُعرِّفنا بأنفسنا أكثر طيلةَ الرِّحلة ، و تكشفُ دواخلنا في كلِّ مرَّة ، لنتعاملَ معها و نغيِّر ما يجب تغييره .

إنَّ شعور عدم الرَّاحة دليلٌ لخطبٍ ما بالدَّاخل ، فكلَّما تعمَّقنا أكثر في معرفةِ ذواتنا ، زادت شفافيَّة مشاعرنا و تعامُلنا معها ، فالتَّجاوب مع المشاعر بالدَّاخل و إحتوائها يُنشأ نفسًا سويًّة ، و منطقُ الكبت و طمر المشاعر لا يفتأ يُثقل كاهلَ القلب و يُرهقه ، فالتَّعامل مع داخلك يقوِّي صداقتك بنفسك ، و يزيدُك تألُّقُا و ثقة .

إنَّ الحكمةَ من الإكتفاءِ الدَّاخلي هي في الوفرة ، النًّعيم المُقيم بإقامة المشاعر الطيِّبة داخلك ، و الأفكارَ التي من شأنها تعزيزُ إمكانيَّاتك النَّفسيَّة و تطويرها كل حين ، إنَّ الخواءَ الدَّاخليّ هو مرتعُ المفاسد و التَّعلُّق المرضيّ بالأشياءِ الأحداثِ و الأشخاص من حولك ، إنَّ منهج النًّفس السَّوية في الوسطيَّة ، أحبُّو هوينا و أبغضو هوينا ، و التَّعلُّق بالأهداف يُغذِّيها بفائض إحتمال من الطَّاقة ، فما تفتأ إلا تذهب بعيدًا عنا ، فالمساحةُ بيننا و بين الهدفِ تمنحهُ المزيدَ من الحريَّة ، فيأتي راغبًا لا مرغما ، فتطولُ إقامته و تطيب .

إنَّ الخوف عدوّ المحبَّة ، و حبُّك لذاتك هو سندك و متَّكئك في الحياة ، فعليك نفسك ، ” لا يضرُّكَ من ضلَّ إذا إهتديت ” ، و تعلُّقك بالأحداثِ المواقفِ و الأشخاصِ بدافع المحبَّة يزيدُ من طاقتها في حياتك ، فتغدو نعيمًا مقيما .

صدِّق رُوحكَ حينَما تُحدِّثُك ؛ فحديثُكَ الدَّاخلي أقدسُ تجلِّياتِ اللهِ في الأرض ؛ أنصِت لها فهيَ أحنُّ القُلُوب عليك

 

كاتبة و شاعرة جزائرية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى