مقالات الموقع الالكتروني

ساحة بورما الساخنة

شارك

ساحة بورما الساخنة
قراءة في الإشتباك الصيني الأمريكي

أ. نسيم قبها/كاتب وروائي فلسطيني

باغت الجيش البورمي رئيسة الوزراء سو تشي بالانقلاب العسكري الذي أطاح بالرئيس فين مينت، واعتقلها، مع زعماء آخرين من حزبها، وقام بتعيين نائب الرئيس، ميينت سوي، رئيسًا بالوكالة، وأعلن حالة الطوارئ في البلاد لمدة عام.
وفي أول تعليق له، ذكر المكتب الصحفي لجيش ميانمار أن مين أونج هلاينج قائد الانقلاب العسكري أبلغ حكومته الجديدة خلال أول اجتماع لها يوم الثلاثاء 2 شباط/فبراير، أن “استيلاء الجيش على السلطة كان حتميًّا” بعد احتجاجه على مزاعم بتزوير الانتخابات
وكان الجيش البورمي قد بيّت النيّة قبيل الانتخابات مطلع شهر تشرين الثاني/نوفمبر الماضي لتقويض العملية الديموقراطية التي انطلقت في البلاد على يد هيلاري كلنتون سنة 2011، ضمن تفاهمات وضغوط ووعود وإغراءات أميركية بمشاريع هندية ويابانية في ميانمار، وحملت أونغ سان سو تشي (الحائزة على جائزة نوبل للسلام، والتي استقبلت بحفاوة في البيت الأبيض، وأصبحت موضوعًا لفيلم عام 2011 لتلميعها وتسويقها لشعب ميانمار) من الإقامة الجبرية إلى الحكم سنة 2015.
فمع الإعلان عن فوز حزب “الرابطة الوطنية من أجل الديمقراطية” الذي تتزعمه أونغ سان سو تشي بانتخابات تشرين الثاني/نوفمبر، رفض حزب “الاتحاد للتضامن والتنمية” المدعوم من الجيش نتائج الانتخابات، وهدد جيش ميانمار بإتخاذ “إجراء” حيال ما وصفه بالتزوير، بينما رفضت مفوضية الانتخابات مزاعم الجيش والمعارضة بتزوير الانتخابات.
وفي يوم 30 كانون الثاني/يناير الماضي أعلن الجيش أنه “سيحمي الدستور ويتصرف وفقًا للقانون”، وترجم ذلك في انقلابه على السلطة بعد يومين وفرض حالة الطوارئ مدة عام، مبررًا انقلابه عبر القنوات الإعلامية التابعة له، أن أزمة الفيروس التاجي وفشل الحكومة في تأجيل انتخابات نوفمبر/تشرين الثاني من أسباب إعلان الطوارئ، مراهنًا على أفول نجم سو تشي إثر الضرر الذي لحق بصورتها دوليًّا بسبب موقفها من قضية الروهينغا، حيث تلقت لجنة جوائز نوبل مطالبات بتجريدها من جائزتها، وسحبت عدة مدن ومؤسسات أخرى، ومنها الاتحاد الأوروبي، الأوسمة التي منحتها لها. غير أن ذلك لم يمنع الغرب الذي تعلو مصالحه على القيم، من إدانة الانقلاب على سو تشي على الفور، متذرعًا بحماية الديمقراطية.
فقد علق رئيس الولايات المتحدة جو بايدن في بيان له: إن “الولايات المتحدة ستدافع عن الديمقراطية في أي مكان تتعرض فيه لاعتداء”، مطالبًا الجيش البورمي بـ”التخلي بشكل فوري عن السلطة التي استولى عليها”، فيما لم تتأخر شركة فيسبوك عن حظر صفحة شبكة تلفزيونية تابعة للجيش في ميانمار عقب الانقلاب.
ومن جهته قال جوزيف بوريل، الممثل الأوروبي للشؤون الخارجية، في بيان بإسم الاتحاد الأوروبي: “هذه محاولة غير مقبولة لتغيير إرادة شعب ميانمار قسريًّا”. وأضاف: “يتوقع الاتحاد الأوروبي ضمان سلامة مواطني ميانمار ودول الاتحاد في كل الأوقات، وسيدرس الاتحاد جميع الخيارات المتاحة لديه لضمان سيادة الديمقراطية”.
كما ندد غوتيريش الأمين العام للأمم المتحدة بالانقلاب وقال في بيان له “إن التطورات الجارية في ميانمار تمثل ضربة خطيرة للإصلاحات الديمقراطية”
أما الصين التي وصفت ميانمار بالدولة “الصديقة” ووصفها الإعلام الغربي بـ”الدولة التي تدور في فلك الصين”، فقالت: “إنها تتابع الأحداث وتدعو كل الأطراف إلى احترام الدستور”.
والواضح من خلال رفض روسيا والصين في مجلس الأمن الاستعجال في مشروع التصريح المشترك الداعي إلى التزام الجيش البورمي بالنظام الديمقراطي ورفع حالة الطوارئ، ومن خلال المعطيات الداخلية وردود الأفعال الدولية وتسليط وسائل الاعلام الأميركية والغربية بشكل خاص الأضواء على مسألة “حقوق الإنسان”، بالإضافة إلى زيارة وزير الخارجية الصيني وانغ يي لميانمار قبيل الأحداث الأخيرة، ولقائه بقائد الجيش الذي لم يُخفِ امتنانه للصين وتأييدها بشأن قضايا تايوان وهونغ كونغ وإقليم الإيغور، وبالإضافة أيضًا لزيارة وزير الدفاع الروسي، سيرغي شويغو لميانمار مؤخرًا، وتوقيعه عقدًا بتزويد ميانمار بالأسلحة والمعدات العسكرية الروسية المتطورة لقاء تسهيلات خاصة بدخول القطع البحرية الروسية إلى موانئ ميانمار، الواضح من ذلك كله أن انقلاب الجنرال هلاينج، قد تم التخطيط له منذ شهر تشرين الثاني/نوفمبر الماضي مع فوز بايدن بالرئاسة في أميركا، كإجراء وقائي ضد التوجه الأميركي نحو جيش ميانمار الذي يعيق استكمال الانتقال الديمقراطي، وضد النشاط الهندي الأميركي الذي يحاول عرقلة توقيع دول مجموعة الآسيان مدونة “قواعد السلوك” مع بكين بشأن بحر الصين الجنوبي.
فقد كانت نتائج الانتخابات الأخيرة مرعبة للجيش البورمي؛ لأن حصول حزب أونغ سو تشي الخصم اللدود للجيش على ما يقارب 85% من الأصوات وحصول حزب التضامن والتنمية المقرب من الجيش على نسبة أقل من 7% لا يعكس حجم الدور الذي يلعبه الجيش في السلطة، إذ أن هكذا نتيجة تفتح الباب أمام إعادة صياغة الدستور والنظام الهجين الذي هندسه الجيش بما يضمن نفوذه في الحكم. لا سيما وأن سياسة الانفتاح على الديمقراطية والغرب التي تقودها أونغ سو تشي تحظى بدعم تيار داخل الجيش، وهو التيار الذي لعب دورًا في اتفاقية تقاسم السلطة مع أونغ سو تشي، فقد جاءت نتائج الانتخابات في تشرين الثاني/نوفمبر الماضي مخيبة لآمال قائد الجيش الجنرال مين أونج هلاينج ومبددة لأحلامه، حيث كان يخطط للترشح للرئاسة بعد تقاعده قريبًا، بينما أظهرت نتائج الانتخابات طغيان شعبية حزب سوتشي على منافسها حزب “التضامن والتنمية” الذي راهن عليه الجيش
ولهذا تحرك الجنرال هيلاينج مستغلًا ثغرة دستورية تسمح للجيش بالتدخل في الحياة السياسية بموجب دستور سنة 2008، ونفذ انقلابًا على سو تشي لقطع الطريق على توليها السلطة بعد تيقنه من عدم قدرته على تقليص الفارق الشعبي مع حزبها وانعدام حظوظه بالفوز، والذي من شأنه أن يعطي فرصة لتيار القادة العسكريين المؤيدين للإصلاح الديمقرطي للسيطرة على القيادة العسكرية، وتآكل نفوذ الصين في ميانمار، ويهدد نموذجها السياسي في الحكم ومصالحها المتمثلة بخطوط النفط والغاز ومبادرة “الحزام والطريق”. وبخاصة في المرحلة المقبلة التي تتخذ فيها الولايات المتحدة في ظل الإدارة الجديدة من الديمقراطية ركيزة أساسية في التصدي للصين وروسيا. وهو ما أشار إليه وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلنكين في رده على سؤال حول الصين أنه من الصعب منافسة الصين عندما يبدو نظامها “أكثر استقرارًا مقابل الفوضى في النظام الأميركي”.
ولا يخفى أن ميانمار هي إحدى ميادين صدام النماذج والمصالح بين الولايات المتحدة وبين الصين الشيوعية الهجينة، كما تعتبر ميانمار منطقة تدخل وتوتر تنفذ منها الولايات المتحدة للضغط على الصين، تمامًا كمناطق الاشتباكات الحدودية بين الهند والصين، وكوريا الشمالية وكوريا الجنوبية وقضية الإيغور. لا سيما وأن صعود الديمقراطية في ميانمار قبل 10 سنوات قد شكل اختراقًا كبيرًا لأميركا في جبهة الصين، وكان إنجازًا رئيسيًّا للرئيس السابق باراك أوباما ونائبه بايدن والحزب الديمقراطي، والذي تحقق على يد هلاري كلنتون عبر وعودها بمساعدات اقتصادية وتخفيف العقوبات عن ميانمار.
وبالرغم من ذلك فلم يقف قادة الجيش البورمي الموالين للصين مكتوفي الإيدي بل اتخذوا من الروهينغا المسلمين وقودًا لتشويه صورة رئيسة الوزراء أونغ سو تشي الموالية للولايات المتحدة؛ حيث وضعها الجيش في موقف حرج داخليًّا وخارجيًّا من خلال حملة التطهير العرقي التي شنها ضد المسلمين الروهينغا سنة 2017، إذ وضعها أمام خيارين: إما أن تعارض محرقة المسلمين الروهينغا وتفقد سندها الشعبي من الأغلبية القومية البوذية المتشددة، وإما أن تؤيد المحرقة وتقوّض ديمقراطيتها الوليدة التي تستمد منها الدعم الخارجي، وتستغلها في الحد من دور الجيش في السلطة.
غير أن أداء سو تشي الذي تواطأ عليه الغرب بشأن الروهينغا، ونجاحها في كسب غالبية الشعب قد فوت على الجيش فرصة إسقاطها، وألجأه إلى التحرك بهذا الانقلاب العسكري.
ومن المتوقع أن تمارس الولايات المتحدة ضغوطًا دولية كبيرة على قادة الجيش، وأن تستغل الانقلاب لتأليب الشعب البورمي على النظام العسكري، وتستغله في تشجيع شعوب المنطقة على التحرك ضد الأنظمة الشمولية في كمبوديا وتايلند لتعزيز الديمقراطية التي توصل عملاءها إلى الحكم عن طريقها، وتسليط الضوء على عيوب النموذج الصيني في الحكم واقتياد دول العالم لحصاره.
ولا شك أن أميركا ستستفيد من الانقلاب أيضًا في الترويج لأجندة بايدن بشأن مبادرة الاندوباسيفيك لتعزيز شراكات دول المنطقة مع الولايات المتحدة لاحتواء الصين، وفي دعم تحالف “الرباعية” التي أسسها ترمب ضد الصين والمتمثلة بالولايات المتحدة واليابان واستراليا، بالإضافة إلى الهند التي تعتزم بالاشتراك مع اليابان، تنفيذ مشاريع طرق الترانزيت التي تربط جنوب الهند بشمال شرقها عبر أراضي ميانمار، وكذلك بالربط مع تايلاند.
وقد تستفيد الولايات المتحدة من الحدث لتوسيع دائرة التوتر حول الصين عبر تشجيع أبناء الروهينغا على حمل السلاح وتسخيرهم بعمليات قتالية لتأليب الرأي العام الإسلامي على الصين الداعمة للنظام البورمي الوحشي لزيادة الضغط عليها وقطع إسنادها لقادة الانقلاب.
وأما قادة الجيش البورمي المتهمون بالإبادة الجماعية فيراهنون على الدعم الصيني، وعلى الوقت، وإرغام سو تشي على توافقات جديدة تعيد التأكيد على دورهم في السلطة، بالإضافة إلى محاولة تسخير الوضع في المساومة على رفع العقوبات الأميركية عنهم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى