رئيس التحريرعلي المرعبي

خيالها السومري في تباريح المعنى

خيالها السومري في تباريح المعنى
شارك

  1. وأبقى أحبّـك

ساجدة الموسوي

هبطنا من الزمن البابلي
على الأرضِ منّاً وسلوى
عقدوا حبل سرّي بسرّك
فصارَ دمي من دمك
وقابلتي البابليةُ مرّت
بمرودها الذهبي
بين عيني وعينك
فصرتُ أرى ما ترى
كبرنا
كطفلين من بركات النذور
تدور الليالي
ونحنُ على صهوات الليالي
ندور
ما افترقنا .. ما اختلفنا
ولكنّهم عنك قالوا ..
ستكبرُ أكثر.. فأكثر
خفتُ من أضلعي
وصرتُ أحاذرُ من وجعي
أنت فيما عليه
يحيِّرني ما الذي أتدبّرُ كي أنصفك
وكيف أجاري
قطيع َ المها في دمك
فكيفَ إذا ما كبرتَ
وفاض اشتياقي
أيكفيكَ قلبٌ صغيرٌ ..
لنجمةِ ليلٍ
طوال المساءِ ترددُ اسمك
أيكفيك قلبي الصغير
الذي حمل الأرض أجمعها
ومضى راجلا ً
كي يقول َ: أحبّـك
أيكفيك قلبي الصغير يا أميرَ الدّنا
يا عراقي الحبيب
خذهُ قطرةَ َ ماءٍ
على وردِ كفِّك
خذهُ نجمةَ صبحٍ على هامِ نخلك
وأبقى أحبّك
ـــــــــــــ
من ديوان تباريح سومرية



خيالها السومري في تباريح المعنى
د. إياد عبدالمجيد العبدالله*

تشكل البنية المعرفية والاجتماعية والثقافية أثرا في طريقة تعبير الشاعر عن رؤاه ، فيشتغل على الوعي باعتباره مرجعا للظاهرة الجمالية التي تفتح أمام التأويل مجالا واسعا ليؤسس التداخل بين مجالات المعرفة الإنسانية ، فتدخل الأسطورة ، والتراث في هذا الوعي الكامن في ذهنه عندما يـؤسس لنصوصه ، ومن هنا تأتي مفردات الرؤية الكلية في قصيدة ( وأبقى أحبك ) للشاعرة ساجدة الموسوي ، التي ضمها ديوانها ( تباريح سومرية )1 المنشور في دمشق عام 2004 ، وقد كتبت قصائد الديوان كما جاء في تنويه الشاعرة في بغداد خلال الأعوام 2000-2002 وهي الفترة التي عبرت عنها الشاعرة بأنها ” مشحونة بالهم الوطني ، فالحصار على أشده ، والتهديدات بالعدوان المسلح تتصاعد … ”
تتفاعل الأحداث المتلاحقة على العراق فتعيشها الشاعرة في الوطن الذي تحب ، وتكتب تباريحها السومرية ، فتعيش الأحداث بقلبها الصغير الذي احتوى العراق الكبير ، الكبير في كل شيء تاريخه الموغل في الزمن ، حضارته ، مجده العريق .. ففي المحنة التي تعيش ليس لها سوى هذا الحب الباقي .. تتلمس من خلاله مفردات الرؤية الكلية من خلال تداعيات الصور المتواترة التي تمر في ذاكرتها وخيالها ، محاولة الربط بينها ، ومعرفة دلالاتها من خلال السياق الذي ترد فيه ، وهي تجرد من كل ذلك نموذجا معرفيا ، فتتحول أجزاء النص إلى كلٍّ متماسك يهدف جماليا إلى استكشاف الماهية الحضارية للإنسان ، من خلال الشعر الذي أبدعه ، وأسس وجوده المعرفي . فالسومريون اخترعوا أول نظم الكتابة ، وعملوا على تطويرها التي استخدمت في الأدب داخل الإمبراطورية الأخمينية والبابلية ، فمثلت التراتيل أفضل نوع من أنواع الأدب السومري ، التي ألفت لتمجيد الآلهة أو الملوك ، والمعابد السومرية ، أما الأشعار السومرية فكانت تدور حول آلهة الحب الطموحة إنانا ( عشتار الأكدية ) وزوجها- الإله – الراعي دموزي ، وتؤلف القصص والملاحم الخاصة بالبطولة والأبطال موضوعا بارزا في الأدب السومري بشكل خاص .
إن الشاعرة وهي تستذكر تراثها العريق لن تمجد في تباريحها وهمومها المثقلة إلا هذا الوطن الذي يتعرض لهجمة عدوانية شرسة ، فالمكان السومري استطاع الإنسان منذ البدء أن يكتب فيه خلوده الأبدي .. والموسوي تستحضر المكان في ذاكرتها عبر أنسنته من خلال الاستعادة السردية على اجتراح حالة العدوان الذي يتعرض لها حبها العظيم العراق . فهي حين تتناول المكان السومري وتجلياته عبر رمز من الرموز تنساق لها المفردات ، وترتسم في عينيها عوالم .. ليصير المكان حاضرا ، وبعدا في التحول لا الثبات ، وكل متحول حي ، وكل ثابت ميت وزائل ، وبينهما إشكالية الثابت والمتحول منذ أدونيس على الأقل .
الشاعرة لا تصطنع حدثا ، بل تواكب التحول في المكان ، لتضفي التشويق من خلال اقترانها ( التوأم ) ، المكان الموصوف مجازي استعاري ، والمكان والزمان متحولان في وعي الاستمرارية ، وهي تريد أن يبقى المكان منتميا في النص، بشخوصه وبنيته وتشكيلاته اللغوية ، وأبعاده الدلالية ، فتستعيد الصورة في اللغة ، والدلالة في المفردة ، وتدخلنا في فضاء المتخيل ، وهو فضاء مفتوح لالتباس الرؤى والتصورات ، تتحاور ، تتصارع ، تصور ، تستفهم ، تستنطق ، عبر تداخل الزمان والمكان .. واختزال الماضي والمستقبل في لحظة سردية مكثفة ، دون أن يفقد المكان مشروعيته في السياق السردي .. كأن الشاعرة تستعيد الأسطورة السومرية ببطليها الآلهين الراعي والفلاح في خطاب ديموس وأنانا إذ يصور البطل الآخر البديل في التحول أو وسيلته .. لكن الشاعرة لم تتعمق أو تغوص بدلالات الأسطورة ، بل تستعير مسمياتها من قريب أو بعيد ، فتشير بذلك إلى هذا التوافق والتلازم .. هذا التحول في الإنسان والمكان معا يفترض ألما مخاضيا غريبا ، يصبح فيه الذكر أنثى الألم ( التوأم ) معا ، فالأرض تبكي كأم حنون طفلا ضاع منه / منها .
تبدأ القصيدة بالمفردة الماضية في الزمن ، وتستعير لوجودها متخيلا من الزمن البابلي ، الذي ارتقى في التاريخ صعودا .. ها هي تهبط مع حبيبها من ذاك الزمن على الأرض لتبعث المسرة التي تشير إليها بالمن والسلوى ، كما تشير الشاعرة إلى هذا الالتصاق الولادي في ( حبل السرة) هي وحبيبها العراق ، التئام جسدي لا روحي فقط :
هبطنا من الزمن البابلي
على الأرض منّا وسلوى
عقدوا حبل سري بسرك
فصار دمي
من دمك
وقابلتي البابلية
مرت بمرودها الذهبي
بين عيني وعينك
فصرت أرى ما ترى
كبرنا
كطفلين من بركات النذور
النص مليء من الثنائيات ، فهناك المن والسلوى ، عيني وعينك ، طفلان ، الافتراق والاختلاف ، حبل سري وسرك ، الصغار والكبار ، نجمة الليل ونجمة الصبح .. كل ثنائية تقود إلى شيء واحد .. وتحاول الشاعرة من خلالها أن تقدم للمتلقي عدة مفاتيح وليس مفتاحا واحدا .. هذه المجازات المتقدمة : عقدوا حبل سري بسرك/ فصار دمي / من دمك / مرودها الذهبي / الرؤية المشتركة / بركات النذور كطقس بابلي .
كل هذه المجازات تقوم بخرق نظام اللغة محدثة تشويشا في المعنى المعياري .. الشاعرة تؤنسن الأشياء ، فالعراق يتحول إلى ذات إنسانية حية ، يخالط دمه دمها خوفا عليه .. ثم تستحضر صورة قابلتها ( البابلية ) بمرودها الملكي الذهبي التي ركبت من خلالها الصورة لتتوحد بعد ذلك : مرت بمرودها الذهبي / بين عيني وعينيك / فصرت أرى ما ترى /
صور حسية تقوم على التشخيص ، فالوطن الغالي لا يليق بتوحد محبيه إلا مرود ذهبي ، يمر بين العينين لتشكل صورة الولادة والنمو : كبرنا / كطفلين من بركات النذور / تدور الليالي / ونحن على صهوات الليالي / ندور .. / ما افترقنا .. / ما اختلفنا /
في هذه الصور الاستعارية التشخيصية يتحول العراق عبر الزمن ومعاناته المعبر عنها في الامتداد والتعاقب بالليل ، والتحديات التي ما وهن لها ولا استكان المحبوب ، ولا ضعفت إرادتها معه : ما افترقنا .. / ما اختلفنا /
هنا يتحول العراق إلى إنسان حي يشارك الشاعرة حياتها وتشاركه في الزمن .. تخاف عليه ، وتحاذر من وجعها ؛ كي لا يتوجع .. فالصور تتداعى لتقوم على جملة من المشاهد النفسية والوجدانية التي تبدو للمتأمل أنها تدور حول محور أساسي ملتحمة فيما بينها من أجل خلق صورة كلية منسجمة الأجزاء ، فالعراق هي ، وهي العراق :
ولكنهم قالوا .. ستكبر أكثر
فأكثر …
خفت من أضلعي …
وصرت أحاذر ُ
من وجعي …
أنت فيما عليه
بنية الصورة هي التي تشكل بناء مشهديا أقيم على السرد ، وقد ارتبطت بالحالة الشعورية التي استطاعت بسط مساحة من الانزياح بين المعنى ، ومعنى المعنى .
وتعيش الشاعرة بعدها حيرة ، وتدور في فلكها ، وليس ما ينقذها ويريها غير هذا الاستفهام ، وأنسنة الأشياء في انزياح جميل ، وهي تقول :
يحيرني ماالذي أتدبَّر كي أنصفك
وكيف أجاري
قطيع المها في دمك
فكيف إذا ما كبرت
وفاض اشتياقي
أيكفيك قلب صغير ٌ …
لنجمةِ ليل ٍ
طوال المساء
تردد اسمك ؟
يتواصل الانزياح بين الطبيعة في ( قطيع المها ) وإكسابها سلوكا بشريا .. تتواصل فيه الحيرة والتساؤل : كيف أجاري / قطيع المها في دمك /
فحتى دمه هو دم الغزال ، الذي يحتل رمزا عقائديا واجتماعيا في الأساطير البابلية .. والصورة الفنية تبدو في النص أكثر تجاوزا للظواهر ومواجهة للحقيقة الباطنة ، فقد استمدت طاقتها وحقيقتها من تساميها وطرافة تراكيبها البسيطة ، إذ أن وظيفة الصورة هي التكثيف كما يرى جان كوهن ، فالشعرية هي تكثيفية اللغة ، والكلمة الشعرية لا تغير محتوى المعنى ، وإنما تغير شكله .. وقد اتكأت الشاعرة في نصها على الوصف المباشر ، والتشبيه التقليدي ، في رسم بنى صورها الفنية نحو :
خذه قطرة ماء
على ورد كفّك
خذه نجمة صبح ٍ
على هام نخلك
الصورة هنا واضحة قريبة المعالم ؛ لكنها عندما تتغلغل إلى مكامنها ، نجد ثمة رابطة بين جزئياتها ، فالقلب الصغير يتحول تارة إلى نجمة ليل ، وأخرى نجمة صبح ، فالمسألة هنا تأخذ مسارا آخر في حالة وجود انزياح بينهما ، والمتضمن في البعد الاستعاري المتحقق من ورود كلمة ( صغير ) الذي يعيد إلى التشبيه فاعلية في خلق الدهشة ، وفي رفد الصورة بعناصر التخيل الابتكاري .
إن بنية الصورة في النص المتقدم تقوم على الكلمة الموحية ودلالتها المركزية ، ومن علاقتها التقليدية إلى نسج علاقات جديدة من خلال تبادل المدركات ، وذلك بإضفاء الصفات المادية ‘لى المعنوية وبالعكس ، وبأساليب متعددة ، فقد قدمت الشاعرة المعنى في جسد شيئي ، أو نقل المعنى من نطاق المفاهيم إلى المادية الحسية ، فالاستعارة الأولى تتجلى في إسناد القلب إلى نجمة الليل ، وأما الثانية فتتجلى في إسناد القلب إلى نجمة الصبح ، فتارة في السماء ، وأخرى مجللة على هام النخل وهو رمز العراق ، بل هو الرفعة والسمو والصمود ، فالنخلة لا تنحني أمام الريح ..
في النص أيضا مشكلة معيارية .. يتناولها الاستفهام المتكرر ، من أين يستمد الإنسان معياريته ؟ من عقله المادي ، أم من أسلافه ؟ أم من جسده ؟ أم من الطبيعة ؟ من المادة أم من قوى تتجاوز حركة المادة ؟ من هنا سيكون هدف التأويل الجمالي استكشاف الماهية الحضارية للإنسان والموغلة في القدم من خلال الشعر الذي أبدعه ، وأسس وجوده المعرفي ، فمراقبة الانزياحات التي طرأت على التركيب ، وملاحظة مستوى السياق اللغوي والأسلوبي الذي انعكس على التأطير المعرفي للنص ، وكشف التفاعل الخلاق بين الدال والمدلول ، هو الذي يكشف لنا صور هذا التأويل الجمالي .. ضرورة الحياة في تعاقب الليالي ، وتتابع الفصول ، وتتالي السنين ، فعناصر الشرط الإنساني إذاً هي الإنسان في الزمان والمكان :
تدور الليالي
ونحن على صهوات الليالي
ندور ..
أو كما في قولها : ولكنهم عنك قالوا .. ستكبر أكثر
فأكثر ..
القصيدة اتخذت الإنسان مركزا لأحداث أشكال الوصل والفصل مع تلكما الدائرتين : كبرنا / كطفلين من بركات النذور ..
ثم يأتي الاستفهام مستوعبا المد الإنفعالي ، الذي يداهم الشاعرة وقدرتها على التنفيس عن خبايا نفسها ، بحيث جاء مستجيبا للسياق الذي يحمل دلالات متنوعة لتعمل معا على إيصال الدلالة إلى المتلقي .. جاءت أداة الاستفهام ( كيف ) للحالة والإنكار .. بمثابة الملاذ الذي تريد الشاعرة أن تشرك المتلقي معها ليحاول استكناه العوالق التي تمر بذهنه فيصدم بها ، أو يعجز عن فك إبهامها : ” فكيف إذا ماكبرت / وفاض اشتياقي ” ثم يأتي الاستفهام بالهمزة ( أ ) المحرك العاطفي القادر على اجتذاب المشاعر المتلونة للحالة ، وقد دلّ الاستفهام فيها على معنى التمني والتشوق ، تتمنى الشاعرة لو أن قلبها الصغير الذي حمل الأرض أجمعها ومضى راجلا يكفي المحب أن يقال له أحبك .. ثم تناديه بأمير الدنا كلها ، كيف لا وهوالعراق ، حتى لتهب قلبها له : خذه قطرة ماء / على ورد كفك / خذه نجمة صبح على هام نخلك ، وقبلها وهي تقدم قلبها كانت تسأله : ” أيكفيك قلب صغير .. لنجمة ليل / أيكفيك قلبي الصغير / أيكفيك قلبي الصغير ؟ ” ويتلون الاستفهام هنا بين التنكير والتعريف بين العموم والشمول والتقييد .. قلب صغير .. قلبي الصغير !!
كل هذا الأسلوب الاستفهامي يجسد معاناة الشاعرة ، وتجاربها الشعورية بين النداء ” يا أمير الدنا ” والأمر ” خذه ” مما أضفى عليه سحرا وتألقا ، فغدت الألفاظ مفعمة بالجمال والرقة والحيوية والحركة والتجدد .
لقد أحدثت حركة الاستفهام في النص تجليات متنوعة .. تبلورت من خلالها أنماط معرفية ، تناقش جماليا ، موقع الإنسان ، وقضية الوجود بين المنظومة الثلاثية في النص البابلي والسومري القديم ( الإله ، الإنسان ، الطبيعة ) التي تجلت بين محبوب الشاعرة العراق وبينها ، ما حقق المتعة ، وخفف المشاق على النفس ، في حركات مموسقة جميلة تثلج الصدر ، وتقرّ العين فهذا عراق الشاعرة ومحبوه ، يتلألأ كنجمة الصباح ، ويتنوع فضاؤه ، وتعلو صورته هامات النخل .. إنه جمال يسر النفس ويرضي الأفئدة ليقول الجميع مع الشاعرة بلسان واحد : وأبقى أحبك …

• – أستاذ جامعي
• 1- تباريح سومرية : ساجدة الموسوي ، دمشق ، اتحاد الكتاب العرب 2004 ، النص ” أبقى أحبك ” في ص7-9

شارك برأيك وأضف تعليق

كل الحقوق محفوظة لدى مجلة كل العرب 2020 ©