الرئيسيةكل السياسة

سميرة رجب لكل العرب: عروبة البحرين في خطر والحرب في الشرق الأوسط قادمة لا محالة

شارك

اكتسبت الإعلامية والسياسية البحرينية السيدة سميرة بنت رجب احتراما على الساحة العربية لتميزها بشخصية قوية وبرصانة عقلها وبثقافتها الموسوعية الراقية ولكن أيضا بجرأة العالية وهي معروفة بمواقفها الجادة، وقلمها الصادق والذي يتحول أحيانا إلى بندقية، فحصلت على لقب ابرز الإعلاميات لعام 2016، عكفت على الدفاع عن قضايا عن البحرين ووحدتها وأمنها وسلامتها خلال الأزمة التي مرت بها وعن قضايا الطفل والمرأة،  تنحدر من بيت شيعي عريق ولكنها ترفض الفكر الخميني وتهاجم بشراسة سياسة الملالي والنظام الإيراني وعملائه وهي ضمن القلائل في عالمنا التي ترفض القداسة التي تمنح للبشر مما جعلها تغرد خارج السرب فكانت ضمن ألد أعداء طهران،  شغلت مناصب مهمة في المملكة البحرينية فكانت عضوة في مجلس الشورى ثم وزيرة للإعلام والمتحدثة الرسمية للحكومة البحرينية فحققت طفرة في مجال شئون الإعلام، وتعمل حالياً مبعوثا خاصاً بالديوان الملكي.

كل العرب التقت المسئولة البحرينية, للتعرف منها على قراءتها للملفات العربية، فكان هذا الحوار الشامل والصريح جدا:

اجرى الحوار في المنامة: خالد سعد زغلول

كل العرب: بصراحة لا نفهم كيف حدثت الفتنة الطائفية في مملكة البحرين بعد ان كنتم لقرون طويلة نموذجا عالميا للتعايش الديني والطائفي ؟

سميرة بنت رجب: بدأت الطائفية في البحرين تتفاعل مباشرة بعد نهاية الحرب الباردة، وكأن الطائفية مشروع لبرنامج يراد به خلق حالة خطيرة من الصراعات في المنطقة وله أطراف دولية وإقليمية وداخلية وله أياد تحركه في وصل الحالة الطائفية إلى القمة في فبراير 2011، هذه الأحداث، وكان هناك شق طائفي كبير حاولنا ومازلنا نحاول حلها على المستوى الداخلي عبر العمل الاجتماعي، لأن الشعب البحريني تعود أن يكون نسيجه واحداً، ولدينا عائلات مختلفة الطوائف والمذاهب واختلطت الأنساب واندمجت في الأسر، لكن اليوم توجد مشاكل قصوى بحاجة فعلية للتدخل الحازم لإعادة الثقافة والوعى، المشكلة تأسيس هذا العمل الطائفي بدأ مع صعود نظرية الثورة الخمينية والتي تنادى بولاية الفقيه، وما تحمل خلفها من مشاريع تصدير الثورة الإيرانية ومفاهيمها التوسعية التي لا تتفق ومفاهيمنا العربية، فلكل دولة نسيجها الخاص بها ونموذجها الخاص من منطلق مفاهيمها وقيمها ومبادئها ومعتقداتها وثقافتها وتراثها حيث تعمل كل دولة على تحديثها بأسلوبها وما يتماشى مع روحها الخاصة، ونحن هنا ندافع وسنستمر في الدفاع عن سيادتنا وعن عروبة البحرين وروحها وتراثها في ظل التهديدات الإيرانية التي أصبحت قريبة منا جدا كما تلاحظون، كما أننا ندافع عن قيمنا ومبادئنا ومجتمعنا وأمننا القومي والوطني من خلال ترتيب أوراقنا الداخلية , ونرى استهدافا إعلاميا مباشراً لنا وللدول الخليجية، والأخطر أن هناك قنوات موجودة داخل بلداننا وهى كثيرة تهاجمنا، وهذا دليل على أننا لا نملك استراتيجية خليجية إعلامية تحافظ على مصالحنا. الأمر الآخر أن هناك إعلاما خارجيا يستهدفنا بتمويل الطائفية وإظهار المنطقة في حال عدم استقرار بصورة تتطلب هذه الصراعات، الأمر الذي يتطلب مواجهته، فهناك قنوات تثير الطائفية في المنطقة.

كل العرب: لكي مواقف معينة وقت اندلاع الثورات العربية فيما يسمى بالربيع العربي تتحدثون عن مؤامرة تعرضت لها البحرين وأحداث عنف وتخريب, بينما يصر آخرون على أنها ثورة وأحدى موجات الربيع العربي؟

سميرة بنت رجب: في الواقع لا يوجد شيء أسمه الربيع العربي بل تنفيذ لسيناريوهات خارجية. دعنا نضع النقاط علي الحروف.. فالبحرين بدأت ثورتها الاصلاحية, في عام 2000 بميثاق العمل الوطني الذي تم الاستفتاء عليه في عام2001  وحظي بموافقة شعبية كاسحة بلغت98.4 %, وبعد ذلك بعدة أشهر تم تفعيل الدستور البحريني بمتطلبات العصر. تم تفعيل هذه أمور واعتبارات والعمل بها بإرادة سياسية, وما تم وضعه من أسس ونصوص في الدستور البحريني تم استخلاصه من تجارب المنطقة, وأهم ما ركز عليه عاهل البحرين الملك حمد بن عيسي آل خليفة في هذا المجال, هو وضع تشريعات تمنع حل المجلس الوطني( البرلمان) الذي يضم مجلسي النواب والشورى, فاستمرار المجلس الوطني وتراكم الخبرات والأعراف البرلمانية في البحرين, هو أمر أساسي في المشروع الإصلاحي للملك.وأهم ما تم في صياغة الدستور المعدل هو دخول المرأة البحرينية كشريك وفاعل أساسي في العملية السياسية, والأمر الآخر هو تأسيس وبدء عمل السلطة التشريعية والفصل بين السلطات بأحدث المعايير العصرية. هناك تعديلات دستورية أخري استحدثت في العام الماضي 2011  عقب الأزمة التي شهدتها البحرين.. وقد أصبح للبرلمان بموجب هذا التعديل دور أساسي في تشكيل الحكومة بمجملها كشراكة مع الملك في تعيين رئيس الوزراء والوزراء, كما حدد التعديل صلاحية الملك في حل البرلمان, وربطها باستشارة وموافقة رئيسي مجلسي النواب والشوري ورئيس المحكمة الدستورية.

على العرب ادراك أن البحرين تتعرض لهجوم يهدد كيانها وهويتها العربية. واتهم دولا اقليمية تملك كما مهولا من المؤسسات الاعلامية وتمارس عبرها التحريض المستمر ضد البحرين بتأليب الشعب أو الشباب وتشويه الثقافة وتشويه صورة البحرين والتحريض ضد عروبتها ونشر العقائد والفتن الطائفية

ومن يحاول أن يظهر أحداث البحرين عكس ذلك فهو جزء من هذا المخطط والتهديد الحقيقي الذي يمارس عبر فبركات وأكاذيب بأحجام ومستويات لم تتعرض لها البحرين عبر تاريخها.. فهناك مشاريع تحاك في المنطقة، وهناك أطراف اقليمية ودولية تريد أن تستفيد من هذه المشاريع لتحقيق أغراضها.

لقد كانت مصر والبحرين في خندق واحد منذ يناير2011 في الأزمات التي مرت بها المنطقة العربية من عنف وتدمير.  أرى أنه ليست هناك ثورة مرتبطة بالتدمير لأن التدمير ليس من صفات الثورات معنى الثورات يكمن في التغيير للأفضل وليس بهدم مقومات الدولة والمؤسسات والقوى المركزية والقيم والمباديء. فما حدث في الفترة الماضية في مصر لم يثبت أنها ثورة غيرت للأفضل.

كل العرب: نفهم من كلامك بأنه لم تحدث ثورة لا في مصر ولا البحرين ؟

 سميرة بنت رجب: لا توجد غير ثورة واحدة فقط حدثت في مصر يوم 30 يونيو عام 2013 ونعتبرها ثورة لكونها جاءت للتغيير وليس للتخريب والتدمير وتهدف للإصلاح والاستقرار والذي يمثل عاملا من عوامل استقرار المنطقة بشكل رئيسي،  أما حركة التمرد التي جاءت عبر الأجندات الخارجية لزعزعة استقرار الدول لمصالح دول اقليمية فلا تسمى ثورة، هل تريدون أن تسكون ما يحدث في سوريا وليبيا اليوم هو ثورة، حتى ما أطلقت عليها ثورة 25 يناير في مصر وما افرزته من تغيير نظام مبارك ودمار للاقتصاد وتفشي الإرهاب لغياب الامن والاستقرار، وقتها كنا نشعر بفقدان المظلة المصرية في ظل إدارة حكم الأخوان فلم تكن مصر موجودة وليس لها دور حقيقي في المنطقة نشعر به في هذه الفترة وكان في غياب كامل لمصر وشعر العرب جميعاً بعودة مصر يوم 30 يونيو ولابد ان يعرف المصريون أن العرب معنيون بالشأن المصري ايجابا او سلبا وسعداء بعودة الاستقرار والأمن وتعافي الاقتصاد وفق خارطة الطريق التي اعدها الرئيس عبد الفتاح السيسي.

لكن ما يحدث في منطقتنا حركة منظمة منهجية بقصد التفتيت تحت مسمى مشروع الشرق الأوسط الجديد ويدار هذا المشروع بالقوة الناعمة فالأوضاع سيئة في المنطقة وبخاصة عندما نرى حجم الدمار وحجم التخريب، لقد دخلت البحرين في أزمة مشابهة وتعرضت لإحداث عنف، إن عدم استقرار المنطقة شيء خطير يخلق تربة خصبة يتجمع فيها الارهابيون الذين يسعون فسادا وقتلا وتخريباً والأن سقطت الاقنعة.

لم نخطط فى الخليج لمواجهة الإخوان المسلمين

كل العرب: بكل صراحة هل خططتم في القمم الخليجية ولاسيما في الرياض والمنامة بإسقاط دولة الإخوان المسلمين في مصر؟

سميرة بنت رجب: أحب أن أوضح أننا لم ولن نتدخل في الشئون الداخلية في مصر وفي كل الوطن العربي بشكل عام  لم يغب الشأن المصري عن القمم لكون مصر دولة رائدة أكبر دول العرب ولها ثقلها، لكن أؤكد لكم بأننا لم نخطط لمواجهة «الإخوان المسلمين» أو غيرهم رغم اختلافنا الجذري معهم، فعلاقاتنا الخليجية مع مصر تاريخية وأكبر من كل بيانات القمم والمجالس الخليجية. والبحرين تعمل مع الدول والأنظمة وليس مع الأشخاص، ضمن خيارات الشعوب، ونحن في كل الأحوال دائما مع مصر في علاقات جد ممتازة .

كل العرب: تعتبرين من أشد المحاربين لثورة الإمام الخميني الشعبية في جمهورية إيران الإسلامية رغم كونك تنحدرين من بيت شيعي عريق …لماذا؟

سميرة بنت رجب: ربما لو كانت هذه الثورة والجمهورية ملتزمتين بحجمهما الطبيعي، ودورهما الدنيوي، ولم تأخذا هذا البعد الإلهي والدور التبشيري الديني السياسي خارج حدودهما لما كان الشأن الإيراني من اهتماماتنا.. ولكن بكل ما تدّعيانه من أبعاد ميتافيزيقية، وما تمارسانه من أدوار ثيوقراطية تبشيرية (تصديرية) في كل مجتمعاتنا العربية والإسلامية، فإن الاهتمام بالشأن الإيراني، وتنوير الرأي العام بالحجم والبعد والدور الحقيقي لهذا النظام الذي يديره رجال دين، يعدان من صميم أدوارنا كإعلام عربي وسياسة إقليمية.. ومن هذا المنطلق نتابع أحداث إيران اليوم وأمس وغداً..

مدة أربعين عاماً، هو عمر الثورة “المقدسة” وجمهورية “الإمام المنتظر” وحكم القادة “المعصومين” ونظام الديمقراطية “الإسلامية”، ومنطقتنا العربية تعيش في حالة حرب مستمرة، وتعاني من أزمات سياسية متواصلة، وانقسامات وخلافات داخلية، وعسكرة سياسية، وتجييش طائفي، وتربص وتمترس خلف المذاهب والمقدسات، والغاية منها جميعاً تحقيق مآرب سياسية فجة لا علاقة لها بالدين والإسلام.

وفجأة،  انكشف اليوم المستور عن زيف تلك المقدسات والعصمة والمعصومين، وتجلت الديمقراطية (الإسلامية) بأبشع صورها الديكتاتورية، ووقعت ورقة التوت لتفضح أكبر كذبة سياسية باسم الدين في التاريخ.. ولأول مرة ينكشف مدى عمق وقوة الفساد المالي في الطبقة الحاكمة الإيرانية خلال أحداث الانتخابات الرئاسية الأخيرة في إيران، في أكبر عملية تزوير انتخابية، كشف آباء الثورة “الإسلامية” في إيران عن حقيقتهم.. ولأول مرة يكشف المتنافسون على كرسي الرئاسة الإيرانية، عن تورط النظام في توزيع ثرواتهم على المنظمات في العالم مع ازدياد حالة الفقر المتفشية في بلادهم، وفشل التنمية، وارتفاع معدل البطالة، الذي وصل إلى 16 مليون عاطل عن العمل، أي أعلى من 40% من القوة العاملة. هناك يمارسون أبشع صور للقمع الوحشي،  وتورط آباء الثورة من المعممين ورجال الدين والقادة السياسيين وعوائلهم في هذا الفساد وسرقة المال العام.

انكشف الوجه الخفي للجمهورية “الإسلامية”، وظهر للعلن زيف القدسية والحقيقة الدموية للجمهورية ونظامها الحاكم.. تكشف الثورة “الطاهرة” عن أنيابها القمعية، والجمهورية “المقدسة” لا تملك حتى فضيلة الصدق، والمعصومون يمارسون الكذب والتزوير والاعتقال والتعذيب، للحفاظ على مصالحهم..

هذه هي جمهورية إيران “الإسلامية” اليوم مكشوفة أمام العالم، بعد أن تخطت النخبة الحاكمة حدودها في الكذب والتدليس والأنانية وصراع المصالح الذاتية، باسم الإسلام وولاية الله في الأرض..

الحرب على قاب قوسين أو أدنى

كل العرب: هل تتوقعين انفجارا في المنطقة يؤدي إلى نشوب حرب؟

سميرة بنت رجب : نعم لأن المنطقة العربية تعيش اليوم توترات اقليمية وهناك حالة حرب إعلامية وسياسية، تتلاعب بالعقول والقلوب، لدفع بلادنا إلى أتون حرب قذرة جديدة لا يعلم غير الله كم سيطول أمدها. تنبئ التطورات السياسية في المنطقة والحرب الدائرة على أكثر من جبهة في سوريا والعراق وليبيا، بدخول الشرق الأوسط حرب جديدة أشد تدميرا، وهي حرب تحتاجها الولايات المتحدة لإبقاء سيطرتها على المنطقة واستثمارها لصالح حرب أخرى في بحر الصين الجنوبي، أو ضد أي قطب دولي آخر، وتشبه المؤشرات الإقليمية الجديدة كثيرا بما مرت به المنطقة العربية والخليج تحديدا خلال حربي الثماني سنوات الأفغانية السوفييتية، والإيرانية العراقية. ويعتقد المراقبون أن التصعيد الأميركي الإيراني ليس إلا لعبة جديدة لإشعال فتيل حرب جديدة بالمنطقة، وعلى صانع القرار في الخليج ألاّ تنطلي عليه الأكاذيب الأميركية، حيث لم تقم واشنطن إلى الآن بإزاحة الخطر الإيراني عن المنطقة.

هناك معلومات تبلورت أسبابها ومبرراتها وسيناريوهاتها، وباتت منطقتنا العربية عموما، والخليجية خصوص على قاب قوسين أو أدنى زمنيا وجغرافيا منها. بدأت المؤشرات الإقليمية الجديدة تتراكم خلال الفترة الماضية وتشبه كثيراً ما مرت به منطقتنا قبل حربي الثماني سنوات الأفغانية السوفييتية، والإيرانية العراقية في مطلع ثمانينيات القرن الماضي. فهناك ارتفاعا ملحوظا في مؤشرات قيام حرب عسكرية مباشرة أو بالوكالة بين أقطاب إقليميين ودوليين. ورغم سيادة الاعتقاد بأن الدول النووية لا يمكن أن تدخل في مواجهة عسكرية جديدة، خوفاً من استخدام القوة المدمرة التي لم تكن متوافرة في الحربين العالميتين السابقتين.

لقد عاشت منطقتنا العربية أربع حروب في كل عقد من العقود الأربعة الأخيرة، منذ سبعينيات القرن الماضي، تتوجه اليوم، مع نهاية العقد العشري الثاني من هذا القرن، نحو حرب محتومةٍ قادمة تَعِد المنطقة بمزيد من الدمار… وليس هذا تنبؤًا بما هو غير متوقع، بل بما هو متوقع بشدة، رغم أننا ندعو الله ألا يتحقق.

وأملنا كبيرٌ في أن يعي أبناء الأمة، المُختطَفة عقولُهم، بأن الحروب ليست نزهة، وألا يتمنوها لأي شعب من شعوب العالم كما لا يتمنونها لأنفسهم، وأن يعي مَن يطلب التدخل العسكري الأمريكي في سوريا، ويحاول أن يصور هذا التدخل بأنه النجاة والخلاص الذي سيحقق السعادة والأمان لشعبنا العربي السوري، أن يعي بأن الجيش الأمريكي لم يدخل بلدًا إلا وسحق الصخرَ والبشر، ولم يعمل هذا الجيش يومًا على إسعاد الشعوب وتنميتها، ولم يعمل يومًا على إعادة بناء ما دمر،  ولشعبنا السوري المنكوب كل التقدير والمحبة، والدعاء بالخلاص من هذه الحروب التي نُكب بها. فالعالم مليء بالتوترات انظروا للصراع الخفي الامريكي الصيني حيث تتجه مؤشرات إمكانية اشتباك عسكري محتمل بين الولايات المتحدة والصين في بحر الصين الجنوبي في العام 2021-2020 هناك ازدياد حدة الصراع حول “مَن هو سيد العالم”، بعد أن أثبت الصينيون أن “الأميركيين لم يعودوا أسيادا في المناطق المهمة للصين  .

كل العرب: هل ممكن تطوري لنا افكارك؟

 سميرة بنت رجب : إن طبول الحرب على سوريا تُقرع اليوم، بعد سبع سنوات من التدمير والتشريد والقتل في مدنها وقراها وشعبها، من السذاجة أن نتجاهل الخطر القادم من هذه الحرب وما بعدها، وألا نفكر ونتساءل يا تُرى لصالح مَن هذه الحرب؟! وماذا بعدها؟ وخصوصًا بعد أن تأكدنا من نتائج الحروب على العراق ثم ليبيا، وغيرها. ومن الغباء،  أن نُصدق بأن هذه الحرب المدمرة تدميرًا شاملا هدفها التخلص من نظامٍ ديكتاتوري، أو سلاحٍ كيماوي، أو سلاح دمار شامل.

والأكثر سذاجة، بل وجنونًا لم يشهد مثله تاريخُ أية أمة، هو الانجرار العربي وراء الأحداث التي يتم صناعتها تصنيعًا دون رؤيةٍ معمقة مبنيةٍ على أسسٍ واقعية وتجارب التاريخ البعيد والقريب.. وأهم هذه الرؤى هي أحداث الحروب التي خاضتها أممُ الغربِ، سواء في الحربين العالميتين أو في حروبها الأهلية أو حروب القرون الوسطى التي قادها الكهنة، والتي من بعدها كلها قررتْ تلك الأمم عدم توريط شعوبهم في حروبٍ مدمرة كالتي تجري على أرضنا العربية اليوم… وتعلمتْ تلك الأممُ أن «الحرب دائمًا تلِدُ أخرى»، ولن تكون الحرب حلا لأي أمر مهما كان عصيًا على الحوار والتفاوض.

ورغم شدة حساسية الوضع الإقليمي العربي اليوم، ودقة الأحداث التي تمر بها المنطقة برمتها، إلا أن مشاهد التدمير والقتل والتشريد والجوع والفقر والأمراض وانتشار الجهل والأمية بمعدلاتٍ غير مسبوقة، وانتشار الأنظمة الكهنوتية الثيوقراطية البشعة في الأراضي التي حررتها الولايات المتحدة وقوات الأطلسي، باتت كلها ثقلا نفسيًا، وضغطًا عقليًا، لا يمكن تحمله، ولا يمكن السكوت عنه، وباتت خطرًا يدق ناقوسه دون توقف، ومؤشرًا على انتشار مساحة الخطر الذي مازال البعض يعتقد أنه في منأى عنه… فما يجري في سوريا بعد العراق وليبيا لهو من أخطر مما يصوره الإعلام الغربي.

كل العرب: تقصدين مشروع الشرق الأوسط الكبير ؟

سميرة بنت رجب: من المؤكد أن إستراتيجية مشروع التغيير الجيوسياسي القسري الذي يجري في منطقتنا، بمسمى تشكيل شرق أوسطٍ جديد، قد دخلت منعطفًا جديدًا بعد أحداث عام 2011 التي سُميت بــ«الربيع العربي».. منعطفٌ فتح أبواب جديدة للوصول الأسرع والأكثر ضمانًا إلى الهدف.. مرحلة جديدة في الإستراتيجية المرسومة، لتذليل المعوقات التي واجهها المشروع في المرحلة السابقة، التي انتهت بتغيير نظام تونس وليبيا، وتغيير غير متوقعٍ في مصر، وبحروب لا يبدو لها نهاية واضحة في سوريا واليمن.. مع فشلٍ ذريعٍ في البحرين لم يرق لأصحاب المشروع على ما يبدو. وتعاني بلادي، مملكة البحرين، من هذا النوع من التدخل الفج من أطراف خارجية في شؤونها الداخلية، بذريعة دعم ما يطلق عليه المنظمات الدولية المشبوهة، كذبًا وافتراء، ب«الثورة الشعبية»، وما هي إلا إرهابٌ دموي فاحش. لا أعرف لماذا لا يتحدثون في الدبلوماسيون الغرب، عن الدمار الشامل الذي فعله الدعم الخارجي «للثورات الشعبية» المزعومة في بلاد مثل العراق وليبيا وسوريا واليمن؟!

 ونظرًا إلى الظروف المأساوية التي تمر بها بلادنا العربية، من المحيط إلى الخليج، منذ مطلع القرن الجديد، بذريعة مشروع التغيير الجيوسياسي القسري الذي سيرسم خريطة الشرق الأوسط «الديمقراطي» الجديد بحسب النظرية الأنجلوأمريكية، والتي حتى اليوم لم تجلب للمنطقة سوى الدمار الشامل والكاسح على جميع الأصعدة.

العرب على مفترق طرق

كل العرب :أين تكمن اشكالية العرب ؟

سميرة بنت رجب : الاشكالية  بأننا اعتقدنا كعرب، «خير أمة» فهمت الاستعمار الغربي وعقليته المراوغة، وخطابه الكاذب، وقوانينه المجحفة، وسياساته الظالمة في بلادنا وفي مختلف بلاد العالم الثالث بعد كل سنوات الاستعمار الطويلة، منذ ما قبل وبعد اتفاقية سايكس بيكو، واحتلال فلسطين،  إلا أنه يجب أن نعترف بأن أحداث القرن الواحد والعشرين، ونحن لا نزال في عقده الثاني، تثبت كل يوم بأننا مازلنا لم نفهم هذا الاستعمار الذي يتطور توحشًا في ممارساته وخبثًا في خطابه.. هذا الاستعمار الذي نجح في شيطنتنا حتى أصبحنا نقول عن أنفسنا «نعم نحن إرهابيون ونستحق العقاب»، فاستسلم الغالبية منا لمشروع التقسيم والتفتيت للخلاص من العقاب والبطش الدموي.

واليوم ونحن على مشارف نهاية العقد الثاني من هذا القرن يمكننا التأكيد على أن بلادنا العربية دخلت في مرحلة جديدة من الاستعمار المتوحش عبر بوابة الإرهاب، الذي بات وجوده من ضرورات الوجود الاحتلالي والاستعماري، ليمنح المحتل والمستعمر الجديد إعفاءً من مسؤولية جرائم الإبادة الجماعية والتطهير العرقي والثقافي الدموي المستمرة على امتداد مساحة الوطن العربي منذ سقوط جدار برلين، وبدء الغارات الانجلو أمريكية على العراق بالقنابل الانشطارية والعنقودية، واليورانيوم المنضب، وقصف المدارس ومصانع حليب الأطفال والجسور ومنظومة الاتصالات، وغيرها، لقطع وريد الحياة على الشعب العراقي، في حرب قال عنها جيمس بيكر بأنها ستُرجع العراق إلى عصر ما قبل الصناعة، بمعنى تحويلنا مجددًا إلى أمة قابلة للاستعمار.

تلك الجرائم بدأت عام 1991 ولم تنته في حرب عام 2003، ولن تنتهي بسحق مدينتي الموصل والفلوجة، ولا بتدمير الرقة ومدن عربية عديدة من المشرق إلى المغرب العربي.. فالحرب المزعومة على الإرهاب لا تزال مستمرة. ومن جانب آخر صار الوجود الاستعماري في بلادنا من ضروريات الحرب على الإرهاب، إلى أجل غير مسمى، في جبهة حرب مفتوحة لا متماثلة، وحروب بالوكالة، لا تحقق سوى أهداف السيطرة والهيمنة الاستعمارية الجديدة من دون أن يتكبد فيها المستعمر خسائر مادية أو معنوية، بل ندفع نحن، شعوب المنطقة، أثمانها وتكلفتها من ثرواتنا، ومن أرواح أبنائنا، ومستقبلهم الضبابي الذي يزداد قتامة كل يوم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى