الجيوسياسية المتسارعة وضرورة مراجعة المواد التعليمية الأكاديمية

الجيوسياسة المتسارعة وضرورة مراجعة المواد التعليمية الأكاديمية
أ. امل بالحوت-بلال
في زمن يشهد جيوسياسية متسارعة و وفق الأحداث الراهنة و ما ترتب عنها من تصاعدات و أزمات و تحالفات و مصالح مزدوجة تفرضها التداعيات الجغرافية او التاريخية لكل منطقة من مناطق العالم و خاصة المناطق الحساسة التي تعيش حتمية الترابط الجذري بالحروب و الأحداث الراهنة منذ التاريخ، يصبح من الضروري إعادة النظر في محتوى المواد التعليمية الأكاديمية المقترحة، حتى لا يفتقر المحتوى الى الحينية و يتسم بالرتابة، خاصة تلك المواد المتعلقة بالتاريخ والجغرافيا السياسية والعلاقات الدولية و بقية المواد المقترنة بهذا الشأن… جيل اليوم جيل ملم جدا بالثقافة العامة، له من ثقافة النقد و آليات المقارنة ما يكفي ليقيم المعلومة. فالمشهد الراهن لم يعد يسمح فقط بإعادة قراءة الماضي، بل يفرض تحديثًا مستمرًا للنماذج والمناهج التي تُستخدم بشكل مفصل و مباشر او بصفة تقاربية، لفهم الحاضر وبناء رؤية ذات استباقية أكثر توازنًا للمستقبل.تحصيل الإضافة من المواد التعليمية: التاريخ والجغرافيا السياسية والعلاقات الدولية يجب ان يكون محينا و منقحا بيداغوجيا بطريقة مدروسة و متناسقة وفق ما تقدمه وسائل الاعلام اليوم حتى تسير المنهجية التعليمية بتناسق و فكر مجتهد حسب مقتضيات العصر.
تتصاعد اليوم مناطق التوتر في أكثر من بقعة في العالم، وتشهد العلاقات بين القوى الكبرى ءات المنافسة الاستراتيجية الحادة، تتفاعل فيها العوامل الاقتصادية والأمنية والدبلوماسية في سياق معقّد لا يقل أهمية عن أي مرحلة سابقة من تاريخ النظام الدولي. في هذا السياق يبرز سؤال جوهري: كيف تُقدَّم هذه التحولات للتلامذة والطلبة؟
وهل تبقى المواد الأكاديمية التاريخية والسياسية و الجغرافية رهينة النصوص القديمة، أم سيتم تعديلها سريعا و بنفس سرعة تسارع الأحداث؟! لتعكس الواقع المتغير دون تحيّز ولا تبسيط مبالغ فيه؟ من الممكن أيضا تعزيز منصات الحوار المفتوح في المنابر و الجامعات ليكون تناول هذه المواد أكثر شغفا و إستفادة.
تؤكد التجارب التعليمية الحديثة أن مادة التاريخ والعلوم السياسية تزداد شغفا و متعة عندما تمتزج بمهارات التفكير النقدي و الأسئلة المفتوحة و تعزيز الرأي المختلف، وعندما تُعرض الأحداث في شكل حوارات و تفاعلات او ربما أشرطة وثائقية راهنة تليها منابر حوار مع أهل العلم و الإختصاص في المادة او شخصيات عاشت التجربة عن كثب فتتم استضافتها لعرض تجربتها بصفة مباشرة على الطلبة و التلاميذ حتى يستفيدوا بشواهد و أمثلة حية مقنعة و شفافة المصدر ذلك أكثر منطقية من وصف المواد سردًا او حكاية في صيغة أبطال و أشرار… لذلك يصبح من الأجدر أن تُستبدل الصياغات التعميمية التي تُقدّم التاريخ كسلسلة من النتائج الحتمية بفتح آفاق و فتح زوايا النقاش و الحوار أكثر،لأن الحياة في حد ذاتها،دورتها حركة لا متناهية من تسارع الأحداث و التغيرات. يجب اعتماد نصوص أكثر توازنًا و أكثر إقناع مع جيل اليوم المطلع رقميا و عبر الخورزميات الخارقة على كل ما يبحث عليه فكره و كل ما يثير شغفه.
ترتبط الأحداث بسياقاتها الاجتماعية والاقتصادية، وتُظهر اختلاف القراءات بين المدارس الفكرية والثقافية و حتى التربوية.
وفي وسط عالم تتداخل فيه الأزمات الإقليمية مع الصراعات الاقتصادية والتجاذبات الجيوسياسية، تبرز الحاجة إلى مواد تعليمية تُزوّد الطالب بآليات تحليل لا تُقصيه عن الواقع الراهن و تدخله في حلقة الرتابة،اكثر من ذلك يجب أن لا تفقد المادة العلمية قيمتها في العرض و التقديم، فالمادة تعيشة على وتيرة تحولات مستمرة حين لا تكون من العلوم الصحيحة الثابتة الخاضعة الى ضوابط و قواعد. هناك مواد تخضع الى التحيين الضروري و الإجتهاد و تتطلب وعيا نقديا وتحليليا وفق منطق الأحداث الراهنة. فبدلًا من أن تُختزل التحولات الكبرى في فقرات مقتضبة أو في روايات متحيزة، من الحكمة و الإحتهاد اليوم أن تُقدَّم عبر مقاربات متعددة، مع الأخذ بعين الاعتبار تأثير الإعلام الرقمي وانتشار المعلومات المضللة على تكوين الوعي السياسي لدى الأجيال الجديدة.
إضافة إلى ذلك، يُفترض أن تُدرج المواد الأكاديمية المحدثة محاور عن التحولات الكبرى في النظام الدولي خلال العقود الأخيرة، من تغيّر موازين القوى، إلى تراجع نسبي لبعض الأطر التقليدية للتعاون متعدد الأطراف، إلى تأثير القضايا العابرة للحدود مثل الهجرة والطاقة والمناخ… وحين تُقدَّم هذه المواضيع في إطار دراسي منظم، لا كمجرد إشارات عابرة، يصبح لدى الطالب خارطة معرفية مدروسة و منطقية أوضح لفهم المشهد الجيوسياسي المعاصر، بعيدًا عن الانحيازات أو التبسيطات و أحداث الساعة التي قد يستمع اليها بمغالطات في أركان أخرى والتي من شأنها أن تضفي على المتلقي او طالب العلم في المادة المزعومة رؤى محددة وتُقصي غيرها.
ختاما، يفرض المشهد الجيوسياسي اليوم تغيير الضوابط، مع تواتر الأحداث كإعادة النظر في المحتوى التعليمي التاريخي والسياسي. فالتعديل لا يقتصر على تحديث الأرقام والتاريخيات و الإحصائيات و صبر الآراء، بل تعديل في طرق التفكير و عرض المعلومة وفق المنطق الراهن الذي يقتضي صياغة المحتوى بطريقة أكثر حيادًا و تحليلا و نقدا، وربط الماضي بالحاضر عبر تحليلات منفتحة و طرح أسئلة أكثر من تقديم أجوبة.جيل اليوم يحتاج أن يفهم أكثر من احتياجه ان تقدم له المعلومات و الحقائق في شكل أطباق و أكلات جاهية، جيل اليوم يحتاج ان يكون فاعلا و متفاعابفكره و رأيه و قيمته.
ضروري تهيئة الجيل القادم لفهم العالم كما هو و تشريكه في الرأي و الرأي المخالف مع النقد البناء في منابر الحوار المفتوح، حضوريا او رقميا يعزز من النزاهة و من قيمة المادة و المحتوى الحيني المطروح ذلك أكثر نجاعة من تقديم المواد على شكل روايات موثقة.



