مقالات كل العرب

حين تتوقف الحرب قبل أهدافها.. من يربح المعركة؟

حين تتوقف الحرب قبل أهدافها… من يربح المعركة؟

أ. زياد المنجد

في الحروب الكبرى لا تُقاس النتائج بعدد الصواريخ التي أُطلقت، ولا بعدد القادة الذين سقطوا، بل بالهدف السياسي الذي قامت الحرب من أجله. فالحروب، في نهاية المطاف، أدوات لتحقيق غايات سياسية. وإذا كانت الحرب التي قادها دونالد ترامب وبنيامين نتنياهو تهدف فعلاً إلى إسقاط النظام الإيراني أو شلّ قدرته على الاستمرار، فإن السؤال الحقيقي اليوم ليس حجم الدمار الذي أصاب إيران، بل: هل تحقق الهدف؟

لا شك أن الضربات التي استهدفت قيادات إيرانية رفيعة ومنشآت عسكرية وبحرية شكّلت ضربة موجعة لطهران. فخسارة شخصيات من الصف الأول تُعد من أثقل الضربات التي يمكن أن تتلقاها أي دولة في زمن الحرب، لأنها تمسّ مركز القرار والخبرة العسكرية المتراكمة. ومع ذلك، ما زالت الدولة الإيرانية قائمة، ومؤسساتها تعمل، وقيادتها الجديدة تعلن الاستمرار في المواجهة، في رسالة واضحة مفادها أن النظام لم ينكسر بعد.

في المقابل، تواجه إسرائيل ضغطاً غير مسبوق على جبهتها الداخلية نتيجة الصواريخ القادمة من إيران ومن حلفائها في المنطقة. أما تصريحات ترامب فتبدو متأرجحة بين إعلان تحقيق إنجاز كبير وبين التلويح باستمرار الحرب. وغالباً ما يعكس هذا التناقض ضغوطاً سياسية داخلية تتزايد كلما ارتفعت كلفة الحرب سياسياً واقتصادياً، وكلما طال أمدها دون تحقيق نتيجة حاسمة.

وهنا يبرز السؤال الجوهري: ماذا لو قررت واشنطن وقف الحرب قبل تحقيق هدف تغيير النظام؟ في منطق السياسة الدولية، قد يُنظر إلى مثل هذا القرار بوصفه إخفاقاً في تحقيق الهدف الاستراتيجي، وهو ما يمنح طهران فرصة لتقديم نفسها على أنها الدولة التي صمدت في مواجهة أقوى قوة عسكرية في العالم.

قد تكون إيران قد دفعت ثمناً باهظاً من قادتها ومن بنيتها العسكرية، لكن بقاء النظام نفسه بعد حرب كان هدفها إسقاطه يمنحها القدرة على تسويق النتيجة على أنها نصر سياسي ومعنوي. ففي كثير من الحروب، لا يحتاج الطرف إلى تحقيق انتصار كامل؛ يكفي أن يبقى واقفاً كي يقول إنه انتصر.

وهكذا، قد لا تُكتب نهاية هذه الحرب بعدد الصواريخ التي سقطت أو بحجم الدمار الذي خلفته، بل بالإجابة عن سؤال بسيط: هل سقط النظام الإيراني أم ما زال قائماً؟

فإذا توقفت الحرب قبل تحقيق هدفها المعلن، فإن قادة إيران لن يترددوا في إعلان النصر. سيقدمون وقف الحرب لشعبهم ولأنصارهم على أنه صمود تاريخي في وجه الولايات المتحدة وإسرائيل. وعندها سيجد ترامب ونتنياهو نفسيهما أمام واقع سياسي صعب: حرب مكلفة بلا نتيجة حاسمة، وخصم يرفع راية “الانتصار”.

لكن الخاسر الصامت في هذه المعادلة قد يكون دول الجوار الإيراني، تلك الدول التي تعرضت أراضيها ومنشآتها لهجمات صاروخية ومسيرات إيرانية غير مبررة، ثم وجدت نفسها تراقب احتمالات وقف الحرب وكأن شيئاً لم يكن. بالنسبة لها، لن يكون وقف النار نهاية الأزمة، بل بداية سؤال مرير: هل يمكن أن تمر هذه الاعتداءات بلا حساب؟

وفي الشرق الأوسط، حين تتوقف الحروب قبل تحقيق أهدافها، لا يكتب التاريخ نهايتها بل يؤجلها. فقد تعلن طهران النصر، وقد يعلن خصومها أنهم حققوا الردع، لكن الحقيقة تبقى أبسط وأكثر قسوة: حرب بدأت بهدف كبير وانتهت بتوازن قلق، تاركةً المنطقة كلها أمام جولة جديدة لم تُكتب فصولها بعد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى