بيان الإخوان المسلمين و (مذهب التقية)

بيان الإخوان المسلمين و(مذهب التقية)
د. علي القحيص
منذ اندلاع الحرب على إيران من قبل أمريكا وإسرائيل، وإطلاق ملالي إيران الصواريخ والمسيرات على دول الخليج العربي، وقصف أهداف مدنية، وإصابة مدنيين عزل أبرياء، ومنهم ايرانيون مقيمون في دول الخليج العربي، ومازالت الحرب مستمرّة، والخطر قائمًا.
كنّا ننتظر بيانات من الإخوان المسلمين بدول الخليج العربي، سواء الخليجيون المسيّسون والمنظّمون حزبيًّا، أو زملاؤهم من الجنسيات الأخرى.
لكن فوجئنا ببيان صدر من الإخوان بالكويت، وما صدر ليس بيانًا بالمعنى الوطني أو السياسي أو الأخلاقي، بل نصّ باردٌ باهت، صيغ ليؤدي وظيفة واحدة فقط: (رفع العتب)! بيان لا يحمل موقفًا واضحًا وصريحًا لإدانة العدوان، وتسميته، والوقوف مع الأوطان المستهدفة، ولا هناك شجاعة في تسمية الأشياء بأسمائها، ولا احترام لوعي الناس الذين باتوا يدركون جيدًا الفرق بين الكلمة الصادقة، والعبارة الرمادية المضلّلة المصنوعة للهروب من الالتزام الوطني، وعدم إزعاج العدوّ.
هذه البيانات تعكس أزمة حقيقية وأعمق بكثير من مجرد ضعف في الصياغة، ووضوح الموقف الوطني الصارم، لمثل هذه الأحداث الساخنة والخطيرة. إنّ هذا البيان يعكس عقلية سياسية اعتادت المراوغة بدل الصراحة، والتلكّؤ بدل الوضوح والشفافية، وتسمية الأشياء بأسمائها، والالتفاف على الحقيقة، وتشويهها، ومحاولة طمسها، ووضع خطّ الرجعة.
فعندما تمرّ الأوطان في لحظات حساسة وحاسمة بمثل هذه الأزمات الخطيرة، لا يكون المطلوب لغة عامة مطاطة ورخوة، تقبل التأويل لأغراض التبرير للأعداء، بل يجب أن يكون موقفًا واضحًا لا يحتمل التفسيرات، ولا يميل للتخاذل لأغراض مصالح حزبية. والبيانات التي تحاول الوقوف في الوسط، وعكس الاتجاهات، ورغبة الشعوب، هي محاولة لذرّ الرمادية في العيون لأغراضها ومصالحها، وهي (غاية في نفس يعقوب)، أعتقد عفا عليها الزمن، وأصبحت من الماضي كتفكير مَن كتبها، وأصبح الشارع الخليجي وحتى العربي المعتدل، يفهمها، ويعرفها جيدًا، ويفهم محتواها وأهدافها.
لأنّ الحرب واضحة، وتداعياتها مكشوفة للعيان لا تقبل الشكّ، ولا يمكن تغطيتها، أو تبريرها مهما تكن الأسباب، مادامت الصواريخ والمسيرات من العدو تقصف الأرض والشعب، وتستهدف المدنيين، وهي محاولة لخلط الأوراق، وجرّ دول الخليج العربي إلى هذه الحرب المستعرة، التي لم تكن فيها طرفًا، بل على العكس دول الخليج فضّلت تغيير النظام الإيراني من الداخل، أو إذعانه بدون حرب مدمّرة كهذه، لأنّنا نعرف خطورتها على المنطقة كلّها، وتشعّباتها وأضرارها.
النهاية لا تقف مع أحد، ولا تحترم أحدًا، والأمور واضحة، وانكشفت اللعبة، أبيض أو أسود، وفي الحروب لا توجد نقطة وسطى بين الحرب والسلم أبدًا، تقف مع وطنك وشعبك، أو تتخاذل، وترى الخوف حذرًا!
لقد تعوّدنا على بيانات الإخوان المسلمين المضلّلة وغير الواضحة، ومحاولة مسك العصا من الوسط، ينتظرون أين تميل الكفّة، ليميلوا معها، وهذا ديدنهم وأسلوبهم في أكثر من حرب وأزمة وموقف، لأنّهم تعوّدوا أن يسلكوا أسلوب مذهب (التقية)، ليقولوا نحن لم نصمت، أو نقف مكتوفي الأيدي في هذه الأزمة وقبلها، وإيحاء لمن يدعمهم بأنّهم لم يدينوه، ولكنّهم غير صادقين في كلّ الظروف والكوارث التي مرّت على المنطقة بأكثر من تجربة.
هنا أتذكّر قصة أحد رجال الدين العرب، وهو صديق ليزيد والحسين معًا،
وحين طلبوا منه أن يتوسّط ما بين الخصوم، ويصلح ما بينهما قال:
الصلاة وراء الحسين أتمّ، والأكل مع يزيد أدسم، والجلوس فوق التلّ أسلم.
والله من وراء القصد.
كاتب سعودي




