حتى انت يا جاك لانغ في المحراب المدنس؟!
حين تلتهم الشياطين محراب الثقافة وسط ظلال "سقوط الاقنعة" و تهاوي الأصنام الثقافية

حتى أنت يا جاك لانغ في المحراب المدنّس؟!
أ. شاكر نوري
حين تلتهم الشياطين محراب الثقافة وسط ظلال “سقوط الأقنعة” وتهاوي الأصنام الثقافية.
في قلب باريس، حيث تتنفس الجدران عبق التاريخ وتزهو الأنوار بزيف الخلود، سقطت اليوم ورقة التوت الأخيرة عن جسد النخبة. جاك لانغ، “كاهن الثقافة” الذي طالما اعتلى منبر الجمال، يترجل اليوم عن عرش معهد العالم العربي، لا بقرار من يد القدر، بل بضربات الفضيحة التي لا ترحم.
لم تكن تلك مجرد استقالة، بل كانت انكساراً لتمثالٍ شُيّد من زجاج الوجاهة. لقد انبعثت من غياهب الوثائق الأمريكية أشباحُ الماضي؛ أكثر من ستمائة ذكر لاسم “لانغ” في سجلات جيفري أبستين الملعونة. رسائلٌ متبادلة، ووشوشات رقمية امتدت لسنوات، كانت بمثابة خيوط عنكبوت حِيكت في الخفاء بين عواصم الضوء وسراديب الظلام، حتى في تلك اللحظات التي كان فيها “المنبوذ الأمريكي” يصارع سكرات الموت خلف قضبان زنزانته.
لم تقف العاصفة عند حدود “لانغ” الأب، بل امتدت لتلفح بلهيبها ابنته كارولين، كأنها لعنة عائلية تتوارثها الدماء. فتح المدعي العام المالي في فرنسا أبواب الجحيم بفتح تحقيق في “غسيل الأموال” و”الاحتيال الضريبي”، في مشهدٍ سريالي يحوّل لغة الأرقام الصماء إلى صراخٍ مكتوم. وبينما كان الإعلام الفرنسي (لوموند، لوفيغارو، ميديا بارت) ينسج أكفان السمعة السياسية، كان “لانغ” يواجه القدر ببرودٍ غريب، زاعماً أنه يستقبل التحقيق بـ “هدوء وارتياح”، كمن يرجو من النار أن تطهّر ثوبه من دنسٍ لا يُمحى.
معهد العالم العربي، ذلك الجسر الذي شُيّد ليكون لقاءً للأرواح والحضارات، بات اليوم مسرحاً لاستجواباتٍ مريرة من وزارة الخارجية. كيف يمكن ليدٍ صافحت “أبستين” أن تمسح غبار التاريخ عن المخطوطات؟ وكيف لمن سكنت أسماؤهم في “القوائم السوداء” أن يتحدثوا عن الرقي الروحي؟
“لم تكن هناك تحركات للأموال..” هكذا تمتم المحامي لوران ميرل، في محاولة بائسة لإخماد الحريق، لكن “ديناميت” الحقيقة كان قد انفجر بالفعل، ليؤكد أن العدالة لا تؤمن بالبلاغة، بل بالبرهان.
إنها لحظة “القيامة الصغرى” لرموز القوة؛ من الأمير أندرو إلى بيتر ماندلسون ووصولاً إلى أميرة النرويج، يبرز اسم “أبستين” كبقعة حبرٍ سوداء انتشرت في ثوب العالم المخملي. حتى سماء السياسة الأمريكية لم تسلم، بظهور اسم جون فيلاند في سجلات الرحلات المشؤومة.
لقد أثبتت واقعة “لانغ” أن القصور العالية لا تُبنى دوماً على صخر، بل أحياناً على رمالٍ متحركة من المصالح المظلمة. إنها تراجيديا إنسانية تذكرنا بأن “محاكم الرقمنة” و”ضجيج الإعلام” ليست إلا صدى لضميرٍ جماعيٍ سئم من رؤية الجمال يُباع ويُشترى في مزادات الرذيلة المقنّعة.
يبدو أن القدر، في سخريته المعهودة، قد قرر أن يضع “معهد العالم العربي” بين فكي كماشة؛ فبينما كان جاك لانغ يغرق في لجة فضائح “أبستين” العابرة للقارات، كان المشهد الداخلي للمعهد يرزح تحت وطأة مفارقة كبرى.
إنها تراجيديا “المحاصصة” التي تأتي بمن لا تليق بهم القيادة إلى سدة التأثير؛ حيث تتحول إدارة الثقافة من رسالة تنويرية إلى مرآة عاكسة لـ “نرجسية” المدير العربي الذي يسير أعمالها. هذا المشهد يجسد صراعاً روحياً وفلسفياً عميقاً:
بينما تهتز أعمدة المعهد الخارجية بسبب التحقيقات الجنائية، يهتز جوهره الداخلي تحت حكم “الأنا” المتضخمة. النرجسية هنا ليست مجرد سمة شخصية، بل هي “مرض نفسي” يغتال الإبداع؛ فالمسؤول الذي يرى الثقافة جسراً لتمجيد ذاته المنكسرة، يحول المؤسسة العريقة إلى “زنزانة زجاجية” يعبد فيها صورته، متناسياً أن الثقافة في جوهرها هي “نكران للذات” واتصال بالأسمى.
شاء القدر أن يلتقي “فساد النخبة الغربية” بـ “أمراض البيروقراطية الشرقية”. المحاصصة التي أتت بهذا المدير لم تنظر إلى طهارة اليد أو سلامة النفس، بل نظرت إلى “التوازنات” الجوفاء.
نحن أمام مشهد “العبث”؛ حيث يُعهد بترميم الأرواح (عبر الثقافة) إلى شخص يحتاج هو نفسه إلى ترميم نفسي. هو كـ “الطبيب العليل” الذي يحاول مداواة جراح التاريخ الثقافي، بينما تنزف روحه بآلام العظمة والارتياب.
بين رحيل لانغ الملطخ بظلال “أبستين”، وبقاء المدير المصاب بنرجسيته، تبدو الثقافة العربية-الفرنسية كرهينة في طائرة يقودها قبطانان: أحدهما غارق في فضائحه، والآخر غارق في “ذاته”.
“حين تصبح المناصب الثقافية غنيمة للمحاصصة، وتتحول الإدارة إلى عيادة نفسية للمتسلّطين، تسقط الأقنعة لتكشف عن قبحٍ لا تستطيع كل لوحات المتاحف مواراته.”
إنها لحظة كاشفة، تُظهر كيف يمكن للقدر أن يجمع بين “الخطيئة الكبرى” (أبستين) و”الخطيئة الصغرى” (النرجسية الإدارية) في آن واحد، ليضعنا أمام سؤال وجودي: من ينقذ الثقافة من مثقفيها؟




