مقالات كل العرب

الباحث الأستاذ أرقم نسيم قبها

الباحث الأستاذ أرقم نسيم قبها

د. تهاني رفعت بشارات

ما أجمل أن يلتقي الإنسان بعقولٍ فتيةٍ تنبض بالحلم والعلم معاً، وبأرواحٍ شغوفةٍ لا تعرف التردد في دروب المعرفة. فالعلم لا يزدهر إلا حين تتلاقى الأجيال، ويتوارث الباحثون شغف الحقيقة كما يتوارثون النور من مشكاةٍ إلى أخرى. وقد شاء الله أن أتعرف على أحد هذه العقول الواعدة، الباحث الشاب أرقم نسيم قبها، الذي جمع بين الفكر الهادئ، والطموح الجاد، والالتزام النادر.

عرفت الأستاذ أرقم للمرة الأولى من خلال والده الأستاذ الكاتب الكبير نسيم قبها، الذي جاء يسألني عن آليات النشر في المجلات العلمية المحكمة بعد أن أنهى نجله متطلبات درجة الماجستير، واستعدّ للانطلاق في مسيرته الأكاديمية نحو درجة الدكتوراه. كان الحديث في بدايته أكاديمياً بحتاً ، يدور حول النشر والإجراءات البحثية، غير أنه ما لبث أن تحوّل إلى حوارٍ عميقٍ عن الفكر، والعلم، وطموحات الشباب الفلسطيني الباحث عن بصمةٍ علميةٍ تليق بقدراته.

في تلك الجلسة، أدركت أنني أمام شابٍ ليس كغيره؛ فبين كلماته يتلألأ الوعي، وفي أفكاره يسكن الإصرار. كان يناقش بثقةٍ العالم المتخصص، ويطرح أفكاره بعمقٍ ونضجٍ قلّ أن يُرى في هذا العمر، يزن كل رأيٍ بميزان الباحث الحقيقي الذي لا يكتفي بالسطح، بل يغوص في جوهر الفكرة حتى يستخرج منها الحقيقة.

ولأن اللقاءات الجميلة لا تُختتم إلا بوعدٍ يُثمر، وعدته أن أشاركه في بحثٍ علمي مشترك، يجمع بين خبرتي وتجربته، وبين طاقته المتقدة وشغفه المعرفي. بدأنا التخطيط للبحث، من اختيار العنوان إلى تحديد المنهج والإجراءات البحثية، وكان في كل مرحلةٍ مثالاً للالتزام والجدية والدقة. لم يترك تفصيلاً إلا وناقشه، ولم يتردد في مراجعة كل جزئيةٍ حتى تخرج بأفضل صورة ممكنة. لقد أدهشني بقدراته البحثية القوية، وحرصه العلمي، واحترامه للوقت والجهد، وهو ما جعلني فخورةً بأن أكون أول دكتورةٍ تنشر معه بحثاً علمياً، يليق بمستوى فكره وتطلعاته.

ولم يكن هذا التعاون مجرد مشروع بحثٍ عابر، بل كان تجربة إنسانية وعلمية ملهِمة، أضافت لي بقدر ما أضافت له. ففي كل حوارٍ معه كنت أرى ملامح الباحث الفلسطيني الأصيل الذي يحمل همّ وطنه في فكره، ويؤمن أن العلم هو طريق التحرر والنهضة. وقد أثبت أن شبابنا الفلسطيني لا ينقصهم الإبداع ولا الفكر، بل يحتاجون فقط إلى من يؤمن بهم، ويمنحهم الثقة والفرصة ليُحلّقوا بأجنحتهم العلمية في فضاء المعرفة.

إن الباحث أرقم نسيم قبها هو نموذج مشرف لجيلٍ جديدٍ من الباحثين الفلسطينيين الذين يكتبون قصص نجاحهم بجهدهم وعزيمتهم، بعيداً عن الأضواء، قريباً من الحلم.
هو برهانٌ حيّ على أن في فلسطين طاقاتٍ علميةً تستحق الاحتضان، وأن شبابنا حين يُمنحون الثقة، يبدعون كما يبدع النسر حين يُطلق في السماء.

فكل الاحترام والتقدير لهذا الباحث المبدع، الذي أضاء في درب البحث العلمي شعلة أملٍ جديدة، وأثبت أن فلسطين لا تنجب إلا المتميزين، وأن المستقبل يُبنى بالعقول النيّرة، لا بالشعارات.
دمتَ يا أرقم نسيم قبها مثالاً للعزم والنبوغ، ومصدر فخرٍ لكل من عرفك، وها أنا أقولها بيقينٍ صادق:
لقد كان التعاون معك تجربةً علميةً راقيةً تُحفر في الذاكرة كما يُحفر الأثر الطيب في القلوب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى