مقالات كل العرب

الشرق الأوسط في لحظة اللايقين: صراع الارادات و حدود القوة

الشرق الأوسط في لحظة اللايقين: صراع الإرادات وحدود القوة

أ. معتز فخرالدين

لا حرب حاسمة ولا سلام ممكن… بل توازن هشّ على حافة خطأ استراتيجي

لم يعد التوتر الإقليمي الراهن حدثًا طارئًا يمكن احتواؤه بأدوات إدارة الأزمات التقليدية، بل بات تعبيرًا عن تحوّل أعمق في بنية التوازنات الدولية والإقليمية معًا. فالتصعيد المتسارع — سياسيًا وعسكريًا — لا يعكس مجرد خلاف حول ملفات محددة، بل صراعًا على إعادة تعريف موقع الشرق الأوسط في النظام العالمي المتشكل، وعلى طبيعة القوة التي ستملأ فراغ التحولات الكبرى الجارية.

في هذا السياق، تتحرك الولايات المتحدة بقيادة دونالد ترامب وفق مقاربة تقوم على تعظيم الضغط إلى الحد الذي يجعل التراجع أقل كلفة من المواجهة. إنها ليست سياسة حرب بقدر ما هي سياسة فرض شروط ما بعد الحرب دون خوضها فعليًا. غير أن هذه المقاربة تفترض ضمنًا أن الطرف المقابل سيتصرف بعقلانية براغماتية، وهي فرضية لا تنطبق بالكامل على الحالة الإيرانية.

فـ إيران لا تنظر إلى الضغوط بوصفها أدوات تفاوض، بل باعتبارها تهديدًا مباشرًا لبنية النظام ذاته، وهو ما يفسّر اعتمادها استراتيجية مركبة تجمع بين المرونة التكتيكية والصلابة الاستراتيجية. فهي مستعدة للمناورة، لكنها غير مستعدة لتقديم تنازلات تمسّ عناصر توازنها الداخلي أو موقعها الإقليمي، خاصة في ظل انفتاحها المتزايد على الصين وروسيا بوصفهما رافعتين دوليتين تكبحان الانفراد الأمريكي.

هنا تحديدًا يتحول الصراع من مواجهة ثنائية إلى عقدة دولية متعددة المستويات، حيث تتقاطع حسابات الردع النووي، وأمن الطاقة، وممرات التجارة العالمية، وصراعات النفوذ الكبرى. ولذلك يبدو أن الأطراف المعنية لا تسعى إلى الحسم بقدر ما تسعى إلى منع الآخر من تحقيق الحسم.

بين استحالة الحرب واستحالة السلام

المفارقة الأساسية في اللحظة الراهنة أن الحرب الشاملة تبدو مكلفة إلى درجة تجعلها خيارًا غير عقلاني، فيما تبدو التسوية الشاملة مستحيلة لأنها تتطلب تنازلات لا يستطيع أي طرف تقديمها دون الإضرار بشرعيته الداخلية أو مكانته الدولية.
• واشنطن لا تريد حربًا طويلة تستنزف قدرتها على إدارة تنافسها مع القوى الكبرى
• طهران لا تستطيع تحمل ضربة وجودية مباشرة
• موسكو وبكين لا ترغبان في فوضى قد تعيد تشكيل النظام الدولي خارج حساباتهما
• أوروبا تخشى ارتدادات أمنية واقتصادية يصعب احتواؤها

وبذلك يصبح الهدف الواقعي ليس إنهاء الأزمة، بل إبقاءها تحت سقف يمكن التحكم به.

العمق الاقتصادي والهشاشة الداخلية

غير أن قراءة المشهد من زاوية عسكرية أو دبلوماسية فقط تظل قاصرة عن تفسير حدود التصعيد الممكن. فالقوة الحقيقية للدول لا تُقاس بترساناتها وحدها، بل بقدرتها على تحمّل كلفة الصراع داخليًا.

في هذا الإطار، تواجه إيران اقتصادًا مثقلًا بالعقوبات والتضخم وتآكل القدرة الشرائية، ما يجعل أي حرب طويلة تهديدًا مباشرًا للاستقرار الاجتماعي قبل أن تكون مواجهة خارجية. وفي المقابل، تمتلك إسرائيل اقتصادًا متقدمًا لكنه شديد الحساسية للأمن، إذ يؤدي استمرار الحرب إلى نزيف الاستثمارات وتراجع الثقة وتفاقم الانقسامات الداخلية. أما الولايات المتحدة، فرغم تفوقها العسكري، فإنها تواجه قيودًا اقتصادية وسياسية تجعلها أكثر ميلًا لإدارة الصراع عن بُعد بدل الانخراط المباشر فيه.

وهكذا يتضح أن جميع الأطراف تمتلك أدوات التصعيد، لكنها تفتقر إلى القدرة على تحمّل نتائجه الكاملة، ما يجعل الصراع محكومًا بسقف غير معلن تفرضه الهشاشة الداخلية لكل طرف بقدر ما تفرضه توازنات الردع الخارجية. وفي مثل هذه البيئات، لا يُلغى الصراع بل يُعاد توجيهه نحو الهوامش الأضعف، حيث يمكن تفريغ الضغوط من دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة.

لبنان: الهامش الذي يتحول إلى ساحة

في هذا المشهد، يقف لبنان في موقع بالغ الهشاشة. فهو لا يمتلك القدرة على التأثير في مسار الصراع، لكنه يظل أحد أكثر الأماكن عرضة لارتداداته. ضعف الدولة وتداخل العوامل الداخلية بالإقليمية يجعلان منه مساحة اختبار للرسائل المتبادلة، لا طرفًا في صياغتها.

وهنا تكمن خطورته:
أن يكون خارج القرار… لكنه داخل النتائج.
لبنان لم يعد دولة على هامش الصراع، بل هامشًا بلا دولة.

خلاصة تحليلية

المشهد لا يتجه نحو حرب عالمية، لكنه دخل مرحلة أخطر: مرحلة “اللايقين المنهجي”، حيث تصبح التقديرات أكثر تأثيرًا من الوقائع، والانطباعات أكثر خطورة من النوايا، ويكفي خطأ واحد في الحسابات لإطلاق سلسلة تفاعلات لا يستطيع أحد إيقافها.

إنها لحظة اختبار توازنات لا لحظة حسمها، وصراع إرادات أكثر منها صراع جيوش.

خاتمة

ليست المشكلة أن كل الخيارات مفتوحة، بل أن التاريخ نادرًا ما يختار الخيارات العقلانية. فالأزمات الكبرى لا تنفجر حين تبلغ ذروتها، بل حين يعتقد كل طرف أنه نجح في ضبطها. وعند تلك النقطة تحديدًا، يتحول الاستقرار الظاهري إلى هشاشة قصوى، ويصبح العالم أقرب إلى الانزلاق منه إلى التسوية.

قد لا تقع الحرب غدًا، وقد لا تقع أصلًا، لكن ما يتشكل بالفعل هو بيئة استراتيجية جديدة قوامها التوتر الدائم، حيث لا سلام حقيقي ولا حرب حاسمة، بل حالة وسطى تُدار فيها الصراعات بدل أن تُحل.

وفي مثل هذه البيئات، لا يكون السؤال: متى تبدأ الحرب؟
بل: كم من الوقت يمكن تأجيلها قبل أن يفرضها خطأ لم يكن في حساب أحد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى