الرجل الذي كان يشتري نفسه
أ. سيد كاظم القريشي
ـ لن أشتري كتابًا بعد الآن.
تمتم و مرر أصابه على رفوف الكتب. لم يكن في البيت غيره. زوجته ذهبت للسوق مع البنات، كان الضوء أصفر خافتًا، يتسرّب من مصباحٍ قديم فوق الطاولة. الكتب تملأ الجدارين. بعضها مصطفّ بعناية، وبعضها مائل كأنه تعب من الوقوف.
اقترب من الرف الأول. مرّر أصابعه على ظهور الدواوين الفارسية. أسماءٌ يعرفها كما يعرف أسماء أولاده. تذكّر نفسه فتىً نحيلًا، يحمل دفترًا أزرق، يكتب قصيدة عن المطر فوق كارون. كان يذهب إلى جلسات جمعية الشعراء “خروش كارون الأدبي”، يقرأ بصوتٍ يرتجف، ثم يعود إلى البيت محمّلًا بملاحظاتٍ قاسية وأملٍ أكبر.
كان يشتري الدواوين كما يشتري خبزًا طازجًا. يقول لنفسه: سأقرأها كلها. كان يؤمن أن الشعر الفارسي هو الباب الذي سيدخل منه إلى العالم. نشر قصائد في صحفٍ محلية، واحتفظ بقصاصات منها
سحب ديوانًا من الرف. فتحه على صفحةٍ مطوية. وجد سطرًا وضع تحته خطًا قبل ثلاثين عامًا. لم يتذكر لماذا خطّه. حاول أن يستعيد تلك الرعشة القديمة، فلم تأتِ.
أعاد الديوان إلى مكانه.
قال: هذه مرحلة.
انتقل إلى الرف الثاني. كتب المسرح العربي. ملاحظاتٌ على الغلاف، أوراقٌ صغيرة بين الصفحات، ملاحظات لدوراتٍ حضرها في المدينة. يومها كان مقتنعًا أن الخشبة أصدق من القصيدة. أن الجسد وهو يقول الكلمة أهمّ من الكلمة وحدها.
تذكّر أول مشهدٍ كتبه. رجلٌ يقف في منتصف المسرح، يخاطب كرسيًا فارغًا. ضحك الآن. كان يظن أن الصمت على الخشبة معجزة. كان يشتري كتب الإخراج كما لو أنه سيُخرج مسرحية في الأسبوع التالي. لم يُخرج شيئًا. كتب مسودة مسرحية طويلة، وضعها في درج مكتبه، ولم يعد يفتح الدرج إلا ليبحث عن فواتير الكهرباء.
جلس على الأرض، وأسند ظهره إلى الحائط. الكتب تحيط به من كل جانب.
قال بصوتٍ خفي:
ـ لم أكن أشتري الكتب… كنت أشتري نسخًا من نفسي.
ثم قام. الرف الثالث للروايات. أغلفة لامعة، ترجمات من لغاتٍ بعيدة، أسماءٌ كانت حديث الصحف الثقافية. كان يدخل المكتبة، يسمع اسم رواية جديدة، فيشتريها بلا تردد. يقول:
ـ لا بد أن أواكب. لا بد أن أعرف أين وصل العالم.
قرأ بعض البدايات. قليلًا من النهايات. بينهما فراغ.
تذكّر مرةً أنه اشترى ثلاث روايات في يومٍ واحد. عاد بها إلى البيت، وضعها على الطاولة، وبقي ينظر إليها طويلًا. لم يفتح أيًا منها. كان يكفيه أن يراها هناك، كأن وجودها شهادة على أنه لم يتخلّ عن القراءة، حتى لو لم يقرأ.
مرّت سنوات. صار العمل أكثر قسوة. الأولاد كبروا. المصاريف تضاعفت. ومع ذلك، كلما مرّ أمام مكتبة، دخل. كان يقول لنفسه: هذا آخر كتاب.
لم يكن آخر كتاب.
انتقل إلى الرف الرابع. مجموعات قصصية. قال لنفسه ذات يوم إن القصة القصيرة هي الفنّ الأصدق. لا مجال فيها للثرثرة. جملة واحدة خاطئة تفسد كل شيء. أحبّ هذا الاقتصاد. أحبّ أن يرى حياة كاملة في عشر صفحات.
اشترى مجموعات كثيرة. بعضها قرأها حتى النهاية. بعضها بقي مغلقًا للآن.
وقف الآن أمام الرفوف كلها. شعر كأنه يقف أمام خزانة ملابس مليئة بملابس لا يرتديها.
في تلك اللحظة، رنّ هاتفه.
كانت ابنته الصغرى.
– أبي، هل تحتاج شيئًا من السوق؟ – لا.
– أمي تسأل إن كنت ستتعشى معنا أم أعدّ لك شيئًا خاصًا؟
– لا شيء خاص.
تردد قليلًا ثم قال:
– هل قرأتِ شيئًا هذا الأسبوع؟
ضحكت.
– أبي، لا تبدأ.
أغلق الهاتف. عاد إلى الرفوف.
اقترب من النافذة. في الشارع، شابٌّ يمرّ يحمل كيسًا ورقيًا كبيرًا. لم يعرف لماذا افترض أنه يحمل كتبًا. تخيّله يعود إلى غرفته الصغيرة، يفتح الكيس، يشمّ رائحة الورق، يضع الكتب على الطاولة، ويشعر أنه بدأ حياة جديدة.
تنفّس ببطء.
قال: انتهى هذا.
جلس إلى مكتبه. فتح دفتراً و في الصفحة الأولى كتب:
“قرار: قراءة ما لديّ قبل شراء أي كتاب جديد.”
حدّق في الجملة. بدت له رسمية أكثر مما ينبغي. كأنها قرار إداري.
شطب كلمة “قرار”. كتب بدلها: “لن أشتري كتابًا جديدًا.”
بقيت الجملة عارية.
أغلق الدفتر.
في اليوم التالي، مرّ أمام مكتبةٍ في طريقه إلى العمل. لم يكن ينوي الدخول. فقط ألقى نظرة عبر الزجاج. كانت هناك لافتة صغيرة: “خصم 30%”.
تابع السير.
خطوتان… ثلاث… ثم عاد.
دخل المكتبة ببطء، كأنه يدخل بيتًا قديمًا لا يريد أن يتذكّر أنه يعرفه جيدًا. استقبله البائع بابتسامة معتادة.
– لم نرك منذ مدة.
– مشغول.
قالها وهو يتجنب النظر إلى الطاولات المعروضة.
اقترب من ركن القصص القصيرة. التقط مجموعة صغيرة. قرأ الفقرة الأولى. شعر بشيءٍ يتحرّك في صدره. ليس حماسة. شيء أقرب إلى العادة.
أعاد الكتاب إلى مكانه.
دار في الممرّات. رأى كتابًا عن تقنيات السرد. آخر عن تاريخ المسرح الحديث. ديوانًا شعريًا لشاعر شاب.
تذكّر نفسه في ذلك العمر. تذكّر كيف كان ينتظر أن يشتري أحدٌ ديوانه.
مدّ يده نحو الديوان. توقف. سحب يده.
خرج من المكتبة بلا شيء.
في المساء، فتح رفّ القصص. اختار مجموعة لم يمسّها من قبل. جلس وبدأ القراءة.
في الصفحة الأولى، رجلٌ يفقد عمله. في الثانية، امرأةٌ تنتظر اتصالًا لا يأتي. كانت الجمل قصيرة. واضحة. لا شيء زائد.
قرأ عشر صفحات. ثم أغلق الكتاب.
لم يكن متأكدًا إن كان أعجبه. لكنه شعر أنه فعل شيئًا كان مؤجلًا منذ زمن.
في الأيام التالية، صار يختار كتابًا كل مساء. يقرأ عشرين صفحة. أحيانًا أقل. أحيانًا أكثر. كان يضع إشارة ورقية عند الموضع الذي يصل إليه. للمرة الأولى منذ سنوات، كانت الإشارات تتحرّك.
بدأ يلاحظ شيئًا غريبًا. بعض الكتب لم تعد تهمّه. قرأ صفحاتٍ منها ثم أعادها إلى الرف بلا ندم. كأنها تخصّ رجلًا آخر.
سأل نفسه: هل كنتُ أشتري ما أحتاجه فعلًا؟ أم ما أريد أن أبدو عليه؟
في إحدى الليالي، أخرج صندوقًا قديمًا من تحت السرير. فيه قصاصات من قصائده الفارسية. قرأ واحدة. وجد فيها مبالغةً لم يرها من قبل. لكنه وجد أيضًا صدقًا بسيطًا. صدق فتىً كان يؤمن أن الكلمات يمكن أن تغيّر حياته.
جلس طويلًا. ثم أعاد القصاصات إلى الصندوق، لكنه لم يدفعه تحت السرير هذه المرة. وضعه فوق الخزانة.
في الأسبوع الثالث، اقترحت زوجته أن يتبرّع ببعض الكتب.
– لن تقرأها كلها.
– أعرف.
– فلماذا تبقيها؟
– لأنها… لي.
لم يكمل الجملة.
في اليوم التالي، بدأ يفرز. كومة على اليمين: “سأقرأ”. كومة على اليسار: “ربما لن أقرأ”. كان القرار أصعب مما توقّع. كل كتاب يحمل ذكرى: راتب أول شهر، رحلة إلى مدينة بعيدة، أمسية شعرية، صديق قديم.
عند الغروب، كانت الكومة اليسرى أكبر مما أراد.
نظر إليها طويلًا.
اتصل بصديقٍ يعمل في مكتبة عامة صغيرة في الحي.
– هل تقبلون تبرعات؟
– بالطبع.
في صباح الخميس، حمل صندوقين إلى المكتبة. لم يشعر بخفة كما كان يتوقع. شعر بشيءٍ يشبه الوداع.
عاد إلى البيت. الرفوف أقل ازدحامًا. فراغات صغيرة ظهرت بين الكتب.
جلس أمامها.
لم يفكّر في الشراء.
في المساء، قرأ من رواية كان قد اشتراها قبل سبع سنوات. وصل إلى منتصفها للمرة الأولى. لم تكن عظيمة. لكنها كانت جيدة بما يكفي ليكمل.
أغلق الكتاب بعد ساعة. نظر إلى الرفوف.
قال بصوتٍ خافت: ربما لم تكن المشكلة في الكتب.
لم يكن متأكدًا ما المشكلة. لكنه عرف شيئًا واحدًا: أنه لا يريد أن يمضي ما تبقّى من عمره وهو يطارد نسخًا جديدة من نفسه.
في الأسبوع التالي، مرّ أمام المكتبة مرة أخرى. نظر إلى الواجهة. لم يدخل. لم يحتج إلى أن يقاوم. فقط لم يدخل.
عاد إلى بيته. اختار كتابًا من الرف. جلس وقرأ.
خارج النافذة، كان شابٌّ يمرّ يحمل كيسًا ورقيًا كبيرًا. ابتسم. لم يحسده هذه المرة. لم يشفق عليه. فقط رآه.
أطفأ المصباح بعد منتصف الليل بقليل.
قبل أن ينام، فكّر في جملةٍ لم يكتبها: أحيانًا لا نحتاج إلى كتبٍ جديدة، بل إلى شجاعة قراءة ما نملكه.

