آن – كلير لوجندر: ايقونة العبور من “سلطة الفرد” الى “هيبة المؤسسة”

آن – كلير لوجندر: أيقونة العبور من “سلطة الفرد” إلى “هيبة المؤسسة”
القسم الثاني و الأخير

أ. شاكر نوري
مما لا شك فيه، إن تعيين لوجندر هو صرخة في وجه “الحرس القديم”؛ إعلانٌ بأن عهد استخدام الثقافة كدرع للفساد قد انتهى. إنها معركة لاستعادة “السكينة” المفقودة، ولإثبات أن العالم العربي وقضاياه أكبر من أن يُختصروا في حسابات بنكية مشبوهة أو نزوات شخصية لرجالٍ ظنوا أنهم فوق المحاسبة. لم يكن رحيل “جاك لانغ” في السابع من فبراير 2026 مجرد استقالة عابرة، بل كان انفجاراً لدمامل استمرت لثلاثة عشر عاماً. لقد استيقظت باريس على حقيقة مُرّة: الرجل الذي نصّب نفسه حارساً للثقافة العربية، كانت أطراف ثيابه ملوثة بعلاقات مشبوهة مع “جيفري إبستين”، ذاك الوحش المدان بجرائم جنسية تجاوزت الحدود. وبينما كانت الجدران تهمس بأسماء كارولين لانغ وشركات “الأوفشور” الفنية المشبوهة، كانت يد العدالة تقتحم المكاتب الفاخرة، لتنبش في ملفات غسيل الأموال والتهرب الضريبي التي لطخت اسم المؤسسة.
بين مباخر “المحسوبية” وموازين “الحوكمة، ماذا يحدث؟ في الوقت الذي كانت فيه الموارد تُدار عبر شبكات خفية من “المحسوبية والصلات” النخبوية، حيث يُقايض البريق بالولاء، تقيم لوجندر موازينها على قواعد “الشفافية والكفاءة”. لم يعد المعيار هو “من تعرف”، بل “ماذا تقدم”؛ إذ استبدلت مدرسة الواقعية المؤسساتية مباخر الصالونات المغلقة بالتدقيق المالي الصارم والمعايير المهنية، محولةً إدارة الثقافة من “هباتٍ” تُمنح للمقربين إلى “استحقاقاتٍ” تخضع لرقابة الضمير المهني والمؤسسي.
لو قارنا بين سطوة “الأنا” وهيبة “المؤسسة”، نكتشف كم من الحقائق كانت مخبأة تحت الركام. وهكذا وبتعيين رئيسة معهد العالم العربي الجديدة، انتقلنا من فلسفة “الرجل الصنم” إلى عقيدة “القائد الخادم”. لقد ولى الزمن الذي كان فيه المنصب يدور في فلك شخص القائد وكاريزمته الخاصة؛ فبينما جسدت مدرسة جاك لانغ نموذج “الرجل الصنم” الذي يختزل المؤسسة في علاقاته وصالوناته الباريسية، تأتي آن-كلير لوجندر لترسخ مفهوم “القائد الخادم”. هنا، لا يعود المدير مركزاً للكون، بل يتحول إلى ترزيٍّ ماهر في ترزي المنظومة، حيث المنصب تكليفٌ مهني يذوب فيه الفرد لتكبر المؤسسة، وتتراجع فيه “الأنا” لتفسح المجال لهيبة النظام وقوة القانون.
الوصاية الأبوية في مواجهة الانفتاح التفاعلي، إذ عاش المعهد طويلاً تحت وطأة “الوصاية الأبوية”، حيث المدير هو “المثقف الأول” والذواق الأوحد الذي يملي على الجماهير ما يجب أن تستسيغه، في نرجسيةٍ ترفض التعدد. أما اليوم، فنحن أمام رؤية “تفاعلية” تجعل من المدير مهندساً لبيئة حرة، تترك المجال للأصوات الشابة والمواهب الواعدة لتشكل المشهد الثقافي. لقد انتهى عصر الخطابات الطنانة والمعارض الكلاسيكية الجامدة، ليبدأ عصر الدبلوماسية الرقمية والبيانات الضخمة، حيث الثقافة وسيلة للحوار وليست أداة للسيطرة.
تطهير الروح: من وهم “العظمة” إلى نزاهة “الموقف الأخلاقي” عبر الفارق الأعمق الذي يكمن في المنزع النفسي والموقف الأخلاقي؛ فبينما غرق الجيل القديم في “نرجسية الظهور” وكتابة الشعر كقناعٍ لمرونة أخلاقية مريبة تتغاضى عن شبهات الممولين (كما في نموذج إبستاين)، تلتزم لوجندر بـ “التواضع المهني” والصرامة الأخلاقية. إنها النقلة من السعي لتخليد “الاسم الشخصي” إلى العمل من أجل “ديمومة المؤسسة”؛ فالمجد الحقيقي لا يكمن في بقاء اسم المدير مقترناً بالمكان، بل في أن تظل المؤسسة شامخة ونزيهة حتى بعد أن يترجل القائد عن صهوة منصبه.
هكذا، وعلى إيقاع المطارق التي هوت لتحطم أصنام الفساد، يغلق معهد العالم العربي صفحةً كانت مُثقلة بضجيج الذهب المسموم وظلال النفوذ المشبوه. لقد تهاوت “المملكة الخاصة” التي شُيدت أسوارها من “المحسوبية”، تاركةً خلفها غباراً كثيفاً من الأسئلة المعلقة حول أمانة الفكر وقدسية الثقافة. لكن، وكما تنبثق الواحات من قلب الصحاري القاحلة بعد عاصفةٍ رمليةٍ عاتية، تبرز آن-كلير لوجندر اليوم؛ لا كدبلوماسية عابرة، بل كقبطانٍ جاء لينتشل سفينة “معهد العالم العربي” من بحرِ اللججِ الذي كاد يبتلع تاريخها.
إنها لحظةُ “الاسترداد”؛ استرداد الثقة التي تآكلت، والسكينة التي اغتُصبت. إن المهمة التي تحملها “لوجندر” فوق عاتقها تتجاوز حدود الهيكلة المالية وإدارة الميزانيات؛ إنها عملية “تطهيرٍ روحي” لهذا الصرح الأيقوني. هي دعوةٌ لإعادة الاعتبار للغة الضاد وحضارتها، بعيداً عن صفقات “الأوفشور” وغرف إبستاين المظلمة. وبصفتها أول امرأة تقود هذا المعقل، فهي تحمل “مشرط” الإصلاح بيد، و”غصن زيتون” الحوار باليد الأخرى، مؤمنةً بأن الثقافة التي لا تحميها الأخلاق هي ثقافةٌ ميتة مهما علا ضجيج معارضها.
ومع اقتراب المعهد من سن الأربعين، تبدو هذه الهزة العنيفة وكأنها “مخاضٌ ضروري” للولادة من جديد. فالحرائق التي أتت على خشب المحسوبية القديم، مهدت الأرض لغرس بذورٍ أكثر شفافية، ولرؤيةٍ تمتد من أزقة “بريتاني” إلى قلب “العالم العربي”، ومن أرشيف “السوربون” إلى منصات “التعليم الإلكتروني” المستقبلي.
لقد انتهى عهد “الأنا” المتضخمة، ليبدأ عهد “المؤسسة” الرصينة. واليوم، على “صغار” المدراء العرب الذين سكروا بخمرة السلطة الواهمة أن يتفحصوا وجوههم جيداً في مرايا الحقائق قبل أن يدركهم الطوفان؛ فليتعظ أولئك الذين شيدوا من نرجسيتهم قلاعاً من رمال، ظناً منهم أن المناصب تمنحهم “صكوكاً” لامتلاك الروح والذوق.
إن قبلة الفن لا تمنح ثغرها لمن تلوثت يداه بالمحاصصة، وتذوق اللوحات لا يستقيم لعينٍ لا ترى وراء الألوان سوى أرقام المنفعة. كيف لهؤلاء أن ينغمسوا في نظم القوافي أو يدّعوا الوصاية على الإبداع، وأرواحهم لم تزل غارقة في عتمة الأنانية، وعقولهم مكبلة بقيود الوهم؟
إن المثقف الحقيقي ليس من يرتدي “عباءة” المنصب ليُفتي في الجمال، بل من يملك شجاعة التطهير الذاتي أولاً. قبل أن تخطوا حرفاً في ديوان الشعر، وقبل أن تقفوا وقفة العارف أمام اللوحات، عليكم أن تشنوا حرباً مقدسة على “الأنا” المتضخمة بداخلكم. لا بد من غسل الأرواح من أدران “المحاصصة البغيضة”، وتنقية العقول من لوثة الاستعلاء الزائف؛ فالثقافة ليست “وجاهة” تُكتسب بالتعيين، بل هي نبلٌ يُستحق بالتجرد.
ليعلم كل واهمٍ يجلس خلف مكتبه الفاخر، أن الوصاية على الثقافة ليست “غنيمة” تُقتسم، بل هي مسؤولية أخلاقية تقتضي أول ما تقتضي.. أن يتصاغر المدير أمام عظمة المعرفة، لا أن يتوهم أن المعرفة صنيعة يديه. إن تطهير العقل من أوهام العظمة هو المدخل الوحيد لولوج عالم الجمال؛ فما جدوى أن تكتب شعراً وقلبك يسكنه الفساد؟ وما نفع أن تتذوق فناً وروحك لم تتذوق بعد طعم النزاهة؟
ينظر المعهد نحو الأفق بعينين جديدين؛ عينُ “لوجندر” التي لا تنام عن الحق، وعينُ التاريخ التي تسجل بإنصاف كيف يمكن للجمال أن ينتصر، أخيراً، على القبح.. وكيف يمكن للثقافة أن تغسل يديها من دنس العبث، لتستحم بنور النزاهة والوضوح. هذا ما نتأمله أو نتخيله من خلال سيرتها الذاتية المشرفة.
إن ما حدث في ممرات “معهد العالم العربي” لم يكن مجرد سقوط لرجل، بل كان زلزالاً ضرب “النرجسية الزائفة” التي تتخفى خلف عباءة الثقافة. وهنا، يرتفع صوتُ النذير ليتعظ “صغار المدراء” الذين يحسبون أن الكراسي إقطاعيات أبدية، والذين شيدوا لأنفسهم ممالك من أوهام العظمة، ظانين أن المنصب يمنحهم تفويضاً إلهياً بالوصاية على الذوق والحق والجمال.
يا سدنة الكراسي الهشة: قبل أن تنغمسوا في نظم القوافي وتدّعوا تذوق اللوحات، وقبل أن تنصبوا أنفسكم قضاةً في محاكم الإبداع، اعلموا أن الفن لا يفتح أبوابه للأرواح المثقلة بأدران “المحاصصة”، ولا للعقول التي يسكنها هوس التملك والظهور. إن ادعاء الوصاية الثقافية وأنتم غارقون في مستنقع “الأنا” هو الخطيئة الكبرى التي لا يغفرها التاريخ.
فلتغسلوا أرواحكم أولاً بمطهر النزاهة، ولتطهروا عقولكم من لوثة الاستعلاء؛ فما نفع أن تخطوا حرفاً في ديوان الشعر وقلوبكم لا تقرأ إلا لغة المصالح؟ وما جدوى أن تتظاهروا بالوقوف بخشوع أمام اللوحات الفنية، وأنتم لا ترون في الألوان سوى انعكاس لصوركم المتضخمة؟
لقد أثبتت تجربة جاك ولانع وأتباعه أن “البريق الزائف” لا يصمد أمام وهج الحقيقة، وأن الغبار الذي تثيره الفضائح لا يفرّق بين وزير وشاعر. إن الثقافة نبلٌ يُستحق بالتجرد، لا غنيمة تُقتسم بالولاءات والمحاصصة. فمن أراد أن يقود صروح المعرفة، عليه أولاً أن يتصاغر أمام عظمة الحقيقة، وأن يدرك أن القيادة الحقيقية هي “تضحية وتطهّر”، وليست ممارسة لنرجسية مريضة قائمة على سراب الوجاهة.
الخلاصة: إن العالم لا يحتاج إلى مدراء يتقنون لبس الأقنعة وتدبيج الخطابات، بل يحتاج إلى “فرسان” في محراب الفكر، ينقون أرواحهم من دنس العبث قبل أن يطالبوا الآخرين بالإيمان بالجمال.
تُقدم لوجندر درساً بليغاً لكل من يتبوأ منصباً ثقافياً أو إدارياً أن القيادة الحقيقية ليست في كتابة الدواوين أو ادعاء التذوق الفني، بل في القدرة على التجرد من “الأنا” الزائفة وخدمة القضايا الكبرى بصدق. إنها المرأة التي أثبتت أن النجاح لا يحتاج إلى ضجيج، بل إلى روحٍ نقية وعقلٍ منفتح، وأن التاريخ لا يخلد المدراء الذين انغمسوا في أوهامهم، بل يخلد أولئك الذين امتلكوا الشجاعة ليكونوا “جسراً” حقيقياً بين الحضارات، بعيداً عن لوثة المصالح وضيق أفق المحاصصة.




