هل يسترد معهد العالم العربي هويته المعرفية و الإنسانية بولاية آن كلير لوجندر؟
القسم الأول

هل يسترد معهد العالم العربي هويته المعرفية والإنسانية بولاية آن ــ كلير لاجندر؟
القسم الأول

أ. شاكر نوري
بين أروقة التاريخ المعاصر، حيث تتقاطع خيوط الدبلوماسية بعبق الحضارات، انطلقت “آن-كلير لوجندر” لتكتب فصلاً جديداً في سيرة “معهد العالم العربي” بباريس. لم تكن مجرد تسمية إدارية، بل كانت لحظة فارقة شهدتها العاصمة الفرنسية، حين اختارها مجلس الإدارة بالإجماع لتكون أول امرأة تتربع على عرش هذه المؤسسة العريقة منذ أربعين عاماً، وكأن القدر أراد أن يمنح المعهد وجهاً أنثوياً حازماً يلملم شتات الماضي ويرسم أفق المستقبل.
لم تأتِ “آن-كلير” من فراغ، بل هي ابنة الأقاليم الفرنسية العريقة (بريتاني)، تلك التي تعلمت أن البحر لا يُعبر إلا بصبر الصيادين وحكمة الربان. هي الدبلوماسية التي طوعت لغة الضاد في مدرسة “إينالكو”، فغاصت في أعماق المعاني العربية لتفهم روح الشرق قبل سياسته. بخلفية أكاديمية تجمع بين رصانة “السوربون” ودهاء “علوم باريس”، صقلت “لوجندر” مهاراتها كصيادة ماهرة للفرص الدبلوماسية، متنقلةً بين أروقة الأمم المتحدة في نيويورك وسفارة فرنسا في الكويت، وصولاً إلى أن تصبح “عين إيمانويل ماكرون” التي يبصر بها شؤون الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.
جاء تعيين “لوجندر” كأنفاس الفجر بعد ليلٍ طال سواده؛ فهي تخلف “جاك لانغ” الذي غادر المنصب مثقلاً بظلال فضيحة “إبستاين” وتحقيقات مالية هزت أركان المعهد. لقد اقتحمت يد العدالة المكاتب التي كانت يوماً تعج بالفن، لتفتش عن خبايا غسيل الأموال والتهرب الضريبي. وفي هذا الوقت العصيب، وقفت الدبلوماسية ابنة الـ 46 ربيعاً لتقول بلسانٍ يملؤه الأمل: “هذا تحدٍ عظيم وسعادة غامرة”. لم تكن تنظر إلى المنصب كمقعدٍ وثير، بل كرسالةٍ مقدسة لإعادة “الثقة والسكينة” لمؤسسةٍ أنهكها الصخب.
لم يكن اختيارها اعتباطياً، بل كان تكريماً لروحها التي لا تهاب خوض المعارك العادلة. ففي سبتمبر 2025، كانت “آن-كلير” هي اليد الخفية والعقل المدبر الذي دفع بفرنسا نحو الاعتراف التاريخي بالدولة الفلسطينية، ضاربةً عرض الحائط بالتحفظات التقليدية، لتثبت أن الدبلوماسية عندها ليست مجرد بروتوكول، بل هي انتصارٌ للحق وكسرٌ للأغلال.
بينما تستعد “آن-كلير لوجندر” لتدشين عهدها، يقف معهد العالم العربي على عتبة الأربعين، متطلعاً إلى تجاوز جدران باريس ليصبح صوتاً عالمياً يربط بين ضفتي المتوسط. إنها قصة امرأة لم تكتفِ بقراءة التاريخ، بل قررت أن تصبح هي “الصفحة الشارقة” فيه، محملةً بأحلام الشعوب العربية وبراعة الدبلوماسية الفرنسية، لتصنع من المعهد جسراً لا ينكسر، ومن الحوار لغةً لا تندثر.
ورثت الرئيسة الجديدة صرحاً يعاني من وطأة الديون وضغوط الهيكلة، لكنه يظل “الرئة الثقافية” التي يتنفس منها الحوار العربي الأوروبي. وصفها وزير الخارجية، “جان نويل بارو”، بأنها تمتلك “الرؤية الاستراتيجية والقدرة على التفاوض” التي يحتاجها المعهد في مخاضه الجديد. فالإصلاح القادم لن يطال الميزانيات فحسب، بل سيمس “أخلاقيات الحكم”، عبر وضع حدودٍ عمرية وقواعد شفافة تمنع المؤسسة من الغرق في فخاخ الشخصنة.
خلف الواجهة المعدنية اللامعة لمعهد العالم العربي في باريس، تلك التي صُممت لتعكس ضوء الشمس وتُبهر العيون، كانت ثمة عتمة من نوع آخر تنخر في الأساسات. لم يكن المعهد مجرد صرح ثقافي، بل استحال في عهد “جاك لانغ” إلى إقطاعية خاصة، حيث اختلطت أموال الدبلوماسية بظلال الفضائح الدولية، ليرسم فصلاً من الفساد الذي لا تليق به سوى صفة “التراجيديا السوداء”.
في يوم الاثنين الأسود، لم يكن المحققون يبحثون عن لوحات فنية أو كتب تاريخية؛ بل كانوا يطاردون خيوط الأموال التي تبخرت. المداهمات التي شملت مكاتب معهد العالم العربي ومنزل “لانغ” في باريس كانت بمثابة إعلان وفاة لحقبة “الاستثناء” والمحسوبية. فالمؤسسة التي تقتات على ملايين اليوروهات من ضرائب الفرنسيين، تحولت في غفلة من الزمن إلى واجهة لعمليات مشبوهة، حيث يمتزج الفن برائحة الصفقات القذرة تحت غطاء “الدبلوماسية الثقافية”.
وسط هذا الرماد، برزت “آن-كلير لوجندر”. لم تأتِ كدبلوماسية ناعمة، بل كمُطهرة لهذا الهيكل الموبوء. بقرارٍ حازم من مجلس الإدارة، وبدعمٍ مباشر من قصر الإليزيه، تسلمت لوجندر “التركة الثقيلة”. إنها أول امرأة تقود المعهد، ليس لتكمل المسيرة، بل لتقطع دابر “الإرث العفن”.
جاء تعيينها بلسماً لجراح المؤسسة، فهي “المهندسة” التي دفعت بفرنسا نحو التنوير ثانية، واليوم يُطلب منها أن تعترف بـ “الفساد” الداخلي لتعالجه. مهمتها ليست إقامة معارض فنية فحسب، بل تنفيذ “إصلاح هيكلي” جراحي: شفافية مطلقة تنهي عهد الصفقات المظلمة. تحديد ولايات الرؤساء بأسقف زمنية وأعمار محددة، لقتل فكرة “الرئيس الخالد”. ميثاق أخلاقي يمنع تكرار “كابوس إبستين” في أروقة الفكر والجمال.
آن-كلير لوجندر: مهندسة “الواقعية الجديدة” في الدبلوماسية الفرنسية. إذا أردنا أن نبحث عن سر صعود آن-كلير لوجندر، فعلينا أن ننظر إلى ما وراء البروتوكول؛ فهي ليست مجرد “موظفة سامية”، بل هي “عقل استراتيجي” استطاع أن يمزج بين صرامة الغرب ومرونة الشرق، لتعيد صياغة دور فرنسا في أكثر المناطق اشتعالاً في العالم.
لم تكتفِ لوجندر بدراسة العلوم السياسية في “Sciences Po” أو التاريخ في “السوربون”، بل ذهبت إلى أبعد من ذلك بدراسة اللغة العربية في معهد “Inalco”. هذا الاختيار لم يكن أكاديمياً فحسب، بل كان “استراتيجياً”؛ فالقدرة على قراءة الشرق بلغته الأم منحتها “حاسة سادسة” في فهم التحولات الجيوسياسية قبل وقوعها. إنها لا تسمع ما يقوله القادة العرب فحسب، بل تفهم “المسكوت عنه” في ثنايا لغتهم. إنها ابنة “بريتاني” التي سكنتها لغة الضاد.
من نيويورك إلى قلب الإليزيه إذ مرّ صعود لوجندر بمحطات مفصلية صقلت شخصيتها “الهجومية” والمبادرة: القنصلية في نيويورك (2016-2020): هناك، في مدينة لا تنام ولا ترحم، تعلمت لوجندر كيف تكون “دبلوماسية الميدان”. أدارت ملفات معقدة واحتكت بمراكز القوى العالمية، مما منحها “نفساً دولياً” يتجاوز البيروقراطية الباريسية. المتحدثة الرسمية (Quai d’Orsay): كانت وجه فرنسا أمام العالم. في هذا المنصب، أظهرت قدرة فائقة على ضبط النفس، والرد بذكاء بليغ، وتمرير الرسائل الصعبة بابتسامة دبلوماسية باردة. مستشارة الإليزيه: وصولها لتعمل كأذُن وعين للرئيس ماكرون لشؤون الشرق الأوسط لم يكن صدفة، بل كان اعترافاً بأنها تمتلك “المشرط” الدقيق للتعامل مع ملفات معقدة (لبنان، ليبيا، فلسطين).
يُسجل لـ لوجندر أنها كانت المحرك الصامت وراء القرار الفرنسي التاريخي بالاعتراف بدولة فلسطين في سبتمبر 2025. هذا الموقف يعكس ملمحاً جوهرياً في شخصيتها: “الواقعية الأخلاقية”. هي تؤمن أن الدبلوماسية التي لا تؤدي إلى نتائج ملموسة على الأرض هي مجرد “ثرثرة صالونات”. استطاعت إقناع ماكرون بأن استقرار المنطقة يمر عبر “العدالة”، وهو ما كسر الجمود التقليدي في السياسة الخارجية الفرنسية.
تُعرف لوجندر بكونها “جراحاً إدارياً”؛ لا تتردد في بتر الأجزاء الفاسدة. تعيينها في معهد العالم العربي بعد “زلزال جاك لانغ” هو اعتراف بأن المؤسسة لا تحتاج إلى “شاعر” بل إلى “قائد” يمتلك يداً بيضاء وإرادة من حديد.
تمثل لوجندر الجيل الجديد من القادة الذين يقدسون “المؤسسة” لا “الأنا”. هي تدرك أن المنصب “مسؤولية” لا “وجاهة”، وهو ما يجعلها نقيضاً تاماً للنموذج الذي انتقدناه سابقاً. سر نجاحها القادم سيعتمد على “التطهير والتحوير”؛ تطهير المعهد من تركات الماضي الملوثة بظلال “إبستين”، وتحويره ليصبح منصة “رقمية، شبابية، وشفافة”. هي لا تريد معارض لصورٍ جامدة، بل تريد حواراً حياً يربط بين ضفتي المتوسط.
الخلاصة: آن-كلير لوجندر هي نموذج للمرأة التي لا تنتظر الفرص بل تصنعها. صعودها هو انتصار للمهنية على المحسوبية، وللغة العقل على أوهام العظمة. هي اليوم لا تقود معهداً فحسب، بل تقود “ثورة هادئة” لتنقية الدبلوماسية الثقافية من شوائب الفساد والنرجسية.
تمثل آن-كلير لوجندر الجيل الجديد من الدبلوماسية الفرنسية التي لا تؤمن بالاستعراض بقدر ما تؤمن بالنتائج؛ فهي ابنة “بريتاني” التي صقلت لغتها العربية في معاهد باريس العريقة، لتمتلك بذلك مفتاحاً سرياً لولوج العقل العربي وفهم تعقيداته بعيداً عن الصور النمطية. لم يكن صعودها وليد المصادفة، بل كان ثمرة مسيرة احترافية تنقلت فيها بين نيويورك والكويت، وصنعت لنفسها اسماً كـ “مفاوضة صلبة” قادرة على إدارة الأزمات ببرودٍ دبلوماسي مذهل، حتى أصبحت المستشارة التي لا يستغني عنها الإليزيه في صياغة مواقفه تجاه الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.
يكمن سر تميز لوجندر في “الواقعية الأخلاقية” التي تنتهجها؛ فهي التي قادت خلف الكواليس حراكاً دبلوماسياً أفضى إلى اعتراف فرنسا التاريخي بدولة فلسطين في سبتمبر 2025، مؤمنةً بأن الحقوق ليست هباتٍ تُمنح، بل هي استحقاقات تُنتزع بالسياسة الرصينة. هذا الموقف لم يكن مجرد مناورة، بل كان انعكاساً لشخصية ترفض “الوصاية الثقافية” الزائفة وتؤمن بالعدالة كركيزة أساسية للاستقرار الدولي، مما جعلها نقيضاً صارخاً للمدراء الذين يختبئون خلف الشعارات الرنانة بينما يمارسون سياسات الإقصاء والمحاصصة.
عندما تسلمت لوجندر زمام “معهد العالم العربي” بعد زلزال الفضائح الذي ضرب عهد “جاك لانغ”، لم تأتِ لتكتب شعراً أو تتغزل باللوحات، بل جاءت بـ “مشرط” الجراح لتطهر المؤسسة من نرجسيةٍ مريضة كادت تودي بتاريخها. إنها تدرك أن تنقية الأرواح وتطهير العقول من أوهام العظمة هي الخطوة الأولى للإصلاح؛ لذا وضعت الحوكمة والشفافية فوق الاعتبارات الشخصية، معلنةً نهاية عصر “المدير النرجسي” الذي يرى نفسه مركز الكون، ليبدأ عصر “المدير المؤسسي” الذي يضع نزاهة المؤسسة وديمومتها فوق طموحاته الفردية.




