أسرجت خيولنا حزنها.. وأغمدت سيوفنا مقابضها!!!

اسرجت خيولنا حزنها..واغمدت سيوفنا مقاضبها!!

بقلم د. علي القحيص
لقد هوى من سمانا نجما ساطعا مدويا..من جديد !
رحيله صدمة قوية ..وعتمة سوداء لاتغيب او تنتهي !
وحزنه طويل وفراقه مر صعب النسيان والكتمان ..
يذكر في تراثنا العربي الخالد القصص والعبر المثيرة عن الفقد ولوعة الحزن والفراق ، فقالوا انه هناك امرأة عربية خيروها مابين ان( يقتل زوجها او ولدها او اخيها)،فقالت للمنفذ، (الزوج يأتي بمكانه زوج آخر والأبن ممكن يتعوض بابن، اما الاخ لايمكن تعويضه ابدا اذا فقد)! فافرج لها الوالي ( الزوج والابن والأخ) ،اكراما لحكمتها وصبرها ووفاءا لأخيها!
اسوق هذة العبارة المؤلمة بعد ان كبى سعدنا و خيم علينا الحزن من كل الجهات والأمكنة ، وأعتصرنا الألم لوعة وأضلمت الدنيا علينا بمارحبت وضقنا ذرعا بما احتوت من صبر وإحتساب وحكمة… فقدنا رجلا مهما ثقيلا غير عادي من طراز خاص لايتكرر في جيله،لان فقد الأخ مصيبة مؤثرة وعميقة ومريرة فما بالك اذا كان رجلا مهما وجبلا شامخا وسيفا شاطرا ورمحا طويلا لايلين او ينثني .. وقلعة صد حصينة في كل المواقف والمحن.
أخي الأكبر، فقدك سوف يترك بيننا جرحا عميقا و فراغًا كبيرًا وحزنا طويلا..في حياتنا كلها، لاتمحوه السنون ولا تطويه ايام النسيان مهما عبرت الأيام في هذا الزمن السريع المقلق الباهت بلا طعم او معنى، كنت دائمًا عنوانا بارزا ومصدرًا للقوة ولإرشاد والصبر والكرم والمرجلة والحضور المهيب الطاغي المرعب ،والنجم البارق حتى هوى في أرض الرياض ، مودعا اهله وذويه ومحبيه من دار الفناء الى دار الخلود، كنت حائط صد وملاذا آمنا في كل المواجهات والظروف الصعبة والمحن والازمات والأحداث والمواقف والشدائد .
سنفتقدك الى الأبد هذة المرة، ويفقدك الديوان ومجالس الرجال والدلال وضوء النار ليلا حين تستأنس لجمع الرجال وجمعتهم من حولك كباراوصغارا اقارب واجانب ، سيفقدك جيرانك الذين أغلب الوقت لايطهون الطعام في بيوتهم ، لان تاتيهم الموائد تباعا والصحون اشكالا بعد كل وجبة غداء وعشاء ووليمة،سواء كان هناك مناسبة او غير مناسبة ، واذا اتاهم ضيوف يصطحبونهم الى مضيفك المكتظ بالناس،الذي يبكيك اليوم حزنا واسى ..ويفتقدونك الذين يبحثون عن الأكل الطيب اللذيذ لأنك تهتم بالطعام من اجل الأكل والتلذذ به ، وليس من اجل البهرجة والتباهي والظهور والصور من اجل الرياء والهياط والتملق والدعاية.
ويفقدونك الرجال أصحاب البأس والشأن والذوق الذين يبحثون عن نبراس المعاني الخالدة وقصص الرجال الملهمة ورواياتهم و القهوة العربية المرة على اصولها وطعمها وفنونها ورونقها التي تجيد التفنن بإعدادها وبصناعتها وتحضيرها على اصولها بحرفية محكمة بدقة.
وسيفقدك أصحاب التكاسي، الذين يمرون بجانب مضيفك كل يوم ، ويلتمون على موائدك المختلفة صباحا ومساءا ، وقد ازعجت الجيران بكثرة ضيوفك ومحبيك وزوارك ، وأصوات السيارات المكتضة بالضيوف من كل الجنسيات و عمال المطبخ الذين ياتون ويذهبون كل يوم ، بل احيانا كل وجبة حاملين الأطعمة او مدبرين يوزعون ماتبقى من الطعام للجيران والفقراء الذين ينتظرون وجباتهم يوميا، جيرانك منزعجين من قلة الراحة والضوضاء والأصوات من الناس المجتمعة ،لكنهم تعودوا على طبع ( فوضويتك)بعد ان عرفوا سلوكك وطبعك العفوي الطبيعي البسيط والاهتمام بالضيوف كل يوم بدون موعد مسبق، وانها عادة و طباع لك لايمكن ان تغيره الأزمان ولا المكان إلا بعد مغادرتك الديار مودعا بلا عودة الى رب كريم يحب الكرماء.
كان امام مضيفك تجد أكوام فضلات ماتبقى من بقايا القهوة والشاي ، واكوام عظام الذبائح التي ازعجت عمال البلدية من كثر تكدسها وتراكمها يوميا امام الابواب ، لكن حين يتوقفون لتفريق حاويات فضلات الأكل وبقايا الطعام ، تصيح عليهم بصوتك الجهوري المخيف وتجبرهم ان يتناولون وجبات الطعام معك، وتلح عليهم ان ياخذون معهم من الأكل والتمر والماء واللبن ما يستطيعون حمله لذويهم والمحتاجين.
وأصبح العمال والنظافة وأصحاب الدكاكين والبسطاء حول دارك ، كلهم أصدقاء لك يدخلون المضيف بدون استئذان ياكلون ويشربون ويعودون بلا كلام او سؤال من انتم ؟ وكأنهم داخلين على مطعم مدفوع الحساب سلفا او مقهى شعبي مجاني مفتوح !
ولم ينزعجوا من صراخك عليهم حين تقول لهم يا بشر يا آوادم…يا….تعالوا تناولوا الأكل هذا معنا لايخرب او يتلف الطعام ويذهب سدى.
اذكر ذات مرة كنت انتظر رسالة مهمة من البريد السريع( دي إج إل) وانا انتظره أمام المضيف لكي استلم الطرد البريدي المهم ، وصرخ عليه ابو عبدالعزيز، لا تستلم البريد الا ان يترجل من سيارتك المندوب وتناول الأفطار معنا، قال ..ياعم ….لا استطيع ..فكرر عليه المنادات.. تعال….تعال..؟!
قال ياعم …السيارة فيها كامرة والإدارة اذا شاهدوني اتناول الطعام معك واشرب القهوة والشاي هنا، سوف يفصلون من العمل وانا جالس بجانبك !
فقال له ( ايا ملعونين الوالدين….يتجسسون عليك …اتركهم خلهم يولون ..هؤلاء لم يعرفوا أصول الضيافة )!!
فضحك ساعي البريد واكمل مشواره، يسعى في مناكبها ليوزع بريده على الآخرين غير مكترف بكل ماسمعه !
حاتم ..سوف يفقدك مجلسك الذي اعتمده قوقل في خرائط ( قوقل مان) ،.وحين تضع مجلس حاتم …سوف يضهر لك الموقع !
يقول لي صديق نزل من المطار وقلت لصاحب التكسي اصلني الى ( الجبيهة ) فقال “مجلس الشيخ حاتم” ..وضحكت ..قلت تعرفه قال كل المنطقة يعرفونه ..هذا عامل عندنا ( مضافة للصادر والوارد للكبير والصغير للبدو والحاضرة للوزراء والرعيان ، وقد شجع على البطالة بالمنطقة ) !
حين قلت سوف يفتقدك مجلسك كان عامرا يجتمع فيه الوزير والوكيل والمدير وشيخ القبيلة والطبيب والمهندس وراعي الإبل والاغنام والعمال وأصحاب التكاسي ، كلهم ياكلون معك في مائدة واحدة ، ولاتفرق بالتعامل بين وزير او سفير او عامل النظافة ابدا ، تعاملهم بنفس الروح و الاسلوب والاستقبال والعطاء !
حتى القطط تتجمع أمام مضيفك مستفيدة من الطعام ، نأتي ونشاهدها صغارا ونتعاطف معها كونها صغارا جدا، ونغيب فترة وإلا هيا اصبحت( قططا سمان) تتبعها صغارها ! مترهلة منتفخة من التضخمة والسمنه ، وتتكاثر بسرعة لماتحصل عليه من ظل وافر و أكل كثير متنوع و بقايا طعام اللحوم والشحوم المتناثرة من بقايا الموائد
اذكر ذات مرة ونحن جالسين أمام المضيف وكان يضع اقفاص وعذوق وعناقيد الرطب على طاولة بالخيمة خارج منزله ، حتى ياكلوا منها المارة من أمام المضيف، وكذلك الجالسين وإلا بصاحب تكسي يقف وبعد ان أفشى السلام علينا، قال هذا الرطب للبيع؟ ، وضحك الحاضرين من الجلوس، واستغرب، وقلنا له ليس للبيع ولكن خذ ما تشتهيه نفسك ويكفيك، وامسك ب( عذق) الرطب واخذه وحرك سيارتة مسرعا.
وأتى من بعده الآخر ، وأخذ نفس حصته، قائلا: لازالت الدنيا بخير …ياعم..اكثر الله خيرك ومن امثالك!!
هذه جزء بسيط جدا من سيرة طويلة لاتنتهي …من ملامح فوضى كرم ابا عبدالعزيز..رحمه الله، العفوي المفرط بلا حدود ، الذي اوغل بالكرم الى حد الغير معقول ، الى حد التهور والبذخ والاسراف بشراهة ، وأثقل نفسه بالديون وكذلك أولاده الذين ضاق بهم ذرعا مصروفه اليومي والشهري والسنوي ، لم يستطيعون تسديد مصاريفة التي ينفقها على الطعام والهدايا ، ومساعدة المحتاجين!
ولاشك ان الراحل الكبير الشهم كان يتمتع بكاريزما مؤثرة وحضور قوي مهاب لافت رغم بداوتة وسجيته الطبيعية ، وعدم حرصه على التعليم ، إلا أنه يمتك من المعاني الأصيلة الكثير والجزل منها ،ومن القيم النبيلة العالية الفريدة وفرط الشجاعة المشهودة له ، ولذلك قابل ملوك وإمراء وشيوخ ورؤساء دول وأصبح لهم صديقا وجليسا، ببساطتة الطبيعية وهيبتة المرعبة ذات الطابع الاصيل البسيط التلقائي العفوي اللافت للجميع ، وهذا كرم من الله له ، لان الله كريم يحب الكرماء ، وكرم حاتم ، كرما عفويا وطبيعيا غير متصنعا ، وليس من اجل (الهياط) او التملق والرياء والتبجح والتمثيل والدعاية، بل كما ذكرت سلفا ،انه يتعامل مع الوزير كما يتعامل مع ابسط شخص !
ولذلك اجتمع الناس من جميع جنسياتهم و مشاربهم على احترامه ومحبته وتقديرههم له.
أخي العزيز، رحيلك صدمة كبيرة موجعة لانستوعبها ابدا ،وجرحا عميقا لايندمل! كنت دائمًا سندًا لنا في الأوقات الصعبة والمحافل والمحن والشدائد .. سأحاول أن أكون قويا وصابرا ورابط الجأش.. ومحتسبا الى الله عز وجل جل قدرته وحكمته…الذي يستقبلك اليوم بكرمة الفاضل ….ورحمة الواسعة الظافية وجنة خالدة إن شاء الله ، وجعل قبرك روضة من رياض الجنة.” وجعل ما أصابك من مرض وألم في ميزان حسناتك وتخفيف ذنوب ورحمه..
وحتما ان القبر الذي احتظنك ، فرحا بقدومك الميمون له، لان الكريم حبيب الله، وسوف يفرح بلقياك بكبر وكثر حجم حزننا على فراقك المر الصعب القاسي وغيابك الموجع المؤلم .
الى جنة الخلد…ياأبا عبدالعزيز….. اخي الأكرم العزيز ..بإذن الله تعالى..
قال الشاعر العربي:
( ماكان قيس هلكه هلك واحد
ولكنه بنيان قوم تهدما)!
إنا لله وإنا إليه راجعون..




