مقالات كل العرب

كتاب الأردن يجيبون على سؤال: كيف خدع الإعلام الإسرائيلي الإعلام العالمي بحرب الإبادة على الفلسطينيين في غزة

شارك

كتّاب الأردن يجيبون على سؤال كيف خدع الإعلام الإسرائيلي الإعلام العالمي بحرب الإبادة على الفلسطينيين في غزّة؟ 

المقدّمة:

سليم النجّار 

أيقظت قلمي الذي نام على قلق كالطيور المهاجرة٠ أخبرته أنّ حرب الإبادة على غزّة بدأت على إذاعة الحرّة الأمريكية. لم يصدّقني ظّن أنّي أهذي، بما شاهدته في نشرة أخبار المساء من صور فظيعة. لا يوجد عقل بشري يستوعب ما يشاهده من قتل الأطفال، ونحر النساء، والعجائز، وكأنّنا أمام سردية وحشية مفتوحة على نصّ إجرامي.

يُقال إنّ الذاكرة كنز إنساني دفينٌ، فكيف إنْ كانت مشاهد بصرية، قوامها مجازر وحرب إبادة لشعب كلّ ذنبه أنّه أراد الحياة على أرضه. وتتمّ معاقبته يومياً من قِبل عدوٍّ إسرائيليٍّ لا يفقه إلاّ لغة القتل.

إنّها سردية وحشية، لم يعرف التاريخ السردي الإنساني مثلها، تستثمرها آلة إعلام إسرائيلية مُضلَّلة. كشف عنها كتّاب ورواة وقاصّون وباحثون أردنيون.

هذا التحقيق الصحفي، كلّ ما قام به تعرية “النّص” الإجرامي الغربي المتحالف مع آلية القتل الإسرائيلي، التي تدّعي الإنسانية التي استثنت الفلسطيني، واعتبرته سقط متاع.

كان السؤال كالآتي وكانت الردّ متنوِّعا:

رأيك كمثقف ومتابع للحرب الصهيونية على أهل غزّة، كيف يخدع الإعلام الإسرائيلي الإعلام العالمي ويحاول التخفيف ممّا يحدث في غزّة كي يمرر جريمته؟

-مهنّد أبوفلاح:

التضليل الإعلامي الإسرائيلي على أنّه الضحية.

سعيد الصالحي: 

 الإعلام العبري جزء لا يتجزأ من الإعلام الغربي الذي يدّعي أنّه مصدر الحقيقة.

موسي أبورياش:

برع الإعلام بالتزوير وطمس الحقائق.

د. علي الشوابكة: 

الإعلام الصهيوني يواصل سردياته الكاذبة القائمة على الخداع.

أحمد الطراونة: 

إسرائيل تحاول بكلّ ما تستطيع للسيطرة على العالم من خلال الإعلام.

وداد أبوشنب:

الإعلام الإسرائيلي مدعوم بإعلام أكبر قوة في العالم “أمريكا”.

-منذر اللالا:

فطنت الحركة الصهيونية منذ البدايات لأهمية الإعلام.

د. أسامة المجالي:

في مواجهة الوحش بكفّين عاريتين

تضليل إعلامي مكّثف 

مهند أبو فلاح/كاتب وباحث

يمارس الإعلام الصهيوني الموجّه من قِبل دوائر الأمن والاستخبارات في الدويلة العبرية المسخ حملة تضليل مكثفة وممنهجة للرأي العام العالمي حول ما يجري في قطاع غزّة الباسل في محاولة للتخفيف من أثر العدوان الغاشم وحرب الإبادة الفظيعة الرهيبة التي يتعرّض لها أبناء شعبنا العربي هناك منذ السابع من تشرين أوّل / أكتوبر 2023 على يد جلاوزة الإرهاب والإجرام الذين بزّوا أقرانهم وأسلافهم من النازيين والفاشيين في هذا المجال.

اليوم يحاول الاعلام الصهيوني التعتيم على حقيقة أن قطاع غزة محاصر بشكل ظالم من قبل حكام تل أبيب منذ حزيران / يونيو 2007 حينما تمّ الإعلان عن القطاع من قبل مجلس وزراء الكيان الغاصب كياناً معادياً بحجّة سيطرة حركة المقاومة الإسلامية حماس عليه، وهو حصار ظالم جائر حول غزة العزة إلى سجن كبير ومعتقل ضخم يضمّ ما يزيد عن مليوني نسمة يفتقرون إلى أبسط مقوِّمات الحياة الإنسانية الحرّة الكريمة الطيبة.

تجاهل الأسباب والدوافع الحقيقية الكامنة وراء عملية طوفان الأقصى في 7 تشرين الأول أكتوبر من العام الماضي يبرز في الإعلام الصهيوني بشكل واضح جليّ عبر تجاهل مسيرات العودة الضخمة الجماهيرية التي نظّمها أبناء شعبنا كأحد أبرز وسائل المطالبة بفكّ الحصار عن القطاع والذي استمرّ لمدّة تزيد عن سبعة عشر عاما باعتبار أنّ هذه المسيرات كانت من أروع وأعظم وسائل التعبير الجماهيري السلمي لفكّ الحصار وكسره عن غزّة الصامدة الصابرة.

آلاف الشهداء والجرحى الذين قضوا نحبهم برصاص الغدر الصهيوني خلال مسيرات العودة التي انطلقت قبل بضع سنوات، واستمرت لفترة زمنية طويلة كدليل دامغ على رقي شعبنا وتحضره في مجابهة الصلف والعنت من قبل العدوّ الصهيوني الغاشم الراغب في قتل شعبنا وإبادته بكافّة الوسائل والسبل القذرة البشعة يتمّ إغفال ذكرها من وسائل الإعلام الصهيونية لإخفاء حقيقة مفادها أنّ طوفان الأقصى لم يكن ليبصر النّور لولا إصرار حكام تلّ أبيب على القضاء على معالم الحياة الإنسانية في قطاعنا الحبيب.

إنّ التضليل المُمَنهج الذي يمارسه حكام تلّ أبيب عبر إعلامهم الكاذب يتجلّى بأقبح صوره وأشكاله عبر تصوير المستشفيات والمراكز الطبية كمعاقل للمقاومة الباسلة واختلاق الذرائع والحجج لقصفها وتدميرها على رؤوس من فيها من غير شفقة ولا رحمة من المستشفى المعمداني إلى مستشفى الشفاء إلى مستشفى ناصر والعودة الخ …، كلّ ذلك يجري في ظلّ مواكبة إعلامية صهيونية كاذبة وضيعة دنيئة تبرِّر قتل الطواقم الطبية والإجهاز على الجرحى وتصفيتهم وإعدامهم بدم بارد.

أمّا الأدهى والأمَرّ من كلّ ذلك فيتمثّل في تسويق الإعلام الصهيوني فكرةَ إلغاء وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين الأونروا بحجّة أنّ عددا من موظفيها شاركوا في عملية طوفان الأقصى وهو ما تبيّن أنّه زعم وادّعاء كاذب لا يمتّ إلى الحقيقة بصلة تماما كمحاولة شيطنة رجال المقاومة الفلسطينية الأبطال من خلال الزعم والادّعاء بأنّهم قاموا باغتصاب النساء الأسيرات في هجوم السابع من تشرين الأول اكتوبر الماضي.

سعيد الصالحي/كاتب وروائي

الإعلام العبري جزء لا يتجزأ من الإعلام الغربي الذي يدّعي أنّه مصدر الحقيقة.

عند الحديث عن دور الإعلام العبري خلال حرب غزّة، لا بدّ من تحليل هذا الخطاب الإعلامي الموجه للعالم الغربي باعتباره جزء لا يتجزّأ من منظومة الإعلام الغربي، التي تعوّدت أنْ تخاطب جماهيرها منذ عقود على أنّها المصدر الأوّل للحقيقة، وبالتالي فالإنسان الغربي يقرأ وينظر ويستمع إلى وسائل الإعلام المختلفة بوصفها وسائل إعلام صادقة دائما، وبأنّه لا هدف لها إلاّ كشف الحقائق أمامه. وبما أنّ الإنسان الغربي لم يتعوّد على الاستماع لوسائل إعلام الآخرين؛ لأنّه لا يملك الوقت لذلك وإنْ حظيَ ببعض منه فلديه من الأولويات ما يجعله يبتعد عن إهدار هذا الوقت في تتبُّع أخبار العالم من حوله وهو بالكاد يتابع أخبار بلاده، وفي ضوء هذا الواقع، فتوقّعت وسائل الإعلام العبرية أو من تحالفت معها من دوائر الإعلام الغربية بأنّ عملية تشكيل الرأي العام الغربي ستتمّ بكلّ سهولة ويسر، أسوة بتجاربهم وخبراتهم السابقة كالحرب الروسية الأوكرانية وغيرها، وربّما دفعتهم النتائج الأولية وردود الفعل البكر للمجتمعات الغربية التي انبرت تستهجن قتل الأطفال الرضع واغتصاب النسوة من قبل المقاومة الفلسطينية في السابع من أكتوبر على حدّ ادّعائهم للاقتناع بأنّ الرأي العام الغربي سيتشكل بأيديهم كالصلصال. وعلى وقع الصورة الأولى فقد أعطت المجتمعات والحكومات الغربية الحقّ الكامل للكيان الصهيوني في الدفاع عن نفسه والرّد بيد من حديد على كلّ الشعب الفلسطيني في قطاع غزة، باعتباره مشاركا في هذه الجرائم بتستّره ودعمه لمرتكبيها، فالإعلام العبري وحلفاؤه من الغرب قد نجحوا خلال الساعات الأولى للحرب من تسويق الكذب والدّجل على أنّه الحقيقة الراسخة ممّا نتج عنه مباركة غربية للوحشية الصهيونية بحقّ الشعب الفلسطيني.

ومع استمرار الحرب الهمجية واصلت وسائل الإعلام العبرية والغربية نهجها في التضليل والتزوير وقلب الحقائق وإظهار الجاني بثوب المدافع عن نفسه والذي يقاتل في سبيل الحقّ طغمة من الأشرار المارقين، ورغم الصورة والكلمة التي حرصت وسائل الإعلام الغربية والعبرية على تثبيتها وتعزيزها في أذهان مجتمعاتهم، إلاّ أنّ بعض الأصوات والصور قد وجدت طريقها إلى المجتمعات الغربية بطرق مختلفة ممّا دفع ببعض الوسائل الإعلامية شبه المحايدة إلى محاولة العودة إلى المربّع الأول وإعادة تصحيح بعض الأخبار العبرية أو التشكيك بها وخاصّة فيما يتعلّق بادّعاءات الكيان الصهيوني حول أحداث الساعات الأولى من يوم السابع من أكتوبر، ولكن هذا التصحيح أو التشكيك لم يغنِ ولم يسمن ولم يصل بذات الزخم الإعلامي إلى شرائح واسعة من المجتمعات الغربية.

ومن ناحية أخرى لم تفرد وسائل الإعلام الغربية للمثقف العربي والفلسطيني الأوقات والمساحة والحرية بذات القدر الذي أتاحته للعبري أو الغربي الناطق بلسان حال الكيان الصهيوني للتعبير عن رؤاه وتوضيح حقيقة ما يجري والوقوف على أسبابه الحقيقية، وأنّ القضية أصلا بين صاحب الأرض والمحتلّ الغاصب.

في النتيجة لا نستطيع القول بأنّ الإعلام العبري قد خدع وضلل الإعلام الغربي لأنّه وببساطة شديدة جزء منها وإنْ كان في كثير من الأحيان قد لاعبهم بطريقتهم وبأسلوبهم وخاطبهم بالطريقة التي تعوّدوا أنْ يخاطبوا مجتمعاتهم بها.

موسى إبراهيم أبو رياش/ قاص وناقد

برع الإعلام بالتزوير وطمس الحقائق.

برع الإعلام الصهيوني الخبيث بالتزوير وطمس الحقائق والتلاعب بها وفبركتها، وتضخيم كلّ ما يصيب أيّ فرد صهيوني، والتقليل من جرائمه بحقّ الفلسطينيين، على اعتبار أنّ الشعب الإسرائيلي ضحية، ومحاط بالأعداء، ومستهدف من قبل الإرهابيين، مستثمرين بالهولوكوست، ومعاداة السامية، وتفوّقهم في المنطقة.

يسيطر المال الصهيوني على كثير من وسائل الإعلام الغربية، ولذا؛ من السهل أنْ يمرِّر روايته ورؤيته وأكاذيبه للعدوان النازي على قطاع غزّة والإبادة الجماعية التي يتعرّض لها السكان والتدمير الممنهج لكلّ شيء على الأرض. وقد ضخّمت الرواية الإسرائيلية من أحداث السابع من أكتوبر، وفبركت ولفقت وافتعلت كثيرًا من الانتهاكات المرعبة بحقِّ المدنيين والنساء والأطفال في مستوطنات وبلدات غلاف غزّة، وأنّها بفعل أعمال إرهابية وحشية على المدنيين الإسرائيليين، كمّا أكدّت على فصل 7 أكتوبر عمّا سبقها، وأسقطت من روايتها أنّ إسرائيل كيان مغتصب دخيل قام على حساب الشعب الفلسطيني وحقوقه، وتناست مائة عام من المذابح وأعمال التدمير والبطش والتنكيل والتهجير واعتقال مئات الألوف والحصار الخانق والانتهاكات المتكرِّرة للأقصى ومصادرة الحريات والأراضي، وتصوير أنّ عدوانها على غزّة هو للدفاع عن النفس وملاحقة الإرهابيين، وأنّ تدميرها للبيوت والمستشفيات والمدارس وغيرها لأنّها تأوي أو أنّها مقار للإرهابيين من مقاتلي المقاومة الفلسطينية.

وإذا علمنا أنّ معظم الناس، وكثير من وسائل الإعلام، لا يتقصّون عن الحقائق، ولا يهمّهم ذلك، ويصدِّقون الصوت الأعلى أو الصوت الأقرب إليهم والأقوى صلة بهم، فإنّ من السهل تمرير الرواية الصهيونية المدعمة بالصور والأرقام المفبركة، التي تستدرّ التعاطف والمساندة والدعم، وتجريم الآخر الإرهابي المتوحِّش المعتدي، دون تأكّد أو تقصٍّ أو تمحيص، في غياب إعلام عربي مؤثر موجّه للغرب، يفند الرواية الصهيونية، وينقل الحقيقة كاملة غير منقوصة أو مغلوطة.

ولكن، بدأت الرواية الصهيونية بالتآكل في الغرب، بعد تدفُّق عشرات الألوف من الصور والمشاهد المباشرة التي توثِّق ما يحدث من عدوان همجي وحشي في قطاع غزّة بحقّ المدنيين ومرافقهم وتعرّضهم للإبادة، وانتفض المنصفون المؤمنون بالإنسانية وحقّ الفلسطينيين بالعيش الكريم، وفضحوا زيف وكذب الرواية الصهيونية، وكشفوا تلاعبها وأباطيلها بالوثائق والتحقيقات، والكفّة الآن ترجح لصالح أهل غزّة وفلسطين عمومًا، وتنتصر لهم، وهذا إيذان ببداية النهاية للكيان الغاصب وزواله الوشيك المؤكَّد.

د. علي الشوابكة/شاعر ومسرحي

الإعلام الصهيوني يواصل سردياته الكاذبة القائمة على الخداع.

   لم يكن للكيان الصهيوني المصنوع على أعين من يرعاه ويدعمه بكلّ ما يحتاجه لمواصلة حرب الإبادة على الشعب الفلسطيني الأعزل في قطاع غزّة وفي الضّفة الغربية إلاّ المثابرة في بثّه سردياته القائمة على الكذب الذي لم يعد ينطلي على أحرار العالم؛ ولعل أهمّهم طلبة الجامعات الأمريكية لا سيما أنّ هذه السرديات تضجّ بالتعتيم على حقيقة ما يجري على الأرض من دمار وإبادة كلية للبشر والحجر ويدعمها الإعلام الغربي المؤسّسي، وكذلك بعض السرديات العربية التي يتمّ تصديرها، حيث تعكس المصالح السياسية المحلية متخلية عن فضح الواقع المروِّع لما يحدث في غزّة وفي الضفّة الغربية.

   ويواصل الإعلام الصهيوني سردياته الكاذبة القائمة على خداع الإعلام الغربي والعالمي محاولاً التخفيف من حدّة الجرائم ضدّ الإنسانية التي لم يزل يرتكبها في غزّة وفي الضفّة الغربية من خلال معاودة وصم الفلسطينيين الذين يدافعون عن أرضهم ومقدساتهم بالإرهابيين؛ ممّا يلائم قناعات الشعوب الغربية تجاه العرب والمسلمين وتصوير قادة المقاومة بالعنت وأنّهم هم من يعيقون التحرّك السياسي للبحث عن حلول ناجعة في المفاوضات الجارية.

   ومن جانب آخر تستمر السردية الصهيونية والمكشوفة بإظهار تجنّي المقاومة على الأسرى وإساءة معاملتهم بينما تظهر للإعلام الغربي دور المعارضة في الكيان الصهيوني لما يقوم به جيش الاحتلال من خلال تصدير مشاهد تصوِّر الحالة الديموقراطية الزائفة التي تعيشها (إسرائيل).

   وتواصل دولة الكيان المغتصب كلّ هذا وأكثر عبر قنوات مختلفة لعلّ أهمّها (السوشيال ميديا) الأوسع انتشارا بغية التعتيم على واقع الحال وتغييب حقيقة تدخلهّا العسكري في رفح والاستمرار في إبادة الشعب الفلسطيني وتجريده من كافة حقوقه الإنسانية متذرعةً بالتخلّص من المقاومة والقضاء عليها؛ لكونها في العقل الرسمي الغربي والشعبي هي مجموعات إرهابية .إلى جانب تذرّعها باستعادة المخطوفين (الأسرى) الذين تصوّر معاناتهم الإنسانية طيلة فترة هذه الحرب لدى المقاومة ممّا يبدي تعاطفاً لدى الأوساط المتصهينة في الغرب الرسمي والشعبي.

أحمد الطراونة/كاتب وصحفي وروائي

إسرائيل تحاول بكلّ ما تستطيع للسيطرة على العالم من خلال الإعلام.

لعلّني أبدأ بسؤال هو إعادة إنتاج لهذا السؤال إنْ جاز لي: كيف تبني المؤسسات الإعلامية الغربية روايتها عمّا يدور في غزةّ؟ وكيف تبني كلّ هذا الوعي المزيّف؟ وكيف تعيد إنتاج الوهم وتسوِّقه على أنّه حقائق مطلقة؟ هذه وغيرها من الأسئلة التي باتت الإجابة عنها اليوم واضحة تؤكِّد لنا وبما لا يدع مجالا للشكّ أنّ هنالك وظيفة مهمّة تتجاوز أهمية وظيفة الأساطيل العسكرية، وهي السيطرة على منافذ الوعي من خلال ادوات مختلفة: الإعلانات التي تضخّ مليارات الدولارات في محافظ هذه المؤسسات، وعند الحديث عن ما يدور في غزّة أو في فلسطين بشكل عام، فإنّ الرعاية الصهيونية والرعاية الأمريكية لغرف صناعة الخبر في العالم تعتبر جزءا رئيسا من غرفة قيادة المعركة التي يتحكّم بها الرأسمال العالمي وهذا يعني أنّ الطبقة الحاكمة للعالم تنشر وجهة نظرها بالقوّة وهذا للأسف ينسحب على غرف الأخبار الوطنية أو الدولية والتي يجب أنْ تعبِّر عن وجهة نظر مستقلّة، إلاّ أنّها تساق وفق رؤية اقتصادية أيضا بحكم أنّ الطبقة الحاكمة في أيّ بلد لا تنفك من تبعيتها للطبقة الحاكمة العالمية، وهذا يعني أنّ تشكيل رأي عام مخالف أو وعي زائف يمكن بسهولة، وهذا ما تقوم به وسائل الإعلام الصهيونية الآن، فهي تخترق العالم وتقدِّم سرديتها وتحاول إقناع العالم بهذه السردية.

يمكن القول إنّه في الفترة الأخيرة من عمر الحرب الصهيونية على أهل غزة بدأت المسارات تنحرف بوضوح عن ما رُسِم لها، وبدأت الأصوات تتعالى وفق رؤية جديدة، رؤية كاشفة لما يدور وتسهم في فضح المخططات والجرائم التي ارتكبتها العسكرية الإسرائيلية بدعم غربي وحشي، فانحراف بعض وسائل الإعلام التي تخلّصت من هيمنة الإعلان، وبدأت تستقصي الخبر وتتابع بحيادية قدّ أثر هو الآخر في الجماهير الواعية والتي تعتبر محركة للمجتمعات، كالأحزاب وطلبة الجامعات وبعض المؤسسات المدنية، فبدأت تتشكّل كتلة صلبة في مواجهة الكذبة الصهيونية التي مورست بقوّة على وسائل إعلام ضعيفة وهي بدورها سوّغتها وروّجتها وفق مصالحها المرتبطة.

ورغم أنّه كان يبدو جليّا، وقبل الحرب على غزّة أنّ الرواية الإسرائيلية قد تسيّدت المشهد واتّسعت بلا منافس، إلاّ أنّ الصمود الأسطوري في غزّة قد هدم الحاجز القويّ الذي بُني على مدار عقود من الزيف، وكان حاجزا أمام تشكيل حالة الوعي الحقيقي التي تحمل الجماهير على اختلافها لمواجهة الظلم، وأنّ غزّة قد خلقت رغم كل ما يُضَخُّ في وسائل الإعلام الداعمة للهيمنة الغربية، قد خلقت تحوّلات مهمّة في تقويض الوعي الزائف وفضح ادّعاءات الدولة المارقة وتشكيل جبهات واسعة حقّقت مكاسب تنمو كلّ يوم في الشارع العالمي إنْ جاز التعبير، على صعيد المعرفة بالسردية الفلسطينية أو اتّساعها والوعي بسلاح المقاطعة للكيان الصهيوني ومن يخدم مشروعه.

إسرائيل تحاول بكلّ ما تستطيع أنْ تسيطر على العالم من خلال الإعلام، وأنْ تقول للعالم إنّها تخوض حرب وجود ضدّ عدوّ شرس، تعوِّل في ذلك على جهل المتلقّي، لكنّ العالم يتغيّر ولو ببطء.

وداد أبوشنب/ناقدة وقاصّة

الإعلام الإسرائيلي مدعوم بإعلام أكبر قوة في العالم “أمريكا”.

 

الإعلام الإسرائيلي منذ البداية عمل على خداع العالم، فهذا ديدنه، أولاً، وقد استطاع حقيقة خداع معظم الدول، أمّا الدول العظمى كأمريكا وبريطانيا وفرنسا وألمانيا، فلم تُخدع، إنّما سارت من البداية مع الصهيونيّة ليس من باب أنّها خُدعت، وإنّما هذا من استراتيجية سياستها الوقوف مع إسرائيل ظالمة ومظلومة.

وقد نجحت إسرائيل في البداية بتهويل ما قامت به المقاومة في السابع من أكتوبر من العام الماضي الذي صوّره الإعلام الصهيوني على أنّه انتصار للمقاومة يهدّد أمن إسرائيل وأمن حلفائها في المنطقة، فأرسلت أمريكا بوارجها الحربية إلى سواحل البحر الأبيض المتوسط، لحماية إسرائيل، واشترك خبراء استراتيجيون أمريكيون وبريطانيون وفرنسيون وألمان في التخطيط للحرب على غزّة..

لكن لما أدارت إسرائيل ظهرها للعالم كلِّه، بما في ذلك الدول العظمى والأمم المتّحدة ومنظماتها، ومحكمة العدل الدولية… بدأ العالم يدرك حقيقة إسرائيل… التي حاولت أنْ يسمع العالم صوتها فقط فقتّلت الإعلاميين الفلسطينيّين في غزّة لكيلا ينقلوا الحقيقة… وأغلقت مؤخرا مكتب الجزيرة في القدس.

ورأى العالم قتل المدنيّين في غزّة من شيوخ ونساء وأطفال، ودفن الموتى بالجرافات وتغطية جثامينهم بالقمامة… ومنع ما سمّوه بالمساعدات التي وصفوها بـ”الإنسانية” عن غزّة وأطفالها ونسائها ومستشفياتها.. كما رأى حجم الدمار للبيوت التي تشرّد ساكنوها وأصبحوا بلا مأوى.

من البداية كانت إسرائيل تعمل على إنشاء سرديات متتالية، منذ بداية انتقالهم إلى أرض فلسطين لدعم مشروعها الإحلالي: أرض بلا شعب لشعب بلا أرض!! وكلّ سردية كانت بمثابة بروباجندا لما بعدها، وصولا إلى سرديتهم المنتظرة: دولة ما بين الخطين!! وفي كلّ مرّة كانت إسرائيل تستعمل الوجه الباكي لإقناع العالم بظلم أبناء كنعان بعامّة، والغزيين بخاصّة، لا سيما أصحاب المقاومة، فعملت على نقل معلومات كاذبة عمّا يحدث مع الأسرى الإسرائيليين “المخطوفين” من تعذيب وانتهاك حرمات واغتصاب وقطع رؤوس أطفال، إلى أنْ جاء مِنْ أهلهم “الإسرائيليين” مَن يشهد عليهم، فجاء حديث الأسرى اليهود المحرّرين بعكس روايات الحكومة الإسرائيلية، وجاءت شهادة بايدن نفسه بنفي خبر قطع رؤوس الأطفال!!! 

لم يكن الإعلام عادلا، فقد كان الإعلام الإسرائيلي مدعوما بإعلام أكبر قوّة في العالم وهو الإعلام الأمريكي، في الوقت الذي لم يكن مجال أمام المقاومة غير الاستعانة بإعلام الجزيرة التي كانت تبثّ أخبار الشهداء!!! وإعلام بعض البلوغرز الغزيين “المدوّنين”.. فأيّة كفّة كانت سترجح في نقل صوتها للعالم كما ينبغي؟؟؟ وهي من البداية حرب إعلامية!! 

لكن الآن ما عاد المُنصفون من دول العالم يصدّقون الإعلام الصهيوني، ولا حتّى الصهاينة في الداخل وبالأخصّ أهالي الأسرى الإسرائيليين لدى المقاومة يصدّقون لا الإعلام الحربي الصهيوني ولا الإعلام السياسي، فالشوارع ضجّت، والأصوات ارتفعت تطالب بمحاسبة من أهملوا الأسرى وتاجروا بهم، ومن زجّوا أيضا بالجنود إلى أتون المعركة لتحقيق هدفين استراتيجيّين مضمونين: القضاء على حماس، وعودة الأسرى “المختطفين”، لا هذا الهدف تحقّق، ولا ذاك يُؤمل في تحقيقه… 

ناهيك عمّا يجري الآن في العالم من مساندةٍ للفلسطينيين تقوم بها كبرى الجامعات في أمريكا وغيرها من دول الغرب..

وفي المقابل، مُذ بدأت حرب غزّة، وقبلها وإلى الآن نجد صدق إعلام المقاومة، إعلام القادة السياسيين، والإعلام العسكري… والإسرائيليون أنفسهم يثقون بإعلام المقاومة أكثر من ثقتهم بإعلامهم..

نعم، معظم الإعلام في العالم تسيطر عليه الصهيونية، ونعم، نجحوا في البداية في ضلالهم وتضليلهم، لكنّهم ما عادوا يُصدَّقون.. حتّى عندما تظاهر الرئيس الأمريكي بإيقاف صفقة السلاح الأخيرة المتوجِّهة إلى إسرائيل.. رأينا الصهاينة يتباكَون لأنّهم تُركوا بلا ناصر ولا معين وحدهم في المعركة، وكأنّ المقاومةَ تُمطر عليها سماءُ البلاد العربية والإسلامية مساعداتٍ مستمرّة تتمثّل في أحدث الأسلحة على مدار الأشهر والأيام والساعات!!! وتبقى العبرة بالنهايات. وصدق الله العظيم: “إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لِأَنفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا ۚ فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ ٱلْآخِرَةِ لِيَسُوءواْ وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُواْ ٱلْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍۢ وَلِيُتَبِّرُواْ مَا عَلَوْاْ تَتْبِيرًا”.

الكاتب منذر كامل اللالا/كاتب وباحث

فطنت الحركة الصهيونية منذ البدايات لأهمية الإعلام.

شتّان بين أكبر عملية خداع إستراتيجي للجيش الإسرائيلي قامت به المقاومة الفلسطينية في غزّة في عملية طوفان الأقصى، وبين ما قام به الكيان المغتصب ردّا على الطوفان وما قام به منذ ما قبل اغتصابه فلسطين وما يزال إلى الآن، فقد فطنت الحركة الصهيونية منذ البدايات لأهمية دور الإعلام، لا سيما في سنوات التأسيس الأولى التي عُرفت بقلّة وسائل الإعلام، وإمكان السيطرة على الكثير منها، وبالتالي إمكانية توجيه الجمهور والرأي العام العالمي. ولذلك فقد سعت الحركة الصهيونية إلى سردية بديلة تسعى من خلالها للحيلولة دون أيّ تعاطف أو تضامن – فضلًا عن الدعم – مع الشعب الفلسطيني، واحتكار ذلك لدولتها الوليدة.

وبالتوازي مع العدوان المتواصل على قطاع غزّة، يشنّ الاحتلال وداعموه حربا على الإعلام والمحتوى الفلسطيني على شبكات التواصل الاجتماعي لدرجة تقييد شبه كامل للحسابات الفلسطينية، وتمارس الآلة الإعلامية المرتبطة بالكيان، إطلاق عدد من الفِريات الكبيرة المتعلِّقة بطوفان الأقصى لتشويه المقاومة وإدانة فعلها من قبيل قطع رؤوس الأطفال، وحرق جثث القتلى، واغتصاب النساء، واستهداف الحفل الغنائي، وما إلى ذلك. وهي سرديات هدفت لصرف الأنظار عن المشكلة الأساسية المتمثِّلة في الاحتلال، ولإدانة المقاومة ووصمها بالإرهاب وحرمانها من أي تضامن أو تعاطف والضغط عليها، ولشرعنة وتبرير جرائم الحرب التي كانت آلة الاحتلال العسكرية تخطِّط لها.

ويتضمّن خداع دولة الاحتلال عدّة جوانب، منها:

1-التحكّم في الأخبار التي تصل إلى الصّحف والمواقع الإخبارية المهمّة، وأيضا التحكّم في الصورة التي تُظهِر الأضرار البشرية وتعطِّل الحياة الاقتصادية وحالة الفزع التي تصيب الأطفال والنساء جراء الفعل المقاوِم للفلسطينيين.

2-التركيز على الهجمات الفلسطينية: يركِّز الإعلام الإسرائيلي على الهجمات التي تستهدف المدنيين الإسرائيليين، ممّا يؤدي إلى تبرير الاستجابة العسكرية من قبل إسرائيل وتجاهل الأسباب الجذرية للصراع.

3-التركيز على استخدام مصطلحات مضلِّلة مثل وصف المقاومة بالإرهاب وداعش والتصدي للهجمات بدلا من الهجوم العسكري عدا عن سرديتهم التاريخية المضلِّلة والمستمرّة، بأنّهم شعب مظلوم عانى كثيرًا قبل أنْ يعود إلى “أرض آبائه وأجداده” أو “أرض الميعاد”. وتلك الأرض بدورها كانت – ويا للمصادفة – بلا سكان أصليين ولا شعب يقطنها، فالمعادلة، إذن في نهاية المطاف، “أرض بلا شعب لشعب بلا أرض”.

 4-تقديم الضحايا بشكل متبادل: يحاول الإعلام الإسرائيلي تقديم الضحايا من جانبهم بنفس الوزن أو أقلّ بكثير من ضحايا الفلسطينيين، ممّا يُظهر الصراع بأنّه صراع بين طرفين متكافئين. 

 

د.أسامة المجالي

 في مواجهة الوحش بيدين عاريتين 

منذ اللحظة الأولى كان واضحاً أنّ هذه الجولة من جولات الصراع مع إسرائيل ليست كسابقاتها، ففي الوقت الذي بدأ فيه ومنذ الأيام الأولى تدفُّق حاملات الطائرات لتحيط بإسرائيل من جهة البحر ووفود الزوار الكبار تسارع لتقديم الدعم والوعد بالبقاء في جانب إسرائيل المذعورة والمصدومة في مواجهة أعدائها!!!

في تلك اللحظة برزت ملامح الحملة الإعلامية الضخمة التي بدأت بفكرة المظلومية للدولة الإسرائيلية من محيطها المعادي وأنّها تخوض حرباً مصيريةً تدافع فيها عن وجودها، فإمّا هي وإمّا الكلّ الآخر المحيط بها، سرعان ما تمّ تقديم مجموعة من الصور والتقارير التي تسند هذه الرواية، وتمّ توزيعها ونشرها في كلّ أنحاء الكوكب، وتبنّت رواية قتل الأطفال وإحراقهم في الأفران – مرّةً أخرى – واغتصاب النساء ثمّ حرق الضحايا أحياءً، عشرات بل مئات من وسائل الإعلام حول العالم، فيما بدأت في نفس الوقت الحملة الشرسة التي تشنّها الطائرات والمدفعية بدكِّ قطاع غزّة المحاصر فوق رؤوس ساكنيه دون أيّ تمييز، لتستكمل الحلقة الثانية من الدعاية الإسرائيلية الموجّهة للعالم؛ وهي أنّ الكلّ الفلسطيني مسؤول عمّا حدث في ٧ أكتوبر كحاضنة شعبية للفعل الفلسطيني المقاوم والمطالب – ما زال – بالتحرير.

وظهرت منذ الأيام الأولى للهجوم المضاد ملامح تبلور فكرة إلحاق العقاب الجماعي الذي تنوي الدولة الإسرائيلية إنزاله بكلّ فئات المجتمع الفلسطيني في غزّة ثمّ الضفّة وحتّى فلسطينيي الداخل إذا ما تجرّأ أحدٌ منهم على الاعتراض؛ تصريحات كافّة المسؤولين بدْءاً من رئيس الوزراء نتنياهو ثمّ وزير الدفاع غالانت ثمّ تبعهم نوّاب البرلمان ووزير الخارجية وحاخامات كافّة التيارات الحريدية، توالت الأحداث والتغطيات عبر شبكة من المراسلين الموالين، وربّما المعينين من الدولة الإسرائيلية والمدسوسين في المحطات العالمية المعتبرة في ضخِّ إعلامي مكثّف يتناول الأمرين اللذين أشّرت لهما سابقاً :

المظلومية الإسرائيلية ولعب دور الضحية مجدّداً

شيطنة الفلسطينيين ونزع الإنسانية عن تصرّفاتهم وإظهارهم كوحوش ناكري الجميل داعمين كلّهم: أطفالهم ونساؤهم وشيوخهم وفصائل الكفاح المسلّح.

وحتّى يكتمل المشهد منعوا أيّ إعلام مستقلّ أنْ يغطّي الأحداث الميدانية، وفرضوا تعتيماً إعلامياً خاصّاً محايداً ما استطاعوا، وكان الناطقون الرسميون باسم الجيش والحكومة هم المخوّلين فقط بتقديم المعلومات للجمهور.

ولكن هل نجح الأمر؟ هل تقدّمت السردية الإسرائيلية على السردية الأخرى التي قدّمها الفلسطينيون؟ 

لا لم ينجح الأمر هذه المرّة، لم ينجح في الغرب خصوصاً ولم ينجح في سائر أنحاء العالم عموماً، فمع تدفّق آلاف الصور والأفلام لما تفعله الآلة العسكرية الإسرائيلية بالناس والمدن في طول قطاع غزّة المحاصر أصلاً وتوزيع هذه الصور والأفلام لكلّ الشعوب في العالم ليس عبر الإعلام التقليدي بل عبر مواقع التواصل الاجتماعي وعشرات التطبيقات الإخبارية حول العالم وعن طريق مئات الإعلاميين والنشطاء – الذين تمّ استهدافهم وقتل الكثير منهم بالمناسبة – الذين وثّقوا بالصوت والصورة الحيّة والمباشرة أحياناً الفظائع التي ترتكبها القنابل العمياء المدمّرة والقصف الإسرائيلي الأهوج.

بالضحايا الكثيرين من الأطفال والنساء والشيوخ الذين ليس لأحدٍ منهم أي ذنبٍ أبداً فيما حدث ويحدث، كانت هذه لحظة فارقة في تاريخ الصراع وتغطيته، الرواية الإسرائيلية وأحقيّتها في احتكار الحقيقة والرواية الفلسطينية التي تُظهر الوحش الإسرائيلي على حقيقته مجرداً من أيّ قناع، عشرات بل مئات التطبيقات على الإنترنت -ودون أيّ قدرة على حجبها عندما حاولت الدولة الاسرائيلية بنفوذها أنْ تحجبها أو تقنّنها – تداولت الأخبار والصور فيما بينها على هواتفها النّقالة لكلّ سكان المعمورة خصوصاً بين الشباب منهم، الصور الحقيقية للمجازر والمذابح والأطفال المفتَّتين ومظاهر الحصار والجوع والتشريد والتهجير التي يعاني منها الفلسطينيون ودون أيّ رتوش، شيئاً فشيئاً بدا أنّ الملايين التي تصرفها الدولة الإسرائيلية وداعموها العالميين لا تنفع بشيء، سطعت شمس الحقيقة الدامغة فجلت الصورة وبيّنت دون عناء من هو المظلوم الحقيقي في هذا الصراع الطويل، أظهرت المظلوم المحتلّة أرضه منذ 75 عاماً ، تمّ تذكير العالم بذلك وأدرك الجميع دون مواربة أنّ الاحتلال هو أصل الشرور، وتعالى لذلك رأساً هتاف “الحرية لفلسطين ، كلّ فلسطين من البحر إلى النهر” على لسان ملايين الشباب والشيوخ والنساء والأطفال في كلّ أنحاء العالم وأمريكا بشكل خاصّ، تهاوت كأحجار الدومينو الرواية الإسرائيلية حجراً حجراً، الواحدة تلو الأخرى وبالدليل القاطع مما اضطر كثيرا من محطّات الإعلام العالمية والمسؤولين أيضاً لكي يُبرزوا ولو القليل من الحقيقة التي تحدث فعلاً رغم انحيازهم المبدئي للرواية الإسرائيلية في بداية الأحداث، كان هذا القدر كافياً لتكتسح الرواية الفلسطينية كلّ منبر ومحفل وصحيفة وموقع إلكتروني، توالت التقارير والتحقيقات في تلك المواقع الإعلامية التقليدية كالواشنطن بوست ونيويورك تايمز وسي إن إن وهآرتس واللوموند وسواها التي كشفت زيف وتزوير الروايات الوحشية التي نسبت للفلسطينيين، تمّ تبيين كيفية التلاعب بالحقيقة وكشف دور العملاء والصحفيين عملاء الدولة الاسرائيلية في تمرير المعلومات المغلوطة قصداً للتشويش وغايات طمس الحقيقة والتلاعب بها، ثمّ تقدّمت الرواية الصحيحة أكثر فأكثر فأظهرت أن كثيراً ممّا حدث في 7 أكتوبر كان على يد الجنود الإسرائيليين أنفسهم بأنفسهم، ثمّ تمّ تسليط الضوء على التخبّط في اتّخاذ القرارات والإجراءات داخل المؤسسة الإسرائيلية  ومقدار الانقسام الحادّ في الدولة والأحزاب والمجتمع الإسرائيلي ككلّ، قام الإعلام الموازي بتوضيح كيفية احتكار الحقيقة والنرجسية الهائلة لدى المجتمع الإسرائيلي المغلق على نفسه والذي يعتبر نفسه خيرا من بقية البشر ثمّ تمّ شرح تبعات ذلك على الصراع ككلّ ومسؤولية كلّ طرف عن ذلك وهكذا وعلى نطاق الواسع أدّى ذلك إلى تغيير واضح وملموس في الرأي العام العالمي والأمريكي على وجه الخصوص، لذلك لم تتوقّف الاحتجاجات والمظاهرات في كلّ مكان من الولايات المتّحدة على ما يحدث للفلسطينيين حتّى بات يشعر كبار سدنة المشروع الصهيوني الاستعماري بأنّ الأمر يفلت فعلاً من أيديهم ولأوّل مرّة منذ عقود طويلة، فبدأوا بالتهديد بإلقاء قنابلهم النووية على قطاع غزّة، القطاع المنكوب المحاصر إياه حتّى يختفى من أمام أعينهم ويغرق في البحر كما تمنّوا ويتمنّوا دون توقّف.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى