مقالات كل العرب

سلطة القارئ

شارك

سلطة القارئ

 

أ. لامعة العقربي

 

هو حديث عن مرحلة تَلتْ الإهتمامَ بالمُؤلف والنصّ لتنجاوز ذلك مولية الاعتبار كله للقارئ ،وهي مرحلة اتجهت بالأساس إلى دراسة الأثر الأدبي مهما كان ودراسته في سياق وضع المتلقي من النصّ وتسليط الضوء على تأويل وحدات النصّ، كل ذلك في علاقة غير منقطعة عن سلطة النصّ سابقاً وسلطة المؤلف في فترة ما.

إن الحديث عن نصّ إبداعي يقودنا بالضرورة إلى ما للقارئ من أهمية في صيرورته نحو سبر أغوار الأثر ومعانيه إذ أن النصّ لم يكتب للعدم إنما ليقرأ يوما ما من قبل قارئ واقعي ملموس بعد أن كان يسبحُ في فضاء الإفتراض لحظة تشكله، والواقعي هو من يملك زمام المعاني والتأويل والقدرة على اختبار المسار الذي هو إليه بسبيل عبر النصّ وداخله..

وفي هذه الحالة أصبح الحديث عن قارئ حقيقي يوازي القارئ النموذجي إلا أن هذا يمتلك القدرة الكافية على التأويل واحداث فرضيات مختلفة وقراءات متعددة للنصّ الواحد فهو حقيقي وفي حالة تأهب وبحث مستمرة عن معاني النصّ القريبة والبعيدة، الأولانية والثانيانية والثالثانية وأن هذا التعاون بين النصّ والقارئ هو تعاون استراتيجي لا تفرضه سلطة هذا على ذاك إنما هو أسلوب المؤلف في صوغه لشبكة نسقية هي التي ينطلق منها القارئ لإثارة الممكنات التأويلية .

والجدير بالذكر أن القارئ الذي نتحدث عنه لا يدخل عالم النصّ خالي الذهن يبحث عن معنى مودع في قلب الكلام بل هو محملٌ بوحدات ودلالات وسياقات تتجدد حسب السياق القولي و محور القراءة.

وفي هذا يكمن استحضار رأي هانز روبرت ياوس الذي أورده في كتاب جماليات التلقي من أجل فهم جديد للنصّ الأدبي والذي ترجمه رشيد بنحدو يقول فيه: ” إن التحقق من نص ما يعني ببساطة الإقرار بأن المؤلف ربما قصد كا نظن نحن أنه هو معنى النصّ ،لاغيره، وتتمثل مهمة المؤول الرئيسة في أن يعيد ،بنفسه، إنتاج منطق المؤلف واتجاهاته ومعطياته الثقافية ثانية، أي باختصار أن يعيد إنتاج عالمه.” 

وهو رأي أعطي أهمية للمؤلف إذ من دونه لن تكون هنالك مشروعية للتأويل ومن ثم لن يوجد معنى ولكن سلطة القارئ فوق كل تقدير إذ يعطي العمل قيمة وجودية إبداعية مختلفة فتعدد القراءات يجعل لوجود الأثر الأدبي غاية وقصدًا ودلالة بل ودلالاتٍ.

يمكن القول ببساطة أن الأراء في ذلك عديدة وأن الخطاب النقدي الحديث قد ذهب في ذلك أشواط كثيرة ومتباينة لكن ببساطة يمكن تبنى فكرة كون النصّ يتطلب القارئ بقدر ما يتطلب المؤلف بل في عدة محطات تفوق أهمية القارئ المؤلف في حدّ ذاته إذ يحلل ويعلل ويُقوم ويُقيم الأبنية المنطقية للنص الأدبي واعتمادًا على معطيات ومعارف متراكمة عبر سيرورة واعية خلاقة جعلت النظرة للعمل الأدبي ترتقي لكونه إبداع يولد منه فكرة وأفكار وصورة وصور وشعور وعاطفة في عقل القارئ الذي يبسط سلطته على النصّ وصاحب النصّ..

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى