مقالات كل العرب

قمة طهران و تقسيم الأدوار: قراءة في التنسيق الإضطراري

شارك

قمة طهران وتقسيم الأدوار
قراءة في التنسيق الإضطراري

أ. نسيم قبها

ما زالت الخاصرة الجنوبية لروسيا تضرب ، بالاضافة الى مناطق النزاع المذهبي والقومي بين إيران وأذربيجان، والتي نجمت عن التدخل الناجح لتركيا في الحرب الأذرية الأرمينية في تشرين أول/أكتوبر من العام الماضي، وبخاصة في ظل الأزمات الروسية مع الغرب، ومواجهة إيران لضغوطات دولية أميركية مستمرة تحت غطاء مفاوضات الملف النووي في فيينا؛ لإعادة توجيه دورها الوظيفي كمركز عداء لأهل المنطقة خدمة لمشروع الحل الإقليمي، والذي ينطوي على إدماج الكيان الغاصب في المنطقة سياسيًّا وعسكريًّا وأمنيًّا واقتصاديًّا. مما يدفعهما؛ أي إيران وروسيا، إلى مقاومة هذه التغيرات، والاستفادة من الأوضاع الدولية لتحقيق مكاسب ومصالح لكل منهما سواء على الصعيد السياسي أم الاقتصادي.
ولذلك تراقب روسيا بحذر الاختراق التركي في منطقة جنوب القوقاز، ومحاولة إحياء فكرة “تركيا الكبرى”، وترفض أي “تغيير للحدود في جنوب القوقاز” وهو الذي يعد مجالًا حيويًّا روسيًّا، وبؤرة للتوتر في العلاقات الروسية التركية، كما هي الحال في موقف الدولتين من أوكرانيا وبعض الملفات في سوريا وليبيا. فروسيا تنظر لأي تمدد لتركيا وعلاقاتها نحو حدودها بحساسية لناحية الإرث التاريخي المثقل بالنزاعات الروسية العثمانية، ولناحية عضوية تركيا في حلف الناتو. كما تجد روسيا مصلحة لها في تضارب المصالح والمواقف التركية الإيرانية، وتسعى للقبض على مصالحهما معًا، وإدارة أزماتهما واحتوائهما، وإعاقة أي تمدد تركي أو تواصل جغرافي قومي إلى جنوب القوقاز وآسيا الوسطى، وتعميق الخلاف بين إيران ومنافسيها في المنطقة وتوسيع الفجوة بينها وبين الولايات المتحدة، وهي سياسة روسية انتهازية تقوم على التمدد في شقوق العلاقة بين الولايات المتحدة مع بعض الدول التابعة لها، أو التي تسير في فلكها؛ للإفادة منها في امتلاك أوراق مساومة مع أميركا وأوروبا، سواء من خلال تأمين مصالحهم أو تهديدها وإعاقتها، مستغلة حاجة بعض الأنظمة لإسناد دولي كلما توترت علاقة حكامها بالراعي الأميركي.
وقد جاءت زيارة بوتين الأولى خارج روسيا ومجالها الحيوي منذ الحرب الأوكرانية على خلفية زيارة بايدن للشرق الأوسط لبناء التحالف وتعزيز الأمن الإقليمي، مستغلة تمسك إيران بمكتسباتها القومية والمذهبية في المنطقة، وحاجة أردوغان للنفوذ الروسي في شمال سوريا، الذي يمثل تهديدًا للأمن القومي التركي، ومعضلة سياسية على الصعيد الداخلي للرئيس أردوغان في ظل التنافس المحموم على السلطة في تركيا، وفي ظل رغبة أردوغان بتنفيذ عملية عسكرية لإيجاد منطقة آمنة في الشمال السوري تقطع الطريق على قيام كيان كردي، وتمكنه من إعادة الجزء الأكبر من اللاجئين السوريين الذين بات ملفهم ورقة انتخابية في يد المعارضة التركية، فضلًا عن تبعاتهم على الاقتصاد التركي بعد أن كانوا ورقة ضغط بيد أردوغان في ملف الهجرة إلى أوروبا.
وفي هذا الصدد يسعى بوتين من خلال نفوذه العسكري في سوريا لكسب مواقف تركيا وإيران إلى جانبه في الملف السوري، سيما وأن مصالح كلٍ من سوريا وتركيا وإيران تلتقي حول منع إقامة كيان كردي؛ إذ لا يخفى بأن أنظمة الدول الثلاث تستمد شرعيتها من الأساس القومي المعادي للقومية الكردية التي تهدد بتمزيق الدول الثلاث، ولهذا شدد بيان قمة طهران على وحدة الأراضي السورية و”سيادتها”، مع تحفظ النظام الإيراني على المعالجة التركية العسكرية للملف الكردي في شمال سوريا، وهو الأمر الذي حذر منه وزير الخارجية الإيراني حسين أمير عبد اللهيان، وقال إن من شأنه أن يؤدي إلى “زعزعة أمن المنطقة”.
وإزاء هذا التعقيد وتشابك المصالح وتضارب بعضها في المشهد السياسي الإقليمي والدولي خرجت قمة طهران بنتائج تقوم على المصالح المشتركة بين تركيا وإيران وروسيا، فقد تمكن بوتين من إيجاد توافق بين النظام السوري وقوات سوريا الديمقراطية (قسد) من خلال إبعاد الأخيرة عن بعض المناطق على الحدود التركية نحو العمق السوري، ونشر قوات النظام في تلك المناطق مع إمكانية ترك أردوغان لشن عملية عسكرية في منطقة منبج التي تقع تحت سيطرة الأكراد والولايات المتحدة؛ تلبية لرغبة أردوغان الذي تحرص روسيا على تقوية موقفه الانتخابي في مواجهة خصومه السياسيين الموالين للولايات المتحدة، في ظل تردي الأحوال الاقتصادية وانفجار التضخم، لقاء تعهد أردوغان بتسلّم طريق “أم 4” الدولي، وضبط سلوك الفصائل المسلحة في إدلب، ومنع تهديدهم للقواعد العسكرية الروسية المجاورة.
ولهذا حرص بوتين على منح أردوغان شرف رعاية الاتفاق على تصدير الحبوب من روسيا وأوكرانيا، والذي أبرم بإشراف الأمم المتحدة قبل يومين في اسطنبول، بعدما أظهر بوتين مركزية روسيا ومكانتها الدولية بشأن سلاسل الغذاء العالمي، مستغلًا حاجة الولايات المتحدة لتهدئة الرأي العام العالمي حيال أزمة الغذاء وارتفاع الأسعار.
وأما إيران فيعوزها منع قيام كيان كردي يعزز موقف أكراد العراق ضد الفصائل “الشيعية” الموالية لها، والتي شهدت تقزما بعد الانتخابات البرلمانية بفعل التحالفات العراقية الداخلية المضادة، كما يعنيها عدم تعميق النفوذ التركي في شمال سوريا سيما بعد تنقية أجواء العلاقة التركية السعودية، ويعنيها كذلك عدم تقويض نظام بشار أو اجتذابه نحو الدول العربية أو إضعاف أذرعها في سوريا ولبنان واليمن، وتسعى أيضًا للحد من العمليات الإسرائيلية التي تستهدف قواتها وأذرعها وأمنها الداخلي بمساعدة روسية، مستغلة توتر العلاقة الروسية الإسرائيلية على خلفية الأزمة الأوكرانية، ولذلك أدان البيان الختامي لقمة طهران العدوان الإسرائيلي على سوريا، إلا أنه ليس من المتوقع أن تقف روسيا في وجه الهجمات الإسرائيلية بصورة كاملة ومباشرة وفاعلة، وبخاصة وأن ثمة تنافسًا إيرانيًّا روسيًّا على النفوذ في سوريا من جهة وعلى سوق الطاقة في الصين من جهة أخرى، ولا سيما بعد أن أصبحت الصين السوق الوحيد للطاقة الإيرانية إثر العقوبات الغربية التي فرضت على إيران منذ زمن ترمب.
إلا أن بوتين وفي محاولة منه لإظهار قدرته على مكافحة العقوبات الغربية وإمكانية استعادة نمو اقتصاد بلاده ومحاولته لاستعادة مصداقيته مع طهران بعدما كان سببًا رئيسيًّا وراء فشل التوصل الى اتفاق بشأن الملف النووي الإيراني في شهر آذار/مارس ٢٠٢٢ حينما طالب بإضافة ضمانات تسمح لروسيا في ظل العقوبات المفروضة على بلاده، الاستفادة من أي مشاريع في إيران، قد أشرف على توقيع مؤسسة النفط الإيرانية مع شركة غازبروم اتفاقية بقيمة ٤٠ مليار دولار لمساندة إيران في تطوير مشاريع الغاز والنفط، والمشاركة في مشاريع تسييل الغاز وتشييد خطوط تصديره، وبخاصة في ظل سعي الولايات المتحدة للمنافسة في تصدير الغاز المسال، وفي ظل توجه أوروبا نحو تأهيل قطاعها الطاقي لاستقبال الغاز المسال. ويندرج ذلك كله في إطار التنافس على سوق الطاقة الأوروبي، والالتفاف على مساعي الولايات المتحدة لفطم أوروبا عن الغاز الروسي، وإجبارها على شراء الغاز بالدولار من مناطق نفوذها لتثبيت مركزية الدولار في مواجهة اليورو، باعتباره العملة العالمية المنافسة.
ومن هذا المنطلق فإن قمة طهران الثلاثية التي أراد منها بويتن كسر عزلته أمام الرأي العام الداخلي، ذات أبعاد سياسية واقتصادية دولية، بالإضافة إلى أبعادها الإقليمية الأمنية والسياسية، وهي محاولة روسية للإمساك بزمام العلاقة الإيرانية التركية، والتحوط للحل السياسي في سوريا، في ظل مساعي أميركا لإعادة تأهيل نظام بشار، واجتذابه وتشجيعه على الخروج من قبضة روسيا وإيران، وإسناد الملف السوري للسعودية لمعالجته عبر رجالها في الائتلاف الوطني وهيئة التفاوض الجديدة، بالإضافة إلى سعي روسيا وإيران إلى ترتيب الأوضاع مع تركيا واحتواء تحركاتها في إطار المبادرة الإيرانية ووساطتها بين دمشق وأنقرة برعاية روسية وجولات مكوكية للمسؤولين السوريين والإيرانيين بين طهران ودمشق، والتي كان قد أعلن عن مضمونها وزير الخارجية الإيراني عند زيارته لدمشق، تحت عنوان تحقيق المصالح المشتركة لجميع الأطراف، والتي اتضحت من البيان النهائي الذي أكد التزام الدول الثلاث على سيادةَ سوريا ووحدة أراضيها “والوقوف في وجه الأجندات الانفصالية الهادفة لتقويض سيادة ووحدة أراضي سوريا، إضافة الى تهديد الأمن القومي للدول المجاورة”، ويستهدف منع قيام “كيان كردي مستقل”. وهو الأمر الذي أكده أردوغان بتصريحه أمام بوتين وإبراهيم رئيسي بقوله يجب “أن يكون الأمر واضحًا للجميع أن لا مكان في المنطقة للحركات الإرهابية الانفصالية وأتباعها”، مضيفًا أن “قسد” تتخذ “خطوات لتقسيم سوريا بدعم أجنبي”، ومشددًا على دور الضمانات في سير تركيا بقوله “أنقرة تنتظر الدعم من روسيا وإيران -بصفتهما دولتين ضامنتين بمسار أستانا- في كفاحها ضد الإرهاب بسوريا”، ومن مؤشرات ذلك تشديد بوتين على إطلاق “مبادرة تسمح ببدء حوار سياسي بين الدولة السورية والمعارضة والشعب”، مؤكدًا اتفاق الدول الثلاث على عقد اجتماعات بشأن الأزمة السورية ينضم لها خبراء من دول المنطقة والأمم المتحدة. ويتوقع من خلال هذه المبادرة البدء في عملية إعادة اللاجئين السوريين إلى بلادهم حيث دعا أردوغان “الأطراف الدولية إلى تقديم مساعدة لتركيا تسمح بالنهوض بالأعباء الإنسانية، مشددًا على ضرورة العمل على إعادة اللاجئين السوريين بشكل مشرف إلى أراضيهم وضمان عدم تعرضهم للخطر”.

كاتب و أديب من فلسطين

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى