كل الثقافة

المهرجان العالمي للشعر بسيدي بوسعيد: عل البحر يصالح بين الشعر و الجمهور

شارك

المهرجان العالمي للشعر بسيدي بو سعيد

علّ البحر يصالح بين الشعر و الجمهور

 

أ. حياة الرايس

على تموجات الازوردي المنعكس من غابة الصنوبر الجبلية المطلة على ميناء ومياه المتوسط التونسية بقرية ضاحية سيدي أبو سعيد السياحية انعقدت الدورة الثامنة ” للمهرجان العالمي للشعر بسيدي بوسعيد ” من يوم 16 الى 19 جوان. التي أسسها و يديرها الشاعر معز ماجد مع رفيقة دربه الشاعرة والإعلامية آمنه الوزير.

على مدى أربعة أيام التقى الشعراء والنقاد والمترجمون والناشرون في حلقات  حوار وقراءات شعرية من البرازيل والأرجنتين و اسبانيا و فرنسا و اليونان و السعودية و الأردن و سوريا و المغرب و الكويت …كما فتحت سوق للشعر لتقريبه من الجمهور ومصالحته معه.

الافتتاح ” كان بقصر النجمة الزهراء” بالربوة المشرفة على البحر: قصر البارون رودولف ديرلنجي سابقا ( 1932 -1872 )و هو رسام مستشرق عُرف بولعه بالموسيقى العربية الشرقية. من أصول ألمانية، فرنسي المولد بجنسية بريطانية. أحبّ تونس واختار الاستقرار بها. شيّد هذا القصر وصمّمه على الطريقة المغربية، الاندلسية، بزخرفة عربية إسلامية خالية من كل تشخيص آدمي أو حيواني. المميزة بالتصاميم النباتية والزهرية والهندسة الخطية .

كان الافتتاح بوصلات موسيقية من الثنائي الفني محمد على بن الشيخ و هيفاء عامر حسب تقاليد هذا القصر الذي تحول إلى مركز للموسيقى العربية والمتوسطية بعد ان اشترته الدولة التونسية.

الندوات:

من أهم الإشكاليات التي طرحت في المهرجان: “صعوبة ترجمة الشعر نظرا  لطبيعة الشعر ذاته ومكوّناته الفنية العديدة والعلاقات العضوية بين المحتوى والشكل في القصيدة، فضلاً عن اللغة الشعرية والمجاز والإيقاع والانزياحات الدلالية والسمات الإيحائية العالية للمفردة الواحدة داخل الجملة، وللجملة ذاتها ضمن معطى تركيبي وأسلوبي أوسع.

ولعلّ الغالبية الساحقة من المشتغلين بترجمة الشعر من العربية إلى لغات أخرى، أو العكس، لا يفلحون إلا نادراً في الوقوع أسرى نمطَين أقصييَن من الحدود القاطعة المسبقة؛ الأوّل قال به الجاحظ في عبارته الشهيرة “الشعر لا يُستطاع أن يترجم، ولا يجوز عليه النقل، ومتى حُوّل تقطّع نظمه، وبطل وزنه، وذهب حسنه، وسقط موضع التعجب منه”؛ والثاني اشتهر به الشاعر الأمريكي روبرت فروست، من أنّ “الشعر هو ذاك الذي يضيع في الترجمة”. صحيح أنّ ترجمة الشعر تواصلت قبل قرون سبقت الجاحظ وفروست، وسوف تتواصل بعد قرون تعقبهما، لأنّ الترجمة عموماً، وربما ترجمة الشعر خصوصاَ، هي “دين عجيب لا يدين أحد به لأحد” حسب مقولة أخرى شهيرة من فيلسوف التفكيك الفرنسي جاك دريدا؛ ولكن من الصحيح أيضاً أنّ قسطاً غير قليل من الوجاهة يكتنف تقديرات الجاحظ وفروست، كلٌّ على منوال أطروحته.” والكلام للناقد والمترجم صبحي حديدي.

الامسيات الشعرية: 

توزعت الامسيات والصبحيات الشعرية بين عدة فضاءات مفتوحة مثل مطعم “دار زروق ” ومقهى دار الدلاجي” و مطعم ” أيام زمان ” و” القهوة العالية”… ليخرج الشعر من القاعات المغلقة و يصافح الجمهور مباشرة وهو طابع هذا المهرجان منذ تأسيسه. 

الأمسية السعودية 

كانت السعودية ضيف الشرف لهذه الدورة. وكان الوفد متنوعا بين عدة أجيال:نذكر الشاعرة الكبيرة بديعة كشغري ” التي انشدت:

ولي في آدمَ الأولين سرّ

ما بين مفردتينِ:

أنا وأنتَ، 

بنا التأمت روحُ أيْقونتينِ ..

فلا تَسَلِ الشَّوْقَ عن سِرِّهِ

فشوقي غَياهَبُ تتلو على آدمَ الأولّين:

 -نصوصَ عِشتار / سيّدةَ الأسرار،

– تسابيحَ مريمَ 

  تُخَضِّبُ حِنّاءَها المُرْتجى

– عَرْشَ بلقيسَ إذْ جاءَها الهُدْهُدُ من سليمانَ

– حديثَ التراتيل عند اتِّقادِ الأصيلْ

والذي كان بيني وبينك 

فوق شُطوطِ الرَّحيلِ مَشَيناهُ

في جنَّةَ الْبَوْحِ

اصطفتنا حروف الألق

إلى آخِرِ السَّفْحِ..

لِنُشْعِلَ ما أطْفَأَهُ الأوَّلون

بإثمِ أفواههم..!)

من اليونان قرات الشاعرة ماريان كاتزاراس 

ترجمة الشاعر التونسي محمد الغزي

 

أغلقت منازلي

منزلا بعد آخر هذا الصباح 

ومضيت

منازل البارحة

ومنازل اليوم 

منازل الوطن الأول

أغلقت منزل الصيف

المنزل الذي كانت نوافذه  دون ستائر 

حيث تتراكم أيام الهاجرة 

وحمامات الفقراء

والكراسي التي انصرف عنها اصحابها

منازل الشتاء

تلك التي أخذ المحيط مفاتيحها

وأسقفها 

وباقات زهورها الذابلة

منزل عشاء البارحة

أغلقته أيضا

لكن من الذي سيتحدث عن ذلك؟

 

من فرنسا قرأ الشاعر فرانك سميث frank Smith

ترجمة الشاعر التونسي جمال الجلاصي:

الجسد يقرأ سفر الجامعة ويتحدث عن الريح

يقول إن المستقبل سيكون الريح

إن نهاية الرأسمالية ستأتي مع الريح

إن نهاية الشمولية تأتي مع الريح

إن كلماتنا وصورنا ستكون كالريح وستتشتت

إن الريح فقط هي التي ستوجد ومن ثم سيتمكن العالم من أن يبدأ من جديد

يقول إن الريح فقط هي التي توجد الصدفة والريح بلا ذاكرة

هذا العالم هو عالم الفقراء بقدر ما هو عالم الأغنياء

والحيوانات والأشجار والغيوم والرياح

هذا العالم هو عالم جميع أجسادنا التي تنبعث دون توقّف

نحن نفتقر إلى ذكاء هذه الأشياء يقول الجسد

لم نصبح فقراء بما يكفي لفهم ذلك

يقول الجسد.

من تونس انشد الشاعر آدم فتحي

الكروان

 

كَبُرْتُ ولمْ أنْتَبِهْ لِابْنَتِي وهي تَكْبُرُ 

لم أنتَبِهْ لِابنَتِي وهي تَخْسَرُ سِنَّ الحَلِيبِ 

وتَعْبُرُ نَحْوَ الغَرِيبِ وتَفْقِدْ

حَلاوَةَ لَكْنَتِهَا وشَرائِطَ دُمْيَتِها 

كمْ أحِنُّ إلى صوْتِهَا الطفْلِ 

يا كمْ أحِنُّ إلى صَوْتِهَا الحَفْلِ 

وهي تُشوِّهُ سِينَ السِياجِ وعَيْنَ التَعوُّدْ

وكم أزِنُ اليومَ أيّامَ عُمْرِي 

بما فاتَنِي من طُفُولَتِها 

وبما قبّلتْ من هوائي 

وقد خُنْتُ موعدَ قُبْلَتِها

فأرى العُمْرَ عُودًا من الصَخْرِ أجْرَدْ

ولا شيءَ أخْضَرَ في رِحْلَتي 

غير صورتها وهي تحْبُو على كُتُبِي 

وتحطّم أقلامَ حبْرِي 

وتضْفُرُ من شَنَبِي كَرَوانًا 

يحُطّ على عُزْلَتِي ويُغَرِّدْ …

 

من تونس أيضا هدى الدغاري   

حبك الظالم

علّمتني أن أتبعك في رحلات الصيد،

أهيِّء طرائدَك،

أو أنتظرك على شواء قلبي،

ذئابك العاوية تحرسني 

ورؤية بومةٍ في قلب الليل كافيةٌ لتعيدَني اليك.

ملاحظات على هامش المهرجان:

لم تتوفر ترجمات كل قصائد الشعراء الأجانب الى العربية مما حرم الجمهور من تذوقها بلغة الضاد الثرية والقوية. اغلب الترجمات كانت بالفرنسية. ولم تستفد منها العربية كما لم يستفد الشعراء الأجانب من ترجمة قصائدهم الى العربية. ولم نشهد حركة ترجمة في الاتجاهين مما يمكن ان يخرج به مهرجان عالمي دعي له مترجمون وشعراء من مختلف انحاء العالم.

كانت الجلسات مفتوحة لكن الحضور كان نخبويا لصعوبة التنقل الى الضاحية الشمالية البعيدة نسبيا عن العاصمة. رغم ان المهرجان يجمع بين الثقافة والسياحة كونه بقرية سيدي بو سعيد السياحية .

من مزايا المهرجان انه فتح سوقا للشعر لأول مرة ومكنّ بعض الناشرين من نقطة بيع وعرض لتقريب الشعر من الجمهور ومصالحته معه. والمهرجان كله محاولة لاحياء مجد الشعر ورد الاعتبار له امام اكتساح الرواية ديوان العصر.       

شاعرة و روائية و إعلامية تونسية مقيمة بفرنسا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى