كل الثقافة

زهور عباد الشمس

مسعودة بوقرينات

شارك

متابعينا الكرام

بعد إعلان نتائج القصّة القصيرة، والتي تحمل اسم الرِّوائي والكاتب الكبير (يوسف إدريس)، نود إعلامكم بأنَّ غالبيّة المشاركات التي وصلتنا قد أثلجت صدورنا، وأعادت إحياء الأمل فينا بأنَّ بلادنا العربيّة ما زالت خصبة تنجب المبدعين برغم كلِّ شيء، وقد آن أوان نشر المشاركات التي حصدت المراكز الثلاثة الأولى تباعاً، نشرنا بالعدد الماضي قصة الفائز الأول، وننشر في هذا العدد قصة الفائزة الثانية.

الفائزة الثانية:  مسعودة بوقرينات/ الجزائر

 

زهور عباد الشمس

 

مسعودة بوقرينات

 

كانت ليلة من ليالي الشتاء الباردة، تساقط فيها الثلج على كل مكان كاسيا كل ما يأتي عليه الأبيض الناصع.

دخل رضا ذو الأربعين عاما خيمته البلاستيكية وهو ينفض من على كتفيه ذرات الثلج بيديين مرتعشتين. ابتسم في وجوه أبناءه الثلاثة الذين كانوا متقرفصين جنبا إلى جنب يلتحفون بطانيتهم الوحيدة، فابتسموا له بدورهم، بينما قفز إليه صغيره أمير يسأله عن عشاء الليلة.

ازدرد ريقه وأخرج من جيبه حبتين من البرتقال ووضعهما على الطاولة الصغيرة أمامهم، فتهافتوا عليهما ينزعون عنهما ردائهما ويلقمون حباتهما بنفاذ صبر دونما مضغ.

وقف رضا يرقبهم بعينين محمرتين وفي نفسه شعاب تهدر بسيلها وتعتلج، فلم يشعر إلا وهو يسبل الدمع، ولكنه تدارك ضعفه فكفكفها على عجل.

جلس إلى جوارهم وهو يتأملهم بصمت، فعادت به ذاكرته إلى الوراء يستحضر ما حدث معهم قبل ثلاث سنوات، عندما داهمته أمواج الحياة العاتية على حين غرة، فقد فقَد منزله بعد ما تراكمت عليه الديون وعجز عن تسديدها، ثم ما لبث أن ألفى نفسه تحت قبة السماء يجوب الشوارع ومن كاهله تدلت هموم طفلين وزوجة حامل.

طرق الأبواب من أضيقها إلى أوسعها، فكانت تصفق في وجهه الواحد تلو الآخر، وحينما حانت ساعة الولادة تلاطمت المشاعر وتكسرت في قلب الأب المكلوم، فقد رحلت الأم بعد طول جهد ومعاناة، لتترك بين ذراعيه كتلة من شحم ولحم وروح، في تلك الآن تحاقرت الدنيا في عينيه وعادت شهواء لا يطيق النظر إليها، ولولا فضل الله تعالى ومنّه عليه لتنازل عن عقله وأسلم نفسه لبراثن الجنون لتنهشه! تلك الأرواح الملائكية الصغيرة كانت بلسم جراحه وسبب نجاته، يحيا ليحيوا هم، يستيقظ صباحا من أجلهم هم، ولا يعود في الليل سوى لأجلهم هم وحدهم، أما الخيمة البلاستيكية فقد كانت مأواهم ومرتع أحزانهم.

ابراهيم، أحمد وأمير أطفال في عمر الزهور، لم يرتادوا المدرسة يوما، ولم يهزوا بنطال والدهم لحلوى ألفوها في كامل زينتها ترمقهم باستفزاز من على رفوف المتاجر، كان رغيف الخبز اليابس المغمس في الماء كافيا لإشباع بطونهم الغضة، حتى إن رضا قد تساءل مرارا فيما إذا كان هناك من هو في مثل قناعتهم وعفتهم!

انتبه رضا من شروده حينما انتهى أطفاله من أكلهم، ورغم أنه قد بدا عليهم الجوع الشديد إلا أنهم لم يطلبوا المزيد ولا سألوا عن غيره. تفحص أطرافهم المرتعشة فألفاها مزرقّة رخامية كقطع جليد، برودة الطقس تلك الليلة ما كانت لتطاق، ومع استمرار تساقط الثلج فقد أصبحت درجة الحرارة في أحد انخفاضاتها.

أطفأ رضا النور واستلقى على الفراش بينما تمددت أجسادهم الهزيلة على جانبيه، كان باستطاعته أن يشعر بقشعريرتهم من تحت اللحاف الرقيق، و حز في نفسه أن لا يملك ما يدفئهم به، ثقل الأبوة عسير على من تجرعه، وألم الأب لا يقاس بألم العالمين، كيف لا وهو الذي يواري روحه المتضعضعة ليفرش السجاد تحت أقدام أبنائه.

بادره أحمد قائلا: هلا قصصت علينا من حكاياتك يا أبي؟

ناصره أخواه وألحوا على أبيهم فما كان من منه إلا أن امتطى صهوة الخيال عله ينسج لهم من بنات أفكاره قصة تهون عليهم قرص البرد وتضور أحشائهم.

أخذ الأب نفسا قبل أن يشرع قائلا: في إحدى الحقول الخضراء الرحبة انتصبت زهرة صفراء باسقة تشرئب بعنقها كل صباح لتطالع بوجهها ذلك القرص الأصفر العائم في السماء، فتظل تتقصى أثره من الغداة إلى الأصيل دونما كلل أو ملل وكل همها فك لغزه المحير. أخبرتها الأزهار الأخرى بأنه يدعى الشمس، ولكن الزهرة الصفراء لم تشبع غريزتها الفضولية بإجابة جافة كتلك، بل امتدت تساؤلاتها لتتحرى عن سبب ظهورها اليومي، وعن غاية وجودها في هذا الكون.

سأله أحمد ببراءة: وهل وجدت الإجابة يا أبي؟

ضمه رضا إلى صدره وقال: أجل يا عزيزي، ولكن ذلك حدث بعد سنوات عديدة، عندما كانت الزهرة تشيخ يوما بعد يوم أدركت حينها سر الشمس، لقد كانت نافورة الضياء للأرض منذ خلقتها، ومصدر أملها وأمانها، ولو لم تكن هناك شمس للأرض لتحاقرت معاني الحياة عليها، ولغدونا نحن البشر كائنات مبلسة متعطشة للنور! هل أدركتم أهمية الشمس في حياتنا يا أعزائي؟

همهم إبراهيم وهو بين اليقظة والنوم: أجل

فتابع قائلا: لكن الزهرة الصفراء الباسقة سرعان ما أغار عليها كبر السن فيبست وغابت عنها ألوان الحياة، فقام المزارع باقتلاعها و استبدالها بأخرى جديدة، علمت الأزهار الجديدة بقصة الزهرة الميتة وحزنّ عليها وعلى مآلها، فعقدن العزم على تخليد ذكراها، ومنذ ذلك الحين و هنّ يتتبّعن الشمس من مشرقها إلى مغربها، لاحظ المزارع دأب الزهور الصفراء اليانعة على هذه العادة فأطلق عليهنّ اسم “زهور عباد الشمس”؛ الزهور التي تناقلت أجيالها صفة الوفاء لأم الأرض الشمس.

بدا أن رضا قد تذكر أمرا كان قد غاب عنه فهمس لأولاده: هناك بستان يحتوي على زهور عباد الشمس قريبا من مقبرة المدينة، هل نذهب معا لرؤيتها غدا؟

لم يلق سؤال رضا جوابا، فقد كان النوم أسبق لعيون الصغار الثلاثة.

أصغى رضا برهة إلى أنفاسهم المنتظمة وإلى حبات البرد تتساقط على سقف خيمتهم، ولم يلبث أن أخضعه النوم هو الآخر تاركا ما في الماضي للماضي، وما في المستقبل للمستقبل، غدا يوم جديد وإشراقة شمس جديدة، من يدري ما تحمله كل إشراقة لأبناء الأرض؟

في صباح اليوم الموالي عُثر على خيمة بلاستيكية منهارة تحت ثقل الثلوج الكثيفة المتراكمة، ومن تحتها استخرجت أربع جثث لأب وثلاثة أطفال لقوا حتفهم جراء البرد، تمكن رجال الأمن بصعوبة من تحديد هوية الجثث بمساعدة بعض أهالي المدينة، وبعد صلاة عصر ذلك اليوم رفعت الجنائز إلى المقبرة ليُهَل عليها التراب، في تلك الأثناء انقشعت الغيوم من السماء ليظهر القرص الأصفر الدافئ من جديد، فبدأ الثلج بالانسراح رويدا رويدا من كل مكان.

قريبا من القبور الأربعة الندية ارتفعت أزهار عباد الشمس فارعة إلى السماء، تترنح يمنى ويسرى مع كل نسيم هواء بارد، وفوقها استقرت كتل من الثلج استرسلت للتو في الذوبان، بعد سويعات انتشت من جديد، فعادت لها الحياة لتباشر مهمتها اليومية المعتادة، وجهت قبلتها إلى الشمس ووقفت تطالعها، ولكنها ابتسمت هذه المرة أيضا، فقد لاحت لها من بعيد أربع أرواح تحلق عاليا في السماء، عاليا إلى الشمس.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى