مقالات كل العرب

“السياحة التوراتية” و تزوير الرواية الفلسطينية: قراءة في احتلال الوعي

شارك

“السياحة التوراتية” وتزوير الرواية الفلسطينية:
قراءة في احتلال الوعي

أ. نسيم قبها

تتصاعد عملية احتلال وعي الإسرائيليين بموازاة الإستيطان وعمليات التهويد في الضفة الغربية ، من خلال ما تعرف بالسياحة التوراتية التي تسعى لصياغة التاريخ ، والتأريخ ، والجغرافيا الواقعية ، خدمة للرواية الصهيونية التاريخية.
يتجلى ذلك في تطبيق صهيوني (عمود عنان) يتسع باستمرار، وهو تطبيق للسياحة التوراتية وتجسيد لاستعمار الضفة من خلال روايات عبرية ذات أهداف سياحية.
ومن ضمن الأمثلة على المضامين التضليلية الواردة في التطبيق ما يرتبط بوصف موقع في منطقة البيرة بجوار رام الله:” الفلسطينيون المقيمون في مدينة البيرة ” يسمونه حي الجنان” لكنه وفق المزاعم اليهودية اسم لعين ماء تُدعى “عين جنيم” أخذت اسمها من قرية توراتية قديمة تحمل الاسم نفسه. وقرية “عين جنيم” مذكورة لدى أوسبيوس، أحد كبار أساقفة قيسارية (القرن الرابع للميلاد)، وهي واحدة من القرى القريبة من بيت إيل التوراتية،. وترجح هذه المزاعم أنه عندما جاء الفلسطينيون أقاموا على أنقاض البئر منتزهاً فيه ألعاب للأطفال (بالقرب من جامع العين). وعلى بعد عدة مئات من الأمتار إلى الشرق من هذه العين، تبدأ حدود المنطقة المصنفة “ج” التي بداخلها أقيمت مستوطنات للصهاينة المتدينين، أهمها “بساغوت”، التي تحتوي في داخلها “خربة بيسيا”.
وينوه المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية “مدار” أن الوصف التوراتي لجغرافيا الضفة الغربية موجود في تطبيق الخرائط والملاحة المسمى “عمود عنان”، وهو أحد أهم التطبيقات التفاعلية المستخدمة من قبل المستوطنين في الضفة الغربية المحتلة لنسج صلات روحانية، قومية وسياحية، مع الجغرافيا الفلسطينية.
وحسب هذا التطبيق الصهيوني فإن هذه الخربة (بيسيا) هي أنقاض لقرية كنعانية قديمة أقيمت عليها لاحقا قرية عبرية إبان فترة الهيكل الأول والهيكل الثاني وصولا إلى العصر البيزنطي. ويمكن رؤية الخربة الكنعانية وشواهدها العبرية من خلال بقايا المباني وكهوف الدفن.
ويتابع التطبيق في هذا المضمار:”على ما يبدو، فإن كل الدلائل تشير إلى أن القرية العبرية المقصودة هي قرية “هاعي”، وهي ثاني قرية سيطر عليها يشوع بن نون في “يهودا والسامرة”، وتقع على الطريق بين “يريحو” أي مدينة القمر،من يريح، أو أريحا وبين بيت إيل”. ويستعرض “مدار” هذا الموقع الإلكتروني، وظيفته، واستخداماته الإسرائيلية، بالإضافة إلى دوره في إعادة كتابة تاريخ المكان وفق سردية صهيونية توراتية.

تطبيق “عامود عنان”

وحسب المعتقدات الدينية اليهودية يعود اسم “عمود عنان” إلى فترة ضياع اليهود في صحراء سيناء، حيث أرسل لهم الله، خلال ساعات النهار، عموداً من السحاب ( بالعبرية: “عنان” تعني سحابا) يمتد من الأرض وحتى السماء ليسير معهم ويرشدهم إلى طريقهم. ولم يكن لدى الصهيونيين التوراتيين ما هو أدل من هذا الاسم ليتم إطلاقه على تطبيق الملاحة والسياحة والذي يغطي كل “أرض إسرائيل”(فلسطين) من البحر إلى النهر الذي بدأ كتطبيق إسرائيلي قبل تطبيق “ويز” الشهير. وفيما تطبيق “ويز” هو تطبيق ملاحة للسائقين ويمكن استخدامه في الطرقات العامة والشوارع، فإن تطبيق “عمود عنان” هو تطبيق يلائم أكثر السياحة التوراتية. والقائمون على التطبيق يعرفون مهمته كالتالي: “تقديم خرائط لـ “أرض إسرائيل”، إنشاء موسوعة جغرافية على الإنترنت، تكون متاحة للجمهور بشكل مجاني ولتكون أداة للمسافرين والطلاب ومحبي “أرض إسرائيل” .
ويقدم التطبيق أنواعا عدة من الخرائط لـ “أرض إسرائيل”(فلسطين) أهمها خرائط بلدية ( وهي تبين حدود كل مجلس بلدي أو قروي بما في ذلك المستوطنات) وخريطة قمر صناعي وخرائط تاريخية تعود لنهاية القرن التاسع عشر.

إشارات زرقاء

وعلى الخرائط هناك مئات الآلاف من الإشارات الزرقاء التي وضعها المستخدمون بشكل تفاعلي، لتشير إلى مواقع ملفتة، والمواقع المقصودة هي مواقع سياحية في طبيعتها، لكنها تقدم كتوراتية في أصلها، وتشمل آباراً، وكهوفا، وخربا، وقرى مدمرة، وقلاعا، ونباتات كنعانية، ومطلات، وشوارع، وعيون ماء، وأحراشا وغيرها. وفي كل “موقع ملفت”، هناك شرح مقتضب يعيد أصل المكان إلى التوراة، ويسعى إلى خلق رابطة صهيونية قومية ما بين الجغرافيا و”شعب إسرائيل” و”أرض إسرائيل”، وكل ذلك ضمن محاولة استنساخ التاريخ والجغرافيا.

رابطة وجدانية مع الطلاب

ويستدل من معاينة الموقع أنه تم إنشاء التطبيق في عام 2004، وتم عرضه للاستخدام العام في عام 2007 .وتم تطوير التطبيق من قبل المستوطن يوآف روفا، الذي قال في معرض تسويقه للتطبيق إنه يريد أن يخلق ارتباطاً بين الطلاب والصغار الذين يتجولون في البلاد والجغرافيا نفسها، “فعادة لا يدرك المتجولون الصهيونيون أين هم في “أرض إسرائيل” وما هي المواقع التي تمتد على طول المسار الذي يسلكونه”.
وفي المقابل، يوفر التطبيق ليس مجرد خرائط صماء، وإنما يتيح شرحاً توراتياً لكل المسار بحيث يدرك المتجول موقعه من كامل الرواية التوراتية التي لطالما نظرت إلى البلاد كمكان عجّ في السابق بالأحداث العبرية، والمعارك، والاستيطان اليهودي، ومحاولات لبناء البلدات ومن ثم “اعتداءات من الأغيار لتخريبها” وعيون المياه التي خدمت العبريين القدماء وغيرها.
سياحة استعمارية في الضفة الغربية

وأكثر ما يمكن أن يلفت الانتباه في هذا التطبيق الصهيوني هو عدم اعترافه بالخط الأخضر، وتعامله مع كل البلاد كفضاء مفتوح للسياحة اليهودية، وكحيز واحد لا يتجزأ في خرائط التطبيق، تماما كما كان غير مجزأ في الرواية التوراتية القديمة. وبشكل خاص، فإن معظم أراضي الضفة الغربية المحتلة هي أراض خالية، ومواقع طبيعية. فالمناطق الفلسطينية التي تحتوي على كثافة سكانية عالية تشكل فقط 12 % من مساحة الضفة( مناطق “أ”) أما المناطق التي تحتوي على قرى فلسطينية فتشكل نحو 28 % من مساحة الضفة ( مناطق “ب”). وباقي المناطق (أي مناطق “ج”) هي أراض واسعة تضم مستوطنات وتجمعات فلسطينية مبعثرة.

 

مدير مركز ذرا في فلسطين

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى