مقالات الموقع الالكتروني

السلام هو المرفأ الآمن لكل اليمنيين

د. أحمد قايد الصايدي

شارك

السلام هو المرفأ الآمن لكل اليمنيين

 

د. أحمد قايد الصايدي

رتبت الأمم المتحدة، تحت رعايتها وعبر المبعوث الخاص لأمينها العام إلى اليمن، هانز جروندبرج، وبموافقة من الأطراف اليمنية والأطراف الخارجية الضالعة في الحرب، رتبت لهدنة مؤقتة، مدتها شهران، دخلت حيز التنفيذ اعتباراً من الساعة السابعة مساء يوم الثاني من أبريل الجاري. وقد تضمنت الهدنة: وقف جميع العمليات العسكرية الهجومية، داخل اليمن وخارجه، وتجميد المواقع العسكرية الحالية على الأرض ودخول 18 سفينة من سفن المشتقات النفطية إلى ميناء الحُديدة، خلال فترة شهري الهدنة، وتشغيل رحلتين جويتين تجاريتين أسبوعياً من مطار صنعاء، رحلة واحدة إلى عمَّان، ورحلة أخرى إلى القاهرة، ودعوة المبعوث الأممي الخاص، فور دخول الهدنة حيّز التنفيذ، دعوته (الأطراف) إلى اجتماعٍ، للاتفاق على فتح طُرقٍ في تعز وغيرها من المحافظات، لتيسير حركة المدنيين من رجال ونساء وأطفال، وتعيين (الأطراف) ضباطَ ارتباطٍ مخوَّلين للعمل مع مكتب المبعوث الخاص على جميع جوانب الهدنة، بما فيها الجوانب العسكرية، لدعم الهدنة والتأكد من الالتزام بها، حيث لن تكون هناك مراقبةٌ مستقلّةٌ، وتقديم مكتب المبعوث الخاص الدعم والتنسيق اللذين تطلبهما (الأطراف)، للمساعدة في تنفيذ الهدنة. وستكون هذه الهدنة قابلة للتمديد، بموافقة (الأطراف). وستتشاور (الأطراف) مع المبعوث الخاص، حول الخطوات القادمة المؤدية إلى إنهاء الحرب.

 

وقد كرر المبعوث الخاص في إحاطته بعض ما تضمنه نص الهدنة، وأكد على موضوع تبادل الأسرى بين جميع (الأطراف)، وأشار إلى أن اليمنيين يطالبون باستئناف سداد الرواتب وتوفير الخدمات والجمع بين المؤسسات الاقتصادية.

 

ومن الملاحظ في نص الهدنة وفي إحاطة المبعوث الأممي تكرار لفظ (الأطراف)، دون تحديد من هي الأطراف المقصودة، هل هي الأطراف اليمنية فقط، أم جميع الأطراف الداخلية والخارجية الضالعة في الحرب؟ كما أن الإشارة إلى “فتح طرق في تعز وغيرها من المحافظات” يُفهم منه فتح بعض الطرق المقطوعة، وليس جميعها.

 

ومن الملاحظ أيضاً أن الأمم المتحدة لم تشر في بنود الهدنة إلى إمكانية زيادة عدد الرحلات الجوية، من مطار صنعاء وإليه، كلما تم إحراز تقدم في مسار الهدنة. فرحلتان أسبوعيتان، رغم رمزيتهما المشجعة، لا تلبيان الحد الأدنى من حاجة مئات الآلاف من المرضى والجرحى والطلاب ورجال الأعمال إلى السفر إلى عواصم مختلفة، وليس إلى القاهرة وعمَّان فحسب. كما لم تشر الأمم المتحدة إلى ضرورة توحيد عمل البنك المركزي، في كل من صنعاء وعدن، وتوحيد سعر العملة، التي ألحق التباين الكبير في سعرها أضراراً مادية بالغة، سواءً على مستوى معيشة المواطنين اليومية، أو على مستوى التحويلات المالية والحركة التجارية والنشاطات الاقتصادية المختلفة، ولم تشر إلى استئناف صرف مرتبات الموظفين ومعاشات المتقاعدين. وإذا ما استؤنف صرفها، هل سيُراعى عند صرفها هبوط سعر الريال مقابل الدولار؟ وهل سيُراعى الفارق الكبير في سعره بين  صنعاء وعدن؟ الذي تجاوز نسبة 100%. وهذه كلها قضايا جوهرية وملحة، لن يكتمل المضمون الإنساني للهدنة دون معالجتها. ونأمل أن تتم معالجتها خلال فترة الهدنة المعلنة، إذا تم التقيد بها.

 

كما نأمل أن تتواصل الحوارات المخلصة والجهود الصادقة، لجعل هذه الهدنة فرصة للتقارب والتفاهم وتجاوز نقاط الخلاف، وإنضاج خارطة طريق، توصل اليمن واليمنيين إلى بر الأمان. لتتحول الهدنة المؤقتة بذلك إلى وقف دائم للحرب، فتُطوى صفحة الحرب وأوجاعها ومآسيها، إلى غير رجعة. وأملنا هذا ليس صعب التحقيق، إذا لم تُستغل الهدنة من قبل أي طرف من أطراف الحرب، لإعادة ترتيب أوراقه وتعزيز مواقعه وحشد قواه العسكرية، للتحضير لاستئناف القتال من جديد. وأي طرف يعمد إلى ذلك، فإنه طرف مدان، ولا عذر له ولا مبرر. فالهدنة فرصة ثمينة لتواصل المشاورات ووضع الأسس اللازمة لإطلاق الحوار المنتظر بين جميع الأطراف اليمنية، والإعداد لحوار مع الأطراف الخارجية الضالعة في الحرب، للاتفاق على الإجراءات والآليات التي ستُتخذ، لضمان عدم تجدد الحرب، ولتحمل التبعات المادية لها، من إعادة إعمار وتعويضات للمواطنين عما لحق بهم من أضرار.

 

وقد تزامن إعلان الهدنة من قبل الأمم المتحدة مع إعلان آخر، تضمن تفويض الأخ عبد ربه منصور هادي جميع صلاحياته (تفويضاً لا رجعة فيه) إلى مجلس رئاسي، ضم ثمانية أشخاص، من مناطق يمنية ومشارب سياسية مختلفة، يُفترض أن يمارس المهام والصلاحيات، التي لم يمارسها الرئيس بصورة فعلية طوال السنوات الماضية، كاتخاذ الإجراءات المهيئة لتطبيع الأوضاع وتوسيع دائرة الحوار، لتشمل كل الأطراف اليمنية الفاعلة، ومعالجة بعض الجوانب الاقتصادية والمالية والخدمية والأمنية المتعلقة بمعيشة الناس وحياتهم اليومية. ومن الواضح أن قراراً دولياً وإقليمياً قد اتُّخذ بطي صفحة الرئيس عبد ربه، ولو تحت عنوان (تفويض الصلاحيات)، وهو قرار ينسجم مع المزاج الشعبي العام في اليمن، الذي تطلع طويلاً إلى طي صفحة الأخ الرئيس.

 

لقد أثارت صياغة نص قرار التفويض جدلاً قانونياً وسياسياً، لاسيما حول مفهوم (تفويض الصلاحيات) وحدوده. كما أثارت الصلاحيات الممنوحة لمجلس الرئاسة شكوكاً ومخاوف، من أن يشكل بعضها مدخلاً للتفريط بسيادة اليمن وأراضيه وثرواته ومصالحه الوطنية العليا، إذا ما أسيء استخدامه.

 

ومع أن هذه التساؤلات مشروعة، والتخوف من التفريط باستقلال اليمن وأراضيه وثرواته تخوف له ما يبرره، والشكوك في نوايا التحالف مفهومة، وعدم الاطمئنان إلى خيارات وسلوك أطراف الصراع اليمنية له ما يسوغه، فإننا ومن واقع معاناة اليمنيين، التي فاقت كل الحدود، ولم تعد تُطاق أو تُحتمل، نتساءل، وعلى افتراض حسن النوايا: ألا يمكن أن يأخذ الجميع من بنود الهدنة ومن قرار التفويض ما هو مفيد وقابل للتطوير والبناء عليه، وأن يستبعدوا ما يمكن أن يكون ضاراً، أو على الأقل باعثاً على الشك والتخوف؟ وهل يمكن أن نستفيد من المتغيرات الإقليمية والدولية، التي قد تتيح لنا فرصة التقدم خطوات نحو السلام المنشود، وأن نبتعد عن المراوغات والتكتيكات قصيرة النَّفَس عديمة النفع فادحة الضرر؟

 

فهناك حصار شامل فرضه التحالف منذ سبع سنوات، ألحق الأذى بالمواطنين المسالمين، أكثر مما ألحقه بالقوى المتقاتلة. وهناك استعصاء واضح في الميدان العسكري، يجعل حسم الحرب لصالح طرف من أطرافها أمراً مستحيلاً، وهو ما أكدناه باستمرار، منذ بداية الحرب وحتى الآن. وهناك معاناة حادة، لم تعد تُطاق، مست كل جوانب الحياة الإنسانية الطبيعية. فهل بالإمكان أن نأخذ من هذه المستجدات ما يمكن أخذه من إيجابيات، ونعمل على تطويرها، مع التنبه للسلبيات، والعمل على استبعادها، عبر الحوار الجاد الصادق المثمر، الحوار الذي طالبنا به منذ الساعات الأولى للحرب، والذي لابد أن يشمل كل الأطراف ذات الوجود الفاعل في مسرح الأحداث، دون استثناء. إذ لا يمكن تجاوز أي قوة فاعلة، دون أن يكون لذلك نتائج سلبية في المستقبل، ولا يمكن أن تُطوى صفحة الحرب بصورة نهائية، إلا بحوار الجميع مع الجميع، وبالتوافق على حل كل القضايا العالقة وبناء دولة النظام والقانون والعدل، دولة الشراكة الوطنية والمواطنة المتساوية والتبادل السلمي للسلطة، عبر صناديق الانتخابات.

 

ولعل من المناسب في هذا السياق أن نُذكِّر بمبادرة السلام، التي أعلنها (التجمع الوطني لمناضلي الثورة اليمنية)، أحد مكونات (جماعة نداء السلام) في الخامس عشر من مايو 2015م، والتي تبنتها جماعة نداء السلام عند إنشائها، في مطلع عام 2017م. فقد تضمنت تلك المبادرة، فيما تضمنته: وقف القصف الجوي الخارجي، متزامناً مع وقف الاقتتال الداخلي في كل المناطق اليمنية، والعودة إلى طاولة الحوار تحت إشراف الأمم المتحدة، للتوافق على تشكيل حكومة انتقالية وهيئات مؤقتة للدولة، وإعادة صياغة الدستور وإنزاله للاستفتاء الشعبي العام، ووضع قانون جديد للانتخابات على ضوء الدستور الجديد، وتعيين لجنة انتخابات جديدة، تتولى تنظيم انتخابات برلمانية ورئاسية، تنتهي بها المرحلة الانتقالية. وإلى جانب هذه الخطوات، وبالتوازي معها، نصت المبادرة على أن يتم وضع برنامج محدد ومزمَّن للمهام الإجرائية الأخرى، التي يجب إنجازها خلال المرحلة الانتقالية، ومنها إعادة بناء القوات المسلحة بناءً وطنياً جديداً، لا يستثني منطقة ولا مكوناً اجتماعياً، مع وضع الأسس الضامنة لمهنيته وحياديته وعدم ولائه لأشخاص أو لمكونات اجتماعية أو سياسية أو لمنطقة من المناطق أو عشيرة من العشائر، بل لليمن كل اليمن، ليكون مؤسسة وطنية كافلة لأمن اليمن واليمنيين جميعهم دون تمييز. وأكدت المبادرة على ضرورة وضع ميثاق شرف تلتزم به جميع المكونات السياسية، يتضمن أهم المبادئ، التي يقوم عليها النظام السياسي والحياة السياسية في اليمن، وعلى رأسها الشراكة الوطنية والتبادل السلمي للسلطة عبر صناديق الانتخابات ورفض العنف بكل أشكاله وتثبيت مبدأ المواطنة المتساوية وتكافؤ الفرص أمام أبناء اليمن جميعهم وتأكيد الولاء للوطن وتجريم الولاء للخارج.

 

لقد طفح الكيل وبلغت المعاناة أقصى حدودها، وتبين أخيراً لمن لم يستبينوا الرشد في لحظة انفجار الحرب، وعجزوا عن رؤية أهدافها المستترة واستشراف مساراتها ومآلاتها، تبين لهم أخيراً أن السلام هو المرفأ الآمن لكل اليمنيين، وأن الحوار هو السبيل الوحيد للخروج من هذه المحنة التي نعيشها، وأن إطالة أمد الحرب أضحت ضرباً من المكابرة الضارة بالجميع، سواءً الأطراف اليمنية المتقاتلة، أو الأطراف الخارجية الضالعة فيها. فمع تعاظم المعاناة واستمرار الحرب دون أفق، ومع استعصاء واضح في الميدان العسكرى، ومؤشرات انفراج سياسي نسبي، إقليمي ودولي، ورغبة لدى القوى الخارجية في الانتهاء من الحالة اليمنية المكلفة الثمن، ولا سيما القوى الضالعة منها في الحرب، يغدو الإصرار على استمرار الحرب سلوكاً غير مسؤول، يجب أن يتوقف، ليتوجه الجميع نحو السلام، نحو التعايش والتعاون والبناء وترسيخ أسس الدولة الكافلة لحياة اليمنيين جميعهم، الحامية لاستقلال اليمن وثرواته ووحدته وسلامة أراضيه واستقلال قراره السياسي، الرافضة لكل أنواع الوصاية الخارجية على حاضر اليمن ومستقبله.

 

أكاديمي ومؤرخ من اليمن

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى